
شهد المغرب خلال الأيام الأخيرة موجة احتجاجات متصاعدة، قادها شباب ينتمون إلى ما صار يُعرف إعلامياً بــ "جيل زد"، في إشارة إلى الجيل الجديد الذي يستخدم منصات التواصل الاجتماعي أداةً للتعبئة والتنظيم. هذه الاحتجاجات التي اندلعت في مدن عدة، من بينها الرباط والدار البيضاء وأغادير ووجدة وتيزنيت، تركزت حول مطالب اجتماعية واقتصادية، أبرزها تحسين التعليم، وتطوير الخدمات الصحية، ومحاربة الفساد، وضمان عدالة أكبر في توزيع الثروة الوطنية.
غير أنّ اللافت في المشهد لم يكن فقط حجم الحراك أو اتساع رقعته الجغرافية، بل أيضاً ارتباك المواقف السياسية التي رافقته، وعلى رأسها مواقف حزب العدالة والتنمية (المصباح) الذراع السياسية للإخوان، الذي وجد نفسه بين ضغوط متعددة، فهو من جهة بات مطالباً أمام قواعده بدعم المطالب بوصفه حزباً معارضاً خارج السلطة، ومن جهة أخرى فهو المتسبب الرئيسي فيما آلت إليه البلاد من مشكلات اجتماعية واقتصادية بعد العشرية التي تولى فيها حكم البلاد.
انطلاق الاحتجاجات وتوسعها
بدأت الموجة الجديدة من الاحتجاجات في أواخر أيلول (سبتمبر) الماضي، حين انتشرت دعوات على منصات "تيك توك وإنستغرام وديسكورد" لحشد الشباب تحت شعار 212، نسبة إلى كود الاتصال الدولي الخاص بالمغرب. الدعوات ركّزت على التعبير السلمي عن السخط من أوضاع التعليم العمومي وتراجع جودة الخدمات الصحية وارتفاع كلفة المعيشة، في وقت يرى فيه المحتجّون أنّ الدولة تخصص ميزانيات ضخمة للبنى التحتية الرياضية استعداداً لاستضافة كأس العالم 2030، بينما يتم تهميش القطاعات الاجتماعية، وظهرت في هذا الوقت أصوات إخوانية دعت إلى المزيد من الحشد.
أعلنت وزارة الداخلية عن تسجيل إصابات في صفوف رجال الأمن والمدنيين، إلى جانب توقيف مئات من المشاركين
مع اتساع رقعة المشاركة، شهدت بعض المدن مواجهات بين قوات الأمن والمتظاهرين. وقد أعلنت وزارة الداخلية عن تسجيل إصابات في صفوف رجال الأمن والمدنيين، إلى جانب توقيف مئات من المشاركين. في المقابل، حرصت الحكومة على التذكير بأنّها تتفهم المطالب الاجتماعية، وأكدت استعدادها للتجاوب مع المطالب المشروعة، لكنّها شددت في الوقت نفسه على ضرورة احترام القانون وضبط النفس.
موقع حزب العدالة والتنمية في الأزمة
بالنسبة إلى حزب العدالة والتنمية، الذي يقبع في صفوف المعارضة منذ انتخابات 2021، شكّلت الاحتجاجات اختباراً سياسياً صعباً. الحزب أصدر بيانات عدة عبر أمانته العامة، أعرب فيها عن قلقه البالغ من التطورات، داعياً الحكومة إلى تحمل مسؤولياتها الكاملة في معالجة الأوضاع الاجتماعية.
في أحد بياناته أكد الحزب أنّ الحراك الشبابي يعكس أزمة عميقة في السياسات العمومية، وأنّ استمرار التهميش والبطالة وغلاء المعيشة يغذي الاحتقان. لكنّه شدد في المقابل على أهمية الحفاظ على سلمية التظاهر، محذّراً من الانزلاق إلى أعمال عنف قد تفقد الحراك مشروعيته.
هذا التردد الظاهر بين نقد الحكومة من جهة، والدعوة إلى الانضباط من جهة أخرى، يعكس ارتباكاً سياسياً واضحاً. فالحزب، وإن كان يسعى إلى إعادة تثبيت نفسه كصوت معارض قوي، إلا أنّه في الوقت ذاته حذر من أن يُنظر إليه كجهة محرّضة أو مستفيدة من الفوضى، خصوصاً في ظل حساسية الوضع الأمني، كما أنّ بعض المظاهرات حمّلت الحزب جزءاً كبيراً من المسؤولية.
حرصت الحكومة على التذكير بأنّها تتفهم المطالب الاجتماعية، وأكدت استعدادها للتجاوب مع المطالب المشروعة، لكنّها شددت في الوقت نفسه على ضرورة احترام القانون وضبط النفس
في مداخلات قياداته، ركّز الحزب على تحميل الحكومة مسؤولية ما يجري، معتبراً أنّ ضعف أدائها وتقصيرها في تلبية الاحتياجات الاجتماعية كانا السبب الرئيس وراء خروج الشباب إلى الشارع. واتهمها بالعجز عن خلق قنوات حوار حقيقية مع الأجيال الجديدة، الأمر الذي ترك فراغاً ملأته منصات التواصل الاجتماعي. دون أن يعترف بمسؤوليته التاريخية عمّا لحق بالبنية الاقتصادية من أضرار خلال فترة حكمه الطويلة.
هذا الخطاب الانتهازي يعكس محاولة الحزب السير بين خطين متوازيين: التعبير عن التعاطف مع الشباب الناقم نكاية في الحكومة، والحفاظ على صورته كحزب مؤسسي يحترم قواعد اللعبة السياسية، دون أن يظهر أخطاءه وخطاياه السياسية.
ويُرجع مراقبون ارتباك مواقف حزب العدالة والتنمية إلى عدة عوامل؛ أوّلها أنّ الحزب نفسه ما زال يعاني من آثار الهزيمة القاسية التي تلقاها في انتخابات 2021، التي قلصت حضوره البرلماني بشكل كبير، وأضعفت قدرته على التأثير في القرار السياسي، وبالتالي فإنّ أيّ موقف متطرف أو داعم، بشكل كلّي، للاحتجاجات قد يُفهم كبحث عن إعادة التموضع عبر استغلال الشارع.
ثانياً، الحزب يدرك أنّ جزءاً من المطالب المرفوعة اليوم كان مطروحاً أيضاً حين كان هو في السلطة. فالمحتجون ينتقدون تراجع التعليم والصحة والفرص الاقتصادية، وهي ملفات لم ينجح الحزب في معالجتها عندما كان يقود الحكومة. لذلك فهو يتجنب الظهور في المشهد بقوة، ويسعى إلى التنصل من المسؤولية التاريخية.
الحزب يدرك أنّ جزءاً من المطالب المرفوعة اليوم كان مطروحاً أيضاً حين كان هو في السلطة
ثالثاً، هناك حسابات تتعلق بتجنّب الصدام المباشر مع الدولة. فالحزب، رغم معارضته، يظلّ جزءاً من المنظومة السياسية والمؤسسية، ولا يريد أن يُتهَم بالتحريض على الفوضى أو التشجيع على التمرد، وهذا ما يفسر تشديده المستمر على السلمية والالتزام بالقانون.
من الملامح البارزة لهذه الاحتجاجات أنّ الشباب المشاركين فيها لا يتبنّون قيادة سياسية أو نقابية واضحة، بل يعتمدون على تنظيم لامركزي عبر المنصات الرقمية. هذا الطابع جعل من الصعب على الأحزاب، بما فيها العدالة والتنمية، استيعاب الحراك أو التأثير فيه بشكل مباشر.
وغياب القيادة التقليدية أفقد الحزب الإخواني فرصة توظيف الاحتجاج لصالحه، وجعله في حيرة من أمره؛ هل يقترب من الشباب ويدعمهم، رغم أنّهم لا يعترفون بشرعية الأحزاب التقليدية؟ أم يكتفي بمراقبة الوضع وانتقاد الحكومة؟ والنتيجة أنّ مواقفه بدت مترددة، تعكس قلقاً من فقدان الصلة بالجيل الجديد.
ارتباك مواقف حزب العدالة والتنمية يعكس مأزقاً أكبر يتعلق بعلاقته بالشارع المغربي بعد خروجه من السلطة. فالحزب، الذي كان يراهن على خطاب الهوية والمرجعية الإسلامية، يجد نفسه الآن أمام جيل جديد لا يعترف كثيراً بالخطابات التقليدية، بل يطالب بتحسين ظروفه المعيشية بطرق عملية وسريعة.
ارتباك مواقف حزب العدالة والتنمية يعكس مأزقاً أكبر يتعلق بعلاقته بالشارع المغربي بعد خروجه من السلطة
هذا التحدي يضع الحزب أمام خيارين: إمّا تطوير خطاب اجتماعي واقتصادي قادر على مخاطبة هذا الجيل بلغة جديدة، وإمّا الاستمرار في مواقف حذرة تبقيه على هامش الأحداث، الخيار الأول يتطلب مراجعة عميقة لخطابه وسياساته السابقة، وقد يؤدي الخيار الثاني إلى مزيد من تراجع شعبيته.
المراقبون يرون أنّ الاحتجاجات الحالية قد تشكّل نقطة تحول في علاقة الدولة بالأجيال الجديدة، خصوصاً إذا استمرت لفترة طويلة أو اتسعت رقعتها. أمّا بالنسبة إلى الأحزاب، فإنّها تشكّل اختباراً لقدرتها على التفاعل مع حراك اجتماعي غير مؤطر تقليدياً.
الاحتجاجات الجارية في المغرب كشفت مشكلات المشهد السياسي الحزبي، بما في ذلك هشاشة حضور حزب العدالة والتنمية. فالحزب بدا مرتبكاً بين دعم المطالب المشروعة للمحتجين وتجنب الاصطدام مع الدولة، وبين انتقاد الحكومة وتحاشي الظهور، حتى يتهرب من مسؤوليته التاريخية.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/FB_IMG_1544169028806-1.jpg.webp?itok=qwRRyDww)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%D8%AC%D9%8A_10_3_2_0_0.png.webp?itok=veLM0KG3)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%86%D8%AF%D9%8A00_0_1_1_0_0.jpg.webp?itok=IzzqJrNy)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A_2_0_2_4_0_1.jpg.webp?itok=kLF7uVIF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_0.jpg.webp?itok=-ytZF2BD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_41_2_0.jpg.webp?itok=IrREvM8t)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA_3_2_2_0.jpg.webp?itok=m6OAb2DG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D8%AC%D9%88%D9%85%20%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8%D9%8A_1_0_0_0_0_0.jpg.webp?itok=0OjY_8fk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/01_88_0_0.jpg.webp?itok=0kQcRIcL)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D9%81%20%D9%8A%D8%AA%D9%85%D9%91%20%D8%AA%D8%A3%D8%B5%D9%8A%D9%84%20%D8%AE%D8%B7%D8%A7%D8%A8%20%D9%85%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A7%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D9%81%D9%8A%20%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D8%A7_0_1.jpg.webp?itok=ccZ07Hvm)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_158_3.jpg.webp?itok=NsR8Qg-C)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/0068f-41_0_4.jpg.webp?itok=45UKeSnt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D8%A7_76_1.jpg.webp?itok=MsmU4uk7)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7_28_0_2_2.jpg.webp?itok=q-0Er-5y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/bd_3_0.jpg.webp?itok=2AIUpTU2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%8A%D9%86_1_1.jpg.webp?itok=l1Lu6_7b)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/wtny_0_8_0.jpg.webp?itok=PykPrfzI)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%83_0.jpg.webp?itok=bruHBiiI)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1-1275570_0_0.jpg.webp?itok=bXm4MTnr)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%A7%D9%86%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9%20%D9%82%D8%AF%20%D8%A7%D8%A8%D8%AA%D8%B9%D8%AF%D8%AA%20%D8%B9%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D9%87%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D9%84%D8%A3%D8%B9%D9%88%D8%A7%D9%85%20%D8%B3%D8%A7%D8%A8%D9%82%D8%A9_0_1_0_0_0_0_0_0_1_0_0_0_0_3_0.jpg.webp?itok=SMUzeMhe)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/0101_1_10.jpg.webp?itok=pbgfrNEL)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%8A%D8%B4_9_0.jpg.webp?itok=FRVAjScv)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82_102_0_0.jpg.webp?itok=M28--bfZ)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D8%AD%D8%A7%D8%B6%D9%86%D8%A9%20%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8_0_1.jpg.webp?itok=WwqZho3e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_43_0_2_0.jpg.webp?itok=XLNioOKD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%862_13_0.jpg.webp?itok=FehfOz8l)