
تتحول أجساد أطفال غزة يومًا بعد يوم إلى ما يشبه "الهياكل العظمية" بفعل التجويع والحصار ونقص الغذاء والدواء، لتصبح الطفولة في القطاع المحاصر رمزًا للمعاناة الإنسانية، حيث يختلط الجوع بغياب الرعاية الصحية، في وقت تتصاعد فيه التحذيرات من كارثة إنسانية قد تحصد أرواح الآلاف إن لم يتم التدخل العاجل.
ووجد شركاء الأمم المتحدة العاملون في مجال التغذية أنّ ما يقرب من (5) آلاف من أصل (56) ألف طفل دون سن الخامسة، خضعوا لفحص سوء التغذية في الأسبوعين الأول والثاني من شهر تموز (يوليو) في محافظات خان يونس ودير البلح وغزة، يعانون من سوء تغذية حاد.
وأشار نائب المتحدث باسم الأمم المتحدة فرحان حق إلى أنّ هذا يمثل نسبة مذهلة بلغت 9%، وهي زيادة عن 6% في حزيران (يونيو)، و2.4% في شباط (فبراير).
وأضاف فرحان حق أنّ عدد حالات المواليد الموتى في غزة، وفق وزارة الصحة الفلسطينية، بلغ (220) حالة خلال الفترة بين كانون الثاني (يناير) إلى حزيران (يونيو) من العام الجاري.
وقال المدير الإقليمي لمنظمة اليونيسف في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: إنّ الأطفال في غزة يموتون من الجوع.
وأضاف: "تحت أنظار العالم، ينتشر سوء التغذية الحاد بين أطفال غزة أسرع من وصول المساعدات إليهم".
وأوضح المسؤول الأممي أدوارد بيجبيدير أنّ عدد الأطفال الذين أفادت التقارير بأنّهم لقوا حتفهم بسبب سوء التغذية منذ نيسان (أبريل) قد ارتفع من (52 إلى 80) بزيادة 54% خلال أقل من (3) أشهر وفق وزارة الصحة الفلسطينية.
وأكد أنّ هذه الوفيات غير مقبولة، وكان يمكن منعها، وشدد على ضرورة السماح للاستجابة الإنسانية التي تقودها الأمم المتحدة، بالعمل بشكل كامل عبر الوصول بدون عوائق للأطفال المحتاجين للمساعدة.
وكشفت الإحصائيات الرسمية لوزارة الصحة الفلسطينية عن تسجيل (122) حالة وفاة بسبب سوء التغذية والمجاعة، من بينهم (83) طفلًا، في حين شهدت الساعات الـ (24) الماضية تسجيل (9) وفيات إضافية، من ضمنها طفلان.
وتشير هذه الأرقام إلى تفاقم الوضع الإنساني الكارثي في القطاع، فقد وصلت نسبة سوء التغذية الحاد بين الأطفال إلى 11.5% مقارنة بنصف بالمئة فقط في بداية الشهر الماضي.
جسد هزيل
في خيمة بالية وصغيرة بحي الشيخ رضوان بمدينة غزة تجلس الفلسطينية هند شبات (37 عامًا)، وهي تحتضن طفلها الذي لم يتجاوز السابعة من عمره، كانت عيناه غائرتين، وعظام وجهه بارزة، ويبدو جسده هزيلًا لا يقوى على الوقوف.
تقول شبات، وهي أم لأربعة أطفال: "طفلي كان مليئًا بالحياة، يلعب ويضحك، واليوم لا يستطيع حتى البكاء من شدة الضعف، ولا نجد الحليب ولا الغذاء المناسب، ولا أجد ما أطعمه سوى قليل من الخبز اليابس أو ما يتوفر من معلبات منتهية الصلاحية".
وتضيف: "كل يوم أعيش حالة رعب أن أفقده بين يديّ، الأطباء يقولون إنّ سوء التغذية يفتك بجسده، لكن لا دواء ولا طعام لدينا".
وتوضح: "لديّ طفل آخر فقد القدرة على المشي من شدة الضعف، وكلما حملته أشعر بأنّي أحمل مجرد عظام مغطاة بجلد، حيث فقد نصف وزنه تقريبًا نتيجة الجوع وقلة الطعام".
وتؤكد شبات: "أطفالي يسألونني كل يوم متى سنأكل؟ ولا أجد جوابًا سوى الصمت، ولا أجد أيضًا ما أقدّمه لهم، فحين أنظر إلى عظامهم البارزة أشعر بأنني أخسرهم أمام عينيّ، فما يحدث لنا لم يعد مجرد جوع، إنّه موت بطيء".
البحث في القمامة عن الطعام
وفي داخل خيمته بحي الرمال بمدينة غزة يجلس الفلسطيني نشأت أبو دان بجوار (4) من أطفاله الذين تتراوح أعمارهم بين (3 و10) أعوام، وقد بدت أجسادهم نحيلة، ووجوههم شاحبة، وعيونهم غائرة، يبحث عن أيّ بصيص أمل، ويقول: "منذ أسابيع لا أملك سوى بعض الطحين الفاسد والقليل من المعكرونة، وأحيانًا أغلي لهم الماء وأضع فيه ملعقة سكر كي يناموا وهم يشعرون بأنّهم تناولوا شيئًا".
ويضيف أبو دان (45 عامًا): "ثلاثة من أطفالي فقدوا نصف وزنهم، وشعرهم بدأ يتساقط، فماذا يمكن لأب أن يفعل وهو يرى أطفاله ينهارون أمامه؟".
ويتابع: "توقفت أجساد أطفالي عن النمو، فمنذ أشهر لا نجد إلا القليل من الطعام، في حين أصبحت عظامهم بارزة كأنّها هياكل عظمية، فالحرب سرقت منّا كل شيء حتى أبسط حقوق أطفالنا، وهو الغذاء. أطفالي أصبحوا يتسولون الخبز من الجيران، ولم يدخل بيتنا اللحم منذ ثلاثة أشهر، ولا يعرفون طعم الفاكهة، وأصغرهم عمره (3) أعوام أصبح يشبه عجوزًا من شدة الهزال".
ويؤكد أبو دان: "كنا ننتظر الحصول على المساعدات الغذائية، لكنّها لم تصل منذ أشهر، وأحيانًا أبحث في القمامة عن بقايا طعام، حيث لم أتخيل يومًا أنني سأفعل ذلك من أجل إطعام أطفالي، أشعر بأنني محطم وعاجز".
جسد يتآكل
وفي داخل مستشفى النصر للأطفال بمدينة غزة تحتضن الفلسطينية سحر حجازي (42 عامًا) طفلها الرضيع الذي لم يتجاوز (11) شهرًا، بعد أن بدت ملامحه ذابلة، وعظام صدره بارزة، ويبكي بكاءً ضعيفًا بالكاد يسمع، وتقول والدته بصوت يملؤه العجز: "طفلي كان يرضع الحليب الصناعي قبل الحرب، والآن لا يوجد أيّ علبة متوفرة، أطعمه ماء الأرز المسلوق، لكنّه يزداد ضعفًا يومًا بعد يوم، وقد أفادني الأطباء أنّه مصاب بسوء تغذية حاد، وربما أفقده في أيّ لحظة".
وتضيف حجازي، وهي أم لثلاثة أطفال: "ابني كان وزنه (8) كيلوغرامات قبل الحرب، الآن لم يتبقَّ منه سوى (3) كيلوغرامات ونصف فقط، وبات جسده يتآكل أمامي وأنا لا أملك له شيئًا، وقلبي يتمزق كل يوم، لا أستطيع توفير حتى أبسط الأشياء له".
وتؤكد: "أصعب لحظة عندما يريد طفلي الطعام ولا أستطيع فعل أيّ شيء له، فهو ينام جائعًا ويبكي بصمت، هذا عذاب أم لا يتحمله قلب".
وتوضح حجازي: "كنا نخاف من القصف، اليوم نخاف من الجوع، هذه ليست حياة، هذا عذاب بطيء، أولادي كانوا يذهبون إلى المدرسة ويحلمون بأن يكونوا أطباء ومهندسين، اليوم حلمهم أن يلاقوا وجبة طعام فقط".
كارثة إنسانية
يرى إسماعيل ناصر استشاري طب الأطفال وحديثي الولادة بمستشفى شهداء الأقصى أنّ "الأوضاع داخل قطاع غزة كارثية في ظل إصابة المئات من الأطفال بسوء التغذية الحاد، وهو الأمر الذي يتطلب تدخلًا دوليًا سريعًا، لتجنب حدوث كارثة إنسانية شاملة ستقتل جيلًا بأكمله".
ويضيف ناصر: "نستقبل يوميًا عشرات الأطفال المصابين بسوء تغذية حاد، أجسادهم ضعيفة، وأوزانهم أقلّ بكثير من المعدلات الطبيعية، وبعضهم يعاني من فقر دم حاد وهزال يجعلهم عرضة لأيّ عدوى أو مرض".
ويتابع: "الخطر الأبرز والحقيقي هو أنّ نقص البروتينات والفيتامينات الناتج عن سوء التغذية يسبب ضعفًا في جهاز المناعة، ممّا يجعل هؤلاء الأطفال عرضة للوفاة بسبب أيّ مرض بسيط".
ويوضح ناصر: "إذا لم يدخل الغذاء والدواء بشكل عاجل، فنحن أمام كارثة إنسانية بكل المقاييس، حيث سيعاني هذا الجيل من إعاقات صحية ونفسية دائمة".
ويؤكد الطبيب الفلسطيني "أنّ الأطفال بغزة بحاجة ماسة إلى الحليب، والمكملات الغذائية، والفيتامينات، لكنّ المعابر مغلقة والمساعدات شحيحة، وما يحدث اليوم إبادة بطيئة لأطفال غزة".
وفي قطاع غزة المحاصر منذ سنوات يواجه الأطفال أبشع أشكال الموت البطيء، إذ تحولت أجسادهم إلى هياكل عظمية، والجوع ينهش أجساد الصغار بصمت.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%862.png.webp?itok=F8cw3w5L)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_200_0_0_3.jpg.webp?itok=9EkLU3jn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_5.jpg.webp?itok=CIbgJEiC)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8_28.jpg.webp?itok=aMR9hvSn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_13_1_0_7.jpeg.webp?itok=9QV_qQWx)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B2%D8%A8%20%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%85%D8%A9_2.jpg.webp?itok=7T9tpnrN)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%A7%D9%83%D9%85%D9%8A%D8%A9_0.jpg.webp?itok=uYAh2XlL)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D9%83%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86_36_1.jpg.webp?itok=vJ86eP42)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_57_3_0_0_0_4_4.jpg.webp?itok=rN_Ib14P)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%AF%D8%B3_8_0_1.jpg.webp?itok=JSyyab-4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B4_4.jpg.webp?itok=91IxGwMX)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D8%B7%D8%A7%D8%A8_18.jpg.webp?itok=meZYLOc6)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D8%A7%D8%B5%D9%85%D8%AA%D8%A7%D9%86.jpg.webp?itok=Kmx-TQ6p)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D8%A7_13_0_1_1_3.jpg.webp?itok=zyIAiQBd)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D9%88%D9%84%D9%86%D8%AF%D8%A71.jpg.webp?itok=uIWaxHOJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%85%D9%84%D8%A7%D8%AA.jpg.webp?itok=EF8Ij8Lu)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_20.png.webp?itok=1CULT9B4)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B2%D8%A8%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D8%A9.jpg.webp?itok=eJL206Uj)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D8%B9%D8%A7%D8%A9_1.jpg.webp?itok=NeaibOcK)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%84%D9%81%D9%8A%D8%A9_7.jpg.webp?itok=vVaw-Zhl)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8_40_0_1.jpg.webp?itok=lu1dAWax)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_200_0_0_2.jpg.webp?itok=eXdsNA4Z)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)
