إذاعات الضفة نافذة إعلامية لكسر العزلة بعد تدمير الإذاعات المحلية في غزة

إذاعات الضفة نافذة إعلامية لكسر العزلة بعد تدمير الإذاعات المحلية في غزة

إذاعات الضفة نافذة إعلامية لكسر العزلة بعد تدمير الإذاعات المحلية في غزة


30/11/2025

مع فقدان الإذاعات المحلية التي كانت لسنوات شرياناً للأخبار والتوجيهات في غزة، بات السكان يعتمدون على وسائل بديلة للتواصل وتلقي المعلومات.

فقد توقفت جميع الإذاعات المحلية في غزة وعددها (25) عن نقل الأخبار، وتعددت الأسباب بين قصف جوي إسرائيلي لمقرات كثيرة منها، ممّا أدى إلى تدميرها بصورة كاملة أو جزئية، إضافة إلى النقص الحاد في الكهرباء والوقود، وهو ما يمنع تشغيل الأجهزة والمعدات اللازمة للبث، كذلك فإنّ الانقطاع المتكرر للإنترنت زاد من صعوبة إيصال الأخبار للمتابعين.

ويلجأ الفلسطينيون في غزة إلى أجهزة الراديو المحمولة التي تعمل بالبطاريات أو الشحن لمتابعة بعض الإذاعات الإسرائيلية التي يصل بثها إليهم، والإذاعات العاملة بالضفة الغربية المحتلة، أو لتبادل المعلومات شفهياً وعبر تطبيقات المراسلة.

صوت النجاة الأخير

يقول نظمي أبو شاويش (56 عاماً) من حي الزيتون شرق مدينة غزة: "الوضع الآن صعب، فقبل الحرب الإسرائيلية كنت أعتمد على متابعة القنوات الفضائية، ولكن مع انقطاع الكهرباء منذ عامين، والتوقف عن مشاهدتها، شعرت بأنّ الأمر بات مظلماً مع غيابها عن البث." 

ويضيف أبو شاويش: "عندما اختفت جميع المحطات الإذاعية، اضطررت إلى الاستماع إلى الإذاعات الإسرائيلية الناطقة بالعربية، مثل "إذاعة مكان"، في البداية ترددت، لكنني قلت لنفسي: أيّ معلومة أفضل من انعدامها تماماً، فنحن بحاجة إلى معرفة ما يجري حولنا." 

ويوضح: "كانت الإذاعة تقدّم أخباراً عامة، وأحياناً تحذيرات، وأحياناً أخرى رسائل موجهة إلى السكان، ولم تكن جميعها مفيدة، غير أنّها في ظل انقطاع وسائل الاتصال أصبحت بالنسبة إلينا مصدراً للمعلومات، بغضّ النظر عن الموقف السياسي." 

ويتابع: "هناك من يرفض الاستماع إلى أيّ مصدر إسرائيلي، وهناك من يرى مثلي أنّ الظروف مختلفة، ففي النهاية نحن نريد أن نعيش، وأن نعرف ما إذا كان الطريق آمناً، أو هناك قصف قريب، وإلى أين نتوجه، حتى أصبحت الإذاعة وسيلة للبقاء لا أكثر." 

ويؤكّد أبو شاويش: "أتمنى أن يعود صوت إذاعات غزة، فقد كانت هذه الإذاعات المحلية جزءاً من نبض الحياة، وأرجو أن يعود كل شيء إلى طبيعته، وأن أستمع إلى الموسيقى الفلسطينية بدلاً من أصوات القصف." 

صوت مفقود

أمّا الشاب يوسف نصار من حي النصر بمدينة غزة، فيقول: "الراديو كان صديقنا وقت انقطاع الكهرباء، وكنا نضع البطاريات ونستمع للأخبار والتعليمات، وتحديداً وقت الحروب، فكنا نعرف أماكن القصف، والتعليمات، والأخبار الإنسانية، حتى الأجواء النفسية تختلف حين تسمع صوت إنسان يشاركك الوضع نفسه." 

ويضيف نصار (27 عاماً) وهو طالب جامعي، عندما توقف بث الإذاعات المحلية كانت لحظة صعبة كأنّ جزءاً من الأمان اختفى. البدائل الحالية لتوقف الإذاعات المحلية هي شبكة الإنترنت، وعلى الرغم من الانقطاع المستمر والمتواصل للشبكة، إلا أنّها باتت المصدر الرئيسي للأخبار." 

ويتابع: "يُعتبر البودكاست المحلي أيضاً بديلاً مناسباً، فقد بات الناس يسجلون حلقات قصيرة، مدتها ثلاث أو أربع دقائق، ويقومون بإرسالها عبر الإنترنت عندما يتاح لهم ذلك، وهو الأقرب إلى روح الإذاعة." 

ويؤكّد نصار أنّ "اعتماد الإنترنت بديلاً عن الإذاعة ليس كافياً للحصول على الأخبار، فالإذاعة كانت متاحة للجميع، حتى لمن لا يملك هاتفاً، أمّا اليوم، فقد أصبح هناك نوع من الطبقية في الوصول إلى المعلومة." 

إذاعات الضفة... نافذة بديلة وسط العزلة

يقول ياسين البنا (48 عاماً) من مخيم دير البلح جنوب قطاع غزة: "عندما اختفى صوت الإذاعات الغزية تماماً، بدأت أتنقل بين المحطات حتى التقطت بعض إذاعات الضفة، وفي البداية لم أتوقع أن أجد فائدة كبيرة، لكن مع مرور الوقت اكتشفت أنّها أصبحت المصدر الأكثر ثباتاً، هي لا تعطينا كل التفاصيل، لكنّها على الأقل تبقيك قريباً من المشهد العام." 

ويضيف البنا: "هذه الإذاعات ليست كافية طبعاً، لأنّ طبيعة الأحداث في غزة معقدة وسريعة التغير، لكنّ الإذاعات في الضفة تعطي ملخصات عامة، وتنقل تصريحات رسمية، وتوفر تغطية سياسية وإنسانية."  

ويوضح: "أستمع غالباً إلى نشرات الأخبار والبرامج السياسية القصيرة، إضافة إلى البرامج الصباحية التي تعطي لمحة عامة عن الأوضاع، وأحياناً يبثون رسائل معنوية أو قصصاً إنسانية من الضفة، وهذا يخفف الشعور بالعزلة قليلاً." 

ويتابع البنا: "المسافة الجغرافية تؤثر على دقة أو فاعلية ما تسمعه، لأنّ المذيع في الضفة لا يعيش تفاصيل ما نعيشه هنا، لذلك يكون محتوى الإذاعة أقلّ ارتباطاً بواقع غزة اللحظي، لكن رغم ذلك، تبقى الإذاعات هناك أكثر استقراراً، وهذا يجعلها مصدراً يمكن الاعتماد عليه نسبياً مقارنة بالفراغ الإعلامي الذي نعيشه." 

ويؤكّد البنا: "تبقى هذه الإذاعات مؤقتة، ومهما كانت إذاعات الضفة جيدة، فلن تعوّض الإذاعات الغزية التي كانت تنقل نبض الشارع لحظة بلحظة، ونتمنى أن يعود بثها قريباً، لأنّ الصوت المحلي لا بديل عنه." 

فراغ إعلامي

يرى أستاذ الإعلام بجامعة القدس د. أسامة اليازجي أنّ تدمير الإذاعات المحلية في غزة أحدث فراغاً إعلامياً خطيراً، لأنّه أزال واحدة من أهم أدوات الاتصال التي كانت تربط السكان بمجريات الأحداث لحظة بلحظة." 

ويضيف: "الإذاعات في السياقات الفلسطينية ليست مجرد وسيلة إعلام، بل هي بنية تحتية للمعلومات الطارئة، ومع غيابها أصبحت الصورة العامة أكثر ضبابية، وتراجع تدفق الأخبار المحلية الموثوقة." 

ويوضح: "الإذاعات الغزية كانت تقدّم مزيجاً من التغطيات الميدانية السريعة، والإرشادات الإنسانية، والتنبيهات الأمنية، والخدمات المجتمعية، وأهميتها كانت مضاعفة لأنّ معظم المواطنين يعتمدون عليها عندما تنقطع الكهرباء أو الإنترنت، وهذا ما جعل غيابها بمثابة انقطاع للصوت المحلي بكلّ تفاصيله." 

ويتابع اليازجي: "الإذاعة تُعدّ الوسيلة الأكثر صموداً خلال الحروب، لأنّها لا تحتاج إلى بنى تحتية معقدة، وتصل إلى الناس عبر أجهزة بسيطة يمكن تشغيلها بالبطاريات، وتوفر اتصالاً أحادي الاتجاه ومستقراً حتى عندما تنهار شبكات الاتصال الأخرى." 

ويؤكّد: "تُعدّ إذاعات الضفة بديلاً جزئياً فقط، فهي توفر معلومات عامة وتصريحات رسمية وتغطيات سياسية، لكنّها غير قادرة على تعويض غياب التفاصيل المحلية الدقيقة لأنّ طواقمها بعيدة عن الميدان في غزة، ولا تملك القدرة على العمل داخل القطاع." 

ويختم اليازجي حديثه بقوله: "لإعادة بناء قطاع الإذاعة بغزة من جديد بعد الحرب، لا بدّ من الاستثمار في تطوير الكوادر البشرية وبناء منظومة إعلامية قادرة على الصمود في الأزمات، مع وجود خطط بديلة للطوارئ."



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية