ما بعد تصويت الكونغرس: مستقبل الإخوان تحت ضغط التشريع الأمريكي

ما بعد تصويت الكونغرس: مستقبل الإخوان تحت ضغط التشريع الأمريكي

ما بعد تصويت الكونغرس: مستقبل الإخوان تحت ضغط التشريع الأمريكي


10/12/2025

يمثل تصويت لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأمريكي، الأربعاء الماضي، على مشروع قانون يُلزم الرئيس دونالد ترامب بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين بجميع فروعها وشبكاتها منظمة إرهابية أجنبية، يمثل خطوة غير مسبوقة في تاريخ الجدل الأمريكي حول الجماعة. 

فهذا التحرك لا يكتفي بتجديد النقاش القديم حول توصيف الإخوان، بل يحاول ترسيخ مسار تشريعي مُلزم يتجاوز ممانعة المؤسسات التنفيذية، ويعيد صياغة طريقة تعامل الولايات المتحدة مع التنظيم الدولي للإخوان على نحو جذري.

المشروع الذي قدّمه النائب الجمهوري ماريو دياز بالارت حصل على دعم كامل الجمهوريين داخل اللجنة، إلى جانب تأييد يُقارب نصف الديمقراطيين، وهو ما يعكس حالة توافق نادرة في بيئة سياسية شديدة الانقسام.

ويشير هذا التلاقي السياسي إلى تشكّل "كتلة ضغط فوق-حزبية" ترى في الإخوان تهديداً أمنياً وإيديولوجياً يتجاوز حدود الشرق الأوسط، وهي سردية لعبت مراكز بحثية ذات توجهات يمينية دوراً محورياً في تثبيتها داخل الكونغرس.

ورغم اعتراض وزارة الخارجية ووكالة الاستخبارات المركزية على خطوة التصنيف، بحجّة تعقيداتها الدبلوماسية، فإنّ المناخ السياسي في واشنطن بات مستعداً لإعادة فتح الملف، مدفوعاً بضغوط فكرية وإعلامية ضخمة، وتحولات أوسع في مقاربة الولايات المتحدة تجاه الإسلام السياسي. 

دلالة التوقيت... لماذا يعود ملف الإخوان الآن؟

توقيت الدفع بمشروع القانون داخل لجنة الشؤون الخارجية ليس تفصيلة عابرة، بل هو مؤشر على تحولات أعمق في المزاج السياسي الأمريكي. فعودة النقاش حول تصنيف الإخوان تأتي في لحظة تسعى فيها واشنطن إلى إعادة هندسة علاقتها بالشرق الأوسط بعد سنوات من التردد الاستراتيجي. ومن ثمّ تبدو خطوة التصويت محاولة لإعادة إنتاج سياسة "الضغط القصوى" على جماعات الإسلام السياسي، وربطها بشبكات التأثير والتمويل العابر للحدود التي تثير قلق المؤسسات الأمنية في الولايات المتحدة.

وقد لعبت التحركات اليمينية خلال العامين الأخيرين دوراً محورياً في إعادة إحياء الملف؛ إذ ركّزت مراكز بحثية كـ "منتدى الشرق الأوسط" و"معهد الدفاع عن الديمقراطيات"، على تقديم ملفات موسعة تربط بين نشاط الإخوان وأجندات تتعلق بتمويل جماعات مصنفة إرهابية أو ممارسة "تدريب إيديولوجي" يُسهم في تهيئة بيئات التطرف. هذه السرديات، رغم الجدل حول دقتها، نجحت في تشكيل مزاج داخل الكونغرس يعتبر أنّ إبقاء الجماعة خارج قوائم الإرهاب يمثل "فجوة أمنية" ينبغي إغلاقها.

أمّا داخل الإدارة نفسها، فثمة إدراك متزايد بأنّ الجماعة نجحت، خلال العقد الماضي، في إعادة التموضع داخل شبكات ضغط في الولايات المتحدة عبر مؤسسات مجتمع مدني ومنظمات حقوقية ذات امتدادات دولية. وقد أثار هذا الأمر حفيظة تيارات ترى أنّ هذا الوجود يستخدم خطاب الحقوق كأداة لبناء شرعية سياسية داخل واشنطن. 

وبالتالي، يصبح التوقيت جزءاً من محاولة كبح هذا التمدد ووضع حدّ لإمكانية توظيفه في أيّ تحولات داخلية أو إقليمية.

مستقبل مشروع القانون… مسار صعب لكنّه غير مستحيل

رغم الزخم الذي اكتسبه المشروع داخل لجنة الشؤون الخارجية، فإنّ طريقه إلى الإقرار الكامل ما يزال طويلاً. إذ يتطلب المرور بأغلبية في مجلس النواب ثم مجلس الشيوخ، قبل وصوله إلى المكتب البيضاوي ليوقعه الرئيس. 

ورغم أنّ الجمهوريين يميلون لدعم المشروع، فإنّ الديمقراطيين منقسمون داخلياً؛ فبينما يؤيده قطاع منهم لأسباب أمنية، يعارضه آخرون باعتباره قد يضرّ بمصالح واشنطن في ملفات تتعلق بالحوار مع حركات الإسلام السياسي في دول تشهد صراعات داخلية.

غير أنّ التحول الملموس يتمثل في أنّ المشروع لم يعد "اقتراحاً رمزياً" كما كان في جولات سابقة، بل بات مدعوماً بأغلبية جمهورية صلبة، وكتلة ديمقراطية معتبرة، وغطاء بحثي وإعلامي فاعل. 

وهذا الأمر يعزز من فرص إعادة طرحه للتصويت العام حتى لو سقط في مرحلة ما؛ إذ أصبح الملف جزءاً من أجندة "الأمن القومي" للكونغرس، وليس مجرد معركة إيديولوجية عابرة.

ويُرجّح عدد من الباحثين الأمريكيين أن تتم إعادة صياغة المشروع خلال المراحل المقبلة، للتخفيف من كونه تصنيفاً شاملاً يشمل كل الفروع، بحيث يجري التركيز على شبكات محددة متهمة بدعم نشاطات إرهابية أو مرتبطة بتنظيمات مصنفة مسبقاً.

هذا السيناريو، الذي يمكن وصفه بـ "التصنيف الانتقائي"، قد يشكل تسوية مقبولة للمؤسسات التنفيذية، ويضمن في الوقت نفسه بقاء الضغوط السياسية قائمة على الجماعة.

التأثيرات المتوقعة على التنظيم الدولي للإخوان

بغضّ النظر عن مآل المشروع، فإنّ مجرد وصوله إلى هذا المستوى التشريعي يمثل ضربة معنوية وتنظيمية للإخوان. إذ يضع الجماعة تحت دائرة الضوء مجدداً، ويجبر شبكاتها على مستوى الولايات المتحدة وأوروبا على إعادة تقييم بنيتها التمويلية ومسارات عملها السياسي والدعوي. 

وفي حال صدور التصنيف بشكل كامل، فإنّ ذلك سيترجم إلى قيود أشد على التنظيمات المرتبطة بالإخوان، سواء في ما يتعلق بالتحويلات المالية، أو تسجيل الجمعيات، أو استخدام المنصات الإعلامية.

ويتوقع خبراء في شؤون الجماعات الإسلامية أن يدفع التصنيف المحتمل الجماعة إلى نقل مزيد من عملياتها إلى دول أقلّ انفتاحاً على الرقابة الأمريكية، وهو ما يعني إعادة تشكيل الجغرافيا التنظيمية، وربما تعزيز الاعتماد على فروعها في آسيا وأفريقيا.

وسيكون لهذا التغيير أثر مباشر على قدرة الجماعة على التأثير في دوائر صنع القرار الغربي، التي شكلت لسنوات طويلة أحد أهم مصادر قوتها.

إضافة إلى ذلك، فإنّ الضغوط الأمريكية ستثقل كاهل العلاقات التاريخية التي بنتها الجماعة مع عدد من الدوائر الإعلامية والحقوقية الدولية التي غالباً ما قدمتها في صورة "ضحية سياسية" أو "فاعل إصلاحي"، فوجود تصنيف أمريكي رسمي سيقوّض من مصداقية هذه السردية، وقد يعيد توزيع التحالفات داخل هذه الشبكات لصالح أطراف تتبنّى رؤية نقدية للإخوان.

الفاعلية المحتملة للقرار… قوة القانون أم تعقيدات التطبيق؟

تاريخياً، أثبتت التجارب الأمريكية أنّ تصنيف منظمة كـ "إرهابية أجنبية" لا يحقق دائماً الأثر المتوقّع، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بتنظيمات ذات بنية غير مركزية وشبكات منتشرة عالمياً، والإخوان من هذا النوع، فالتنظيم يتميز بتعدد طبقاته التنظيمية، وانتشار مراكزه في دول تختلف في قوانينها وسياساتها، وهو ما يجعل استهدافه قانونياً مهمة معقدة.

لكن في المقابل، يمنح القانون الأمريكي أدوات فعالة في تتبع التمويل والضغط الدبلوماسي، وهو ما قد ينعكس بصورة مباشرة على الفروع التي تعتمد على واجهات مجتمع مدني في الولايات المتحدة لجمع الأموال أو التأثير السياسي.

ويمكن أن يقود القرار إلى موجة أوسع من الدول الغربية التي قد تتشجع للسير في الاتجاه ذاته، خصوصاً في ظل تنامي القلق الأوروبي من أنشطة التنظيم في السنوات الأخيرة.

إلا أنّ التحدي الأكبر يتمثل في قدرة الجماعة على إعادة تدوير خطابها، وتقديم نفسها كحركة سياسية معتدلة، ومحاولة استغلال الانقسامات داخل النخبة الأمريكية، وهذا ما حدث سابقاً. لكنّ المشروع الحالي، بخلاف ما سبقه، يأتي مدعوماً برغبة تشريعية واضحة، وليس مجرد توجّه من الإدارة، وهو ما قد يحدّ نسبياً من قدرة الجماعة على المناورة.

ما الذي يعنيه ذلك لمستقبل حضور الإخوان في واشنطن؟

منذ مطلع الألفية حاول الإخوان بناء علاقة شرعية داخل العاصمة الأمريكية عبر مؤسسات بحثية وجماعات ضغط وشبكات علاقات عامة. لكنّ المشروع الجديد يضع هذه الشبكات تحت اختبار غير مسبوق. فمجرد طرح التصنيف على الكونغرس يمنح خصوم الجماعة مساحة لإعادة فتح ملفاتها القديمة، والتشكيك في مصادر تمويلها، وتسليط الضوء على الروابط الإيديولوجية بين خطابها الدعوي وبعض الجماعات المتشددة.

وفي حال إقرار القانون، فإنّ ذلك سيحدّ من قدرة الجماعة على الاستفادة من النظام الأمريكي المفتوح، وسيجعل أيّ تعاون معها من قِبل المؤسسات الأكاديمية أو الحقوقية محفوفاً بالمخاطر القانونية. وسيُضعف قدرتها على التأثير في حالات الضغط الدولية، مثل قضايا حقوق الإنسان، التي طالما استخدمتها في مواجهة خصومها الإقليميين.

وبذلك يصبح المشروع، حتى قبل صدوره، أداة سياسية لإعادة صياغة البيئة الاستراتيجية التي تتحرك فيها الجماعة داخل الولايات المتحدة. فهو يفرض واقعاً جديداً يضع الإخوان في موقع الدفاع، ويعيد ترتيب العلاقة بينهم وبين الدوائر السياسية الأمريكية، التي باتت أكثر ميلاً للتعامل معهم بوصفهم مصدر تهديد وليس فاعلاً إصلاحياً.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار


آخر التقارير

الصفحة الرئيسية