حصاد (2025)… عام الإخوان الأسود في أوروبا

حصاد (2025)… عام الإخوان الأسود في أوروبا

حصاد (2025)… عام الإخوان الأسود في أوروبا


22/12/2025

شكّل عام 2025 أحد أكثر الأعوام حرجًا في تاريخ جماعة الإخوان المسلمين داخل أوروبا، حيث تداخلت الانكشافات مع تضييقات قانونية متصاعدة، وفتحت الحكومات الأوروبية ملفات كانت لسنوات طويلة محاطة بالحذر والمواءمات السياسية. ومع نهاية العام، بدا واضحًا أنّ الجماعة التي اعتادت التمدد عبر المراكز الإسلامية والجمعيات الثقافية وشبكات التمويل العابرة للحدود تواجه اليوم حصادًا مرًّا يمكن وصفه بحق بأنّه "عام الإخوان الأسود في أوروبا".

لقد وجدت جماعة الإخوان في احترام الحريات، والمساحة القانونية الواسعة لاحترام الحريات والاختلاف وحقوق الأقليات، ووجود جاليات مسلمة في أوروبا وأمريكا، فرصة ذهبية للوجود داخل أوروبا والسيطرة على المساجد ودور العبادة، والمؤسسات الثقافية والتربوية الإسلامية، ليكون لها السيطرة على هذه الجاليات، ويكون لها وجود على أرض أوروبا، وهي بارعة في استغلال مساحة الحرية والمرونة التي يعرفها القانون الأوروبي. 

وصنعت جماعة الإخوان لنفسها مساحة وأحقية للوجود تحت غطاء الخطاب الدعوي الذي يجعلهم جماعة ضرورية للجاليات المسلمة، إذ أنّها تمثل الممثل الروحي والديني لهذه الجاليات التي تقع تحت الحماية الأوروبية، وعليها أن توفر لها حقها في الاختلاف الديني وإقامة شعائرها ومعتقداتها ما لم تضرّ بالآخرين.

الخطر الإخواني على أوروبا

في تصريح للكاتب والباحث السوري المقيم في كندا أحمد اليوسف، خصّ به (حفريات)، قال: إنّ "مشكلة الإسلام السياسي بالعموم في أوروبا هي الارتباط الخارجي بإيديولوجيات ترتبط بنظم دول إسلامية لها أجندات تتعارض مع النظم الأوروبية كإيران والسعودية على سبيل المثال، بمعنى نقل الصراعات من الشرق الأوسط ورميها على الجاليات المسلمة التي تحاول الاندماج وتحاول العيش، وتحاول أن تكون مجموعة من المواطنين من الدرجة الأولى مثلها مثل غيرها، هنا الخطاب الإسلامي غالبًا يعمل على شدّه لمشاكل أخرى".

وتمتلك جماعة الإخوان الدهاء الكافي الذي يمكنها من التحايل على القانون والنظام الأوروبيين، وتتغلغل داخل المجتمعات الأوروبية بشكل يهدد قيمها التي تعمل على حمايتها، خاصة أنّ جماعة الإخوان كثيراً ما استخدمت الجاليات المسلمة للضغط على أوروبا. ففي أحداث "طوفان الأقصى" طالب مجلس مسلمي أوروبا الجاليات المسلمة بالخروج في مظاهرات تندد بالحرب، وأكد على الالتزام باللوائح القانونية، وكان يوسف القرضاوي صاحب الانتماء الإخواني من مؤسسي المركز، والأستاذ عبد بن منصور هو من أقام مجلس تأبين للقرضاوي، ممّا يشير إلى علاقة دعم وتأثير واضحة، فكان الوجود والتأثير الإخواني في المركز قوياً. 

في الثاني عشر من تشرين الثاني (نوفمبر) عام 2020 أعلن المستشار النمساوي سبيستيان كروتز عن اتخاذ مجموعة من التشريعات لمكافحة الإرهاب، وتضمنت هذه التشريعات التحقيق حول تجريم تنظيم الإخوان والإسلام السياسي الساعي للتطرف السياسي بدوافع دينية، واعتباره جريمة جنائية يعاقب عليها القانون النمساوي. وقد ردّت على محاولات سن مثل هذه القوانين إحدى رموز الدراسات الإسلامية بألمانيا، وهي الدكتورة جوردن كريمر؛ عضو مجلس العلوم الألماني قائلة: إنّ الجهود النمساوية لإدخال الإسلام السياسي كجريمة جنائية كما هو في النمسا سخيفة طالما لم يتم تعريفها بدقة. وأوضحت أنّ التجريم يجب أن يقف عند حدود الخطر وممارسة العنف أو التحريض عليه. 

ومع تنامي العمليات الإرهابية وإدراك الإدارة النمساوية لخطر الإخوان على دولة النمسا، في 13 تموز (يوليو) 2021، أنهى البرلمان النمساوي عملية الجدل حول الإخوان وحظر أيّ عمل سياسية لجماعة الإخوان المسلمين في النمسا، وكانت النمسا بذلك أوّل دولة أوروبية تحظر تنظيم الإخوان الإرهابي، وجاء هذا القرار ضمن حزمة من القرارات والإجراءات التي قامت بها النمسا لمكافحة الإرهاب. 

تضييق متزايد

من أبرز ملامح العام انكشاف البنية الشبكية للجماعة في دول أوروبا الغربية، خصوصاً ألمانيا وفرنسا وهولندا، فبعد سنوات من استخدام واجهات "دعوية" و"خيرية"، بدأت أجهزة الأمن في الكشف عن طبيعة الروابط التنظيمية بين هذه المؤسسات ومراكز القرار في التنظيم الدولي، وأصدرت عدة أجهزة استخبارات تقارير رسمية وصفت فيها الجماعة بأنّها "كيان ذو أجندة سياسية دينية يسعى لاختراق المؤسسات"، وهو توصيف يحمل دلالات قانونية وأمنية بالغة التأثير. وفي ألمانيا تحديداً، شهد عام 2025 تضييقاً غير مسبوق شمل إغلاق بعض المراكز، وإدراج مسؤولين في قوائم المتابعة اللصيقة، مع تزايد الدعوات الحزبية لحظر الجماعة بالكامل أسوة بالنهج النمساوي.

ويمثل التمويل الركيزة الكبرى لنفوذ الإخوان في أوروبا، وكان عام 2025 عاماً حاسماً في هذا الملف، حيث توسعت هيئات الرقابة المالية في متابعة التحويلات القادمة من الخارج، خصوصاً من مؤسسات مرتبطة بالتنظيم الدولي، وتعرّضت مراكز عديدة لعمليات تفتيش مفاجئة، وتم تجميد حسابات مرتبطة بجمعيات ثبت تورطها في تمويل نشاط سياسي طائفي تحت غطاء العمل الخيري، ودخل الاتحاد الأوروبي على الخط عبر توصيات جديدة لتعزيز الشفافية المالية للمنظمات الإسلامية، في خطوة اعتبرها محللون ضربة مباشرة لشبكات الإخوان التقليدية.

محدودية الوجود الإخواني وانهيار خطاب الضحية 

اعتادت الجماعة لعقود على خطاب الاضطهاد لاستدرار التعاطف الأوروبي، لكن خلال 2025 فقد هذا الخطاب تأثيره بشكل واضح في الإعلام الأوروبي، سواء في ألمانيا أو فرنسا أو إيطاليا. ونشرت تحقيقات معمّقة كشفت عن تلاعب الإخوان بمفهوم الاندماج، واستخدام المراكز الثقافية لأهداف سياسية، وعمليات تجنيد للشباب وتوجيه سياسي مغطى بطابع ديني، وعلاقات وثيقة مع منظمات خارجية ذات طبيعة إيديولوجية حركية. 

ومن خلال استغلال جماعة الإخوان للقانون الأوروبي والمنظمات الأوروبية، وما تم الكشف عنه مؤخراً من تلاعبات الجماعة، اضطرت الساحة السياسية في معظم الدول الأوروبيّة إلى تبنّي نهج أكثر تشدداً، خصوصاً في سياق صعود الخطاب الداعي لمواجهة الإسلام السياسي دون المساس بالحرية الدينية.

وكان لهذه الانكشافات تأثير كبير في قيادة الإخوان للجاليات المسلمة، وشهد عام 2025 تراجعاً كبيراً في هذا المجال، فقد تزايد الوعي لدى المسلمين الأوروبيين بخطورة توظيف الدين سياسياً، ومع انتشار المنصات المستقلة باتت الجماعة تفقد قدرتها على الاحتكار والتمثيل، في فرنسا، على سبيل المثال، بدأ العديد من الأئمة الشباب يتحدثون علناً ضد الهيمنة الفكرية للجماعة، بينما اتجهت الجاليات لبدائل تنظيمية لا تتماهى مع الأجندات الحركية. 

ومع نهاية عام 2025 أصبح التنظيم أمام مفترق طرق حقيقي، وظهر السؤال حول مستقبل الإخوان في أوروبا بعد عامهم الأسود، وظهرت اقتراحات حول الاندماج القسري الذي يضطرهم إلى التخلي عن أساليب العمل السرّي والانفتاح الشامل على قوانين الدول الأوروبية، أو الانكماش الحركي والعودة إلى العمل الدعوي التقليدي دون طموحات سياسية، أو إعادة التموضع ومحاولة خلق شبكات بديلة خارج أوروبا أو عبر العالم الرقمي، لكن مع رقابة متزايدة.

وخبرة الجماعة الطويلة للتكييف مع البيئات الجديدة، وإعادة صياغة نفسها من جديد والتلاعب على القوانين والنظم وفق أهوائها، تجعل المشهد مفتوحاً، والواقع أنّ البيئة الأوروبية عام 2025 لم تعد كما كانت قبل (10) سنوات؛ فقد أدركت الحكومات طبيعة التحدي، وبدأت في بناء أدوات قانونية وأمنية تتعامل مع الجماعة باعتبارها كياناً إيديولوجياً يسعى للتأثير السياسي، لا مجرّد منظمة دينية.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار


آخر التقارير

الصفحة الرئيسية