النهضة في العزلة.. بين خطاب المظلومية ومحاولات البقاء السياسي

النهضة في العزلة.. بين خطاب المظلومية ومحاولات البقاء السياسي

النهضة في العزلة.. بين خطاب المظلومية ومحاولات البقاء السياسي


27/10/2025

شهدت حركة النهضة الإخوانية في تونس، خلال السنوات الأخيرة، انحدارًا غير مسبوق في شعبيتها وتأثيرها السياسي، بعد أن كانت لاعبًا رئيسيًا في المشهد الوطني. هذا الانحسار لم يكن نتيجة ظرفية عابرة، بل تراكم لعوامل متعددة تشمل الأداء الحكومي السابق، الانقسامات الداخلية، والتدخلات القضائية التي طالت قادتها البارزين.

وما يميز المرحلة الحالية هو محاولة الحركة تحويل هذا الانحدار إلى خطاب مظلومية، يختبئ وراءه مسعى للحفاظ على النفوذ واستعادة الشرعية.

وبات الخطاب الجديد للنهضة يعتمد بشكل رئيسي على تصوير قياداتها على أنهم ضحايا لسياسات القمع، سواء في السجون أو عبر الملاحقات القضائية، مع التأكيد على أن هذه الإجراءات سياسية الطابع وليست قانونية. 

هذا الأسلوب يهدف إلى تعبئة القاعدة المتبقية، واستدعاء التعاطف المحلي والدولي، بينما الواقع الميداني يثبت أن أعداد المؤيدين تتقلص بشكل ملموس. وتبرز تصريحات راشد الغنوشي من السجن الأخيرة، والتي ركزت على “المعتقلين السياسيين”، كأداة أساسية لإعادة تدوير خطاب الحركة وتحفيز قواعدها المتعطشة لاستعادة النفوذ.

في الوقت نفسه، تحاول النهضة تعزيز وجودها خارج الحدود، مستثمرة شبكاتها الدولية في تركيا وقطر وبعض العواصم الأوروبية، في إطار مسعى لإعادة رسم صورتها على الساحة الدولية. 

وتأتي هذه التحركات في وقت فشلت فيه الحركة في استعادة زخمها الاجتماعي الرقمي والإعلامي، وهو الفضاء الذي شهد تراجعًا كبيرًا لصالح التيارات الأخرى، بما يجعل استمرار النهضة ضمن المشهد السياسي الوطني تحديًا حقيقيًا.

 خطاب “المعتقلين السياسيين” كأداة تعبئة

تعتمد النهضة اليوم على خطاب المعتقلين السياسيين كوسيلة رئيسية لإعادة تعبئة قواعدها. إذ يتم تصوير قياداتها وكأنها مستهدفة بسبب أفكارها، بينما الواقع يشير إلى أن هذه الإجراءات جاءت نتيجة تجاوزات سياسية وإدارية سابقة، فيما يستخدم هذا الخطاب كغطاء لتبرير الانحسار الشعبي والفشل التنظيمي، ولإضفاء صبغة وطنية على أفعال الحركة في الماضي.

وتتكرر الرسائل الداخلية للحركة عبر البيانات الرسمية ومواقعها الرقمية، حيث يتم تصوير المعتقلين على أنهم رموز الوطنية والديمقراطية، في حين أن التدقيق يظهر أن هذه الرمزية مبالغ فيها وتستهدف فقط خلق حالة من التعاطف العاطفي بين القاعدة. 

كما أن استخدام خطاب المظلومية يعكس ضعف القدرة على تقديم رؤية سياسية مستقبلية حقيقية، ويحول التركيز من المشكلات التنظيمية إلى الاستعراض الإعلامي.

في السياق، شددت تصريحات الغنوشي الأخيرة على أن الإجراءات القضائية ضد الحركة تشكل “تهديدًا للديمقراطية التونسية”، وهو خطاب يتناقض بشكل صارخ مع الأفعال الواقعية للحركة خلال السنوات الماضية، ويبرز التناقض العميق بين خطابها وما يعيشه الواقع الشعبي والسياسي. هذا التباين يضع الحركة في مأزق مزدوج: فهي تحاول التعبئة بينما تفتقد للشرعية الشعبية الحقيقية.

النتيجة الواضحة هي أن خطاب المعتقلين السياسيين لم يعد قادرًا على استعادة الحضور السياسي الفعلي للنهضة، بل أصبح مجرد أداة رمزية يمكن استخدامها مؤقتًا لإظهار النشاط والتأثير، دون أي قدرة حقيقية على تغيير الواقع المعقد الذي تواجهه الحركة.

تحركات خارجية لإعادة تدوير الصورة

هذا ولجأت النهضة، في محاولة للحفاظ على نفوذها، إلى تعزيز تواجدها الخارجي عبر حلفائها التقليديين في تركيا وقطر وبعض العواصم الأوروبية. هذه التحركات تشمل تنظيم مؤتمرات، وافتتاح مكاتب ثقافية، والضغط على المنظمات الحقوقية لتسليط الضوء على ما يسمونه “الاضطهاد السياسي”، في محاولة لإعادة تدوير صورتها على الساحة الدولية.

النهضة تحاول أيضًا استخدام شبكة إعلامية موازية لإعادة تقديم نفسها كممثل شرعي للإسلام السياسي المعتدل، مستفيدة من تحالفات قديمة في الإعلام الرقمي والفضائيات، في حين أن المتابعين الميدانيين يلاحظون تراجع الاهتمام بهذه الجهود داخليًا. 

هذا يشير إلى أن الحركة لم تنجح في توظيف هذه التحركات الخارجية لتحقيق مكاسب ملموسة على الأرض، وأن فشلها الداخلي يضعف أي تأثير خارجي ممكن.

التحركات الخارجية تأتي في وقت تواجه فيه الحركة ضغوطًا قانونية وملاحقات قضائية متزايدة، وهو ما يعكس ازدواجية التكتيك: الداخل يتعامل مع الفشل التنظيمي، والخارج يسعى لتلميع الصورة، دون ربط واضح بين الاثنين. هذا الفشل في التوافق بين الداخل والخارج يعكس أزمة استراتيجية عميقة داخل النهضة.

كما أن ربط النهضة بنفسها عبر شبكات التمويل واللوبيات الخارجية يفتح الباب لانتقادات جديدة حول استغلال الموارد الأجنبية لأهداف سياسية محلية، مما يزيد من الشكوك حول جدوى هذه التحركات في تحقيق أهدافها الأساسية داخل تونس.

فشل اختراق الفضاء الاجتماعي مجددًا

الفضاء الاجتماعي الرقمي كان دائمًا أداة رئيسية للنهضة لنشر أفكارها وكسب التأييد الشعبي، لكن الواقع الراهن يكشف عن فشل الحركة في استعادة حضورها بين الشباب والقاعدة الاجتماعية. 

فالمنصات الرقمية التي كانت تعتبر وسيلة رئيسية للوصول إلى الرأي العام أصبحت اليوم ضعيفة التأثير، حيث انحسرت التفاعلات والمشاركة بشكل ملحوظ لصالح التيارات السياسية الجديدة والقوى الوطنية الأخرى.

لكن جهود إعادة تفعيل الصفحات الرقمية أو إطلاق حملات جديدة اصطدمت بعقبات كبيرة، أبرزها فقدان المصداقية بين المتابعين وغياب محتوى سياسي متماسك يواكب القضايا الوطنية. كما أن الحملات الرقمية الممولة من الخارج، رغم ضخامة الموارد، لم تعد قادرة على خلق ديناميكية فعلية على الأرض، وهو ما يظهر حجم الانفصال بين الصورة الرقمية والواقع الشعبي.

هذا الفشل الرقمي يعكس أزمة أوسع في التواصل السياسي للحركة، ويشير إلى أن النهضة تعتمد بشكل كبير على الأساليب الرمزية في التعبئة، مثل خطاب المعتقلين أو التحركات الخارجية، بدل بناء قاعدة شعبية حقيقية تضمن استمرارها في المشهد السياسي.

تجربة السنوات الأخيرة تؤكد أن النهضة لم تعد قادرة على اختراق الوعي الاجتماعي بنفس الطريقة السابقة، وأن فقدان المصداقية أدى إلى عزلة شبه كاملة عن الشارع التونسي، وهو ما يضعف قدرتها على إعادة إنتاج نفسها سياسيًا.

كما أن هذه الأزمة الرقمية تتزامن مع تراجع التأثير الإعلامي التقليدي للحركة، حيث أضحت قنواتها ومواقعها تحت إشراف رقابة ومتابعة متزايدة، مما يضاعف من صعوبة استعادة الدور الفاعل في المجال العام.

هذا وتبدو حركة النهضة اليوم محاصرة بين فشل داخلي في استعادة الشرعية الشعبية، وتحركات خارجية لا تعكس تأثيرًا ملموسًا على الأرض. خطاب المظلومية لم يعد أداة فعالة سوى في رمزية مؤقتة، والتحركات الدولية لم تتمكن من تعويض الانحدار التنظيمي والإعلامي.

وإذا استمر هذا الوضع، فمن المرجح أن تواجه النهضة مزيدًا من الانحسار، وربما تفككًا داخليًا يعيد رسم الخريطة السياسية التونسية بعيدًا عن الإسلام السياسي التقليدي، بينما تبقى صورة الحركة الدولية محدودة التأثير ومتعثرة، في ظل رفض داخلي شعبي لتوظيف المظلومية كأداة بقاء سياسي.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية