مقارنات سينمائية: الحب والخوف في عصر الذكاء الاصطناعي

مقارنات سينمائية: الحب والخوف في عصر الذكاء الاصطناعي

مقارنات سينمائية: الحب والخوف في عصر الذكاء الاصطناعي


26/10/2025

 

سنوات من البحث عن الحب خاضتها السينما العربية والعالمية. مؤخرًا أصبح البحث أكثر تعقيدًا؛ نتيجة طبيعية لثورة تكنولوجيا المعلومات، فهل نستطيع أن نحب نظام تشغيل، أو العكس؟ بمعنى أدق هل من الممكن أن تنشأ علاقة حب بين الإنسان وآلة تعمل بالذكاء الاصطناعي؟

السؤال الذي شغل صناع فيلم " "Herمن تأليف وإخراج سبايك جونز، وبطولة خواكين فينيكس. أيضًا فيلم "Iam Your Man"، وهو فيلم ألماني من كتابة وإخراج ماريا شرادر. وفيلم  الخيال العلمي "Artificial Intelligence" للمخرج ستيفن سبيلبرج وبطولة جود لو. وفيلم الخيال العلمي "2049 Runner Blade" للمخرج دينيس فيلنوف وتأليف هامبتون فانشر ومايكل غرين. والعمل هو تتمة لفيلمRunner"  Blade" الذي صدر عام 1982، وهو من بطولة رايان غوسلينغ وهاريسون فورد.

مؤخرًا قدّمت السينما المصرية فيلم "هيبتا المناظرة الأخيرة" للمخرج هادي الباجوري، من تأليف محمد صادق ومحمد جلال، والفيلم يدور في فلك السؤال نفسه المتعلق بمدى إمكانية نشوء قصة حب بين الإنسان والـ "AI"، بيد أنّ الرحلة تحولت من مجرد قصة حب بين الإنسان والآلة إلى ظهور أسئلة تتعلق بأزمة الهوية وشعور الوحدة ومدى صدق مشاعر الآلة!

 

الحب في زمن التطبيقات والذكاء الاصطناعي

تقرر بطلة فيلم "هيبتا"، التي قدّمتها الفنانة "منة شلبي"، تخليق تطبيق "AI" يحمل أنسب المواصفات التي تقترب من الحبيب البشري، يعتمد في ذلك على قدرات الذكاء الاصطناعي التي تستطيع تطوير ذكائها من خلال البيانات المدخلة ثم العمل على تطويرها وتعلمها وتوليدها بما يضع ذلك الذكاء في منافسة مع الذكاء البشري وربما تفوق عليه. 

 

هل من الممكن أن تنشأ علاقة حب بين الإنسان وآلة تعمل بالذكاء الاصطناعي؟

 

يبدأ الفيلم والبطلة تقف أمام الجمهور على مسرح تقدّم الفكرة؛ فهي من وجهة نظرها أنسب طريقة للوصول إلى الشريك المناسب، فالتطبيق عندما يصل إلى المواصفات المناسبة للشريك يعمل على اختيار البشري المناسب من مستخدمي التطبيق نفسه ويحدث توفيقًا بينهما. لكن ما حدث هو أنّ مصممة التطبيق أدمنت حب الآلة التي قدّمت لها الصورة الأنسب للرجل في حياتها؛ فهي على مدى علاقاتها المتعددة كانت فريسة لعلاقات سامة ورجال أدمنوا تعذيبها والإضرار بمشاعرها الإنسانية إلى أقصى درجة، فلما صنعت تطبيق الـ "AI" أدركت أنّه الصورة الأكمل التي كانت تبحث عنها. في تلك المرحلة تصطدم بالماضي الذي يمثله في الفيلم الفنان "محمد ممدوح"، عندما يصعد إلى المسرح ويدخل في مناظرة مع مصمّمة الشريك الآلي، ويدخلان في حوار فلسفي يتخلل قصص الحب التي عرضتها مصمّمة التطبيق على الجمهور. ويقف الجمهور في حالة حيرة بين حب الآلة وحب الإنسان، بين حب البشر بمشاعره المتضاربة وآلامه وأوجاعه وبين حب الآلة التي وصلت إلى مرحلة الكمال؛ فتقدم لك الحب المطلق اللّانهائي غير المشروط، وتعطيك الاهتمام المطلق اللّانهائي غير المشروط، وتضعك في مقدمة كل شيء. 

 

الحب الاصطناعي الصادق

تدرجت السينما في التعرض لذلك السؤال بأشكال مختلفة، ومتنوعة؛ فلم تتوقف عند مسألة الحب بين رجل وامرأة، بل امتدت للحديث عن الحب الإنساني في المطلق، فماذا لو كان ذلك الذكاء الاصطناعي عبارة عن طفل صُنع ليعوّض أسرة عن طفلهم المريض الذي وقع أسير غيبوبة لا يُعتقد أنّه سيشفى منها؟ وهو فيلمArtificial Intelligence. 

فيلم الذكاء الاصطناعي للمخرج سبيلبرج طرح سؤالًا عكسيًا شديد الأهمية والإنسانية في الآن نفسه؛ ما الذي سيحدث إذا استحال حب الآلة للإنسان حبًا حقيقيًا؟ بمعنى أدق إذا أدركت الآلة شعور الحب الحقيقي نتيجة تطور ذكائها الاصطناعي. ذلك هو السؤال الذي طرحه الفيلم، من خلال قصة أم مرض طفلها، وفي محاولة من الزوج للتخفيف عن حبيبته وافق على طلب تجربة مقدّم من شركة للبحوث العلمية لاصطحاب طفل مُخلّق بالذكاء الاصطناعي وهو الحالة الأولى من هذه النوعية؛ فلم يشاهد الناس من قبل إنسانًا طفلًا آليًّا.

 

شعور الفقد كان السؤال الأبرز الذي طرحه الفيلم الألماني "IAM YOUR MAN".

 

ما حدث أنّ علاقة الطفل الآلي بالأم تطورت فأحبّها بالفعل، وتطورت مشاعره عندما أدرك حقيقة الحب البشري للعائلة، لكن في مرحلة معيّنة تتخلى عنه الأسرة دون إدراك لحقيقة مشاعره، تعاملوا معه باعتباره آلة لا تشعر، آلة قدّمت دورًا اصطناعيًا في مرحلة معيّنة ثم فقدت قيمتها بانتهاء ذلك الدور. في تلك اللحظة يدخل الطفل في رحلة بحث حتى يعود إلى الأسرة من جديد، ويقع فريسة سؤال الهوية هو الآخر، ويتعذب بألم الحب تجاه أمه، ويضع كل ما يملك من قوة وطاقة في سبيل إيجاد حل حتى يتحول إلى بشري ويتخلص من صفة الآلة؛ كان يظن أنّه إذا تحول إلى بشري فسوف تقبله الأسرة مرة أخرى.

 

الرفقاء الرقميون والـ "AI" وخطر الفقد 

شعور الفقد كان السؤال الأبرز الذي طرحه الفيلم الألماني "IAM YOUR MAN. فالبطلة هنا خبيرة في مؤسسة رسمية ووضعها القدر في طريق شركة متخصصة في تخليق بشر آليين متخصصين في تعويض البشر فقدان الحب، يعوضونهم غياب الآخر الذي يحمل لهم حبًا حقيقيًا غير سام. المطلوب من البطلة هنا أو الخبيرة أن تقدّم تقريرًا عن الشركة للمؤسسة، وفي سبيل ذلك خصصت لها الشركة رجلًا آليًّا عاش معها في منزلها ثلاثة أسابيع، رحلة من التحدي استطاع فيها الإنسان الآلي أن يحرك مشاعر البطلة رغم المقاومة الشديدة منذ اللحظة الأولى؛ فهي لا تستطيع أن تصدق أنّه من الممكن أن تنشأ علاقة حب بين البشر وأنظمة التشغيل بالذكاء الاصطناعي. في النهاية تكتشف الخبيرة أنّ الإجابة عن السؤال متمثلة في أكثر من مرحلة؛ الأولى هي المتعلقة بالمشاعر مقارنة بين الإنسان والآلة، فأنظمة التشغيل ستعطيك حبًا غير محدود، ولا نهاية له، عكس البشر أصحاب الأمزجة المتغيرة والنفوس غير المفهومة، الذين يتعمدون إيلامنا في بعض الأحيان وهم يستمتعون بذلك. لكن تظل النقطة الفارقة التي تحسب للإنسان هي أنّ مشاعره حقيقية نابعة من أحاسيسه الداخلية وغير مصطنعة. هي أحاسيس تتفاعل مع تحولات وتقلبات الإنسان، ذلك التحول والتغير هو الذي يعطي قيمة للحياة البشرية. أمّا المرحلة الثانية فقد ظهرت في نهاية الفيلم عندما نكتشف أنّ البطلة تعاني من خوف نفسي يسيطر على اللّاوعي لديها، الخوف من الفقد، والخوف من الوحدة؛ فدائمًا تتذكر والدها الذي يعاني وحيدًا وهو في شيخوخته، وأيضًا دائمًا تذكر أول قصة حب عاشتها وهي طفلة، كانت قصة عاصفة احتلتها واختطفت قلبها، لكن في لحظة اختفى كل ذلك ورحل الحبيب، رحل دون حتى كلمة اعتذار أو تفسير. ذلك هو  الخوف نفسه المتجدد مع الآلة التي من الوارد جدًا أن تختفي في أيّ لحظة، في النهية هي آلة لها عمر افتراضي ولها شركة مالكة قد تقرر في لحظة إيقاف مشروع صنع بشر آليين يعملون بالذكاء الاصطناعي.

الوقوع في الحب كنجاة من الخوف

الخوف من الفقد عاشه بطل فيلم "Her" خواكين فينيكس، في العرض الأول للفيلم عام 2013، قبل أعوام من عرض الفيلم الألماني. الفيلم الحائز على جائزة أوسكار كان من أوائل الأفلام التي طرحت تلك الإشكالية بشكل واضح ومباشر، عن نشوء قصة حب بين الإنسان والذكاء الاصطناعي. قصة حب عاشها البطل مع سامنثا؛ نظام تشغيل على الهاتف المحمول، تطبيق إلكتروني يطور نفسه بالذكاء الاصطناعي اعتمادًا على الحوار الدائم معك، ثم يستفيد من تلك المعلومات التي يجمعها في خلق الصورة المثلى التي يتمنّى كل إنسان حقيقي أن يعيش معها. 

 

تظل النقطة الفارقة التي تُحسب للإنسان هي أنّ مشاعره حقيقية غير مصطنعة.

 

عاش بطل الفيلم تجربة حب غير ناجحة، وعندما انفصل عن حبيبته وجد صعوبة في الارتباط بأخرى، فهو يملك شخصية مختلفة بشكل واضح؛ شديد الرومانسية، منطوٍ ويميل إلى الوحدة، يُعبّر عن نفسه دائمًا بالكتابة، كلمات رومانسية أشبه بقصة قصيرة آسرة. وفي لحظة معيّنة يتعرف البطل على التطبيق الجديد أو نظام التشغيل الجديد على أجهزة الحواسيب، ويبدأ قصة حب دائمًا ما كان يحلم بها، فنظام التشغيل الذي اخترق قلب البطل يعرف كل ما يريده خواكين فينيكس ويحققه حتى دون أن يطلب. بيد أنّه يكتشف في النهاية أنّه مجرد نظام تشغيل، وأنّ ذلك النظام متاح للمئات غيره، ثم في النهاية يختفي نظام التشغيل دون سابق إنذار؛ فالشركة المالكة أوقفت تسويق نظام التشغيل فجأة دون أسباب.

الذكاء الاصطناعي وإشكالية الوجود

تصل الأسئلة إلى قمتها مع عرض فيلم "Runner 2049 Blade" الفائز بالأوسكار، للمخرج دينيس فلينيوف، ومن بطولة رايان غوسلينغ؛ فالمسألة لم تتوقف عند مجرد طرح سؤال حول إمكانية نشوء قصة حب بين إنسان ونظام تشغيل، أو إنسان وآلة، أو حتى وصول الذكاء الاصطناعي إلى إدراك مشاعر الحب ووقوعنا في السؤال الأخلاقي حول احترام مشاعر الآلة في تلك المرحلة. لكن في فيلم فيلينوف تدور القصة حول تمكن الآلة من تطوير نفسها حتى أصبحت تملك قدرات غير محدودة للذكاء الاصطناعي، وتملك في الوقت نفسه مشاعر الإنسان وقدرته على الخلق من خلال عملية الولادة. ويولد بالفعل أوّل طفل من رحم الآلة. ويبدأ الصراع داخل العمل بين البشر والآلات في محاولة لدفن ذلك السرّ الذي ربما يقلب الموازين. وفي القلب من تلك المعركة يفقد البطل حبيبته المصنوعة من الهولوجرام، كانت ذكاءً اصطناعيًا، لكنّها كانت تمثل له كل شيء.

لم يعد السؤال هنا حول الحب ومدى إمكانية حدوثه، أو مشاعر الخوف والفقد وكيف نتغلب عليها، بل وصلت المسألة إلى سؤال الوجود وإمكانية أن يستوي البشر مع الآلات، صراع لا ينتهي، لكنّه صراع يدور داخل أروقة دور العرض السينمائي. دائمًا تُطرح الأسئلة في قاعات السينما وبين دفتي الكتب والروايات، ثم في النهاية دائمًا أيضًا تحدث!



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية