
رغم تصدّر حركة النهضة للمشهد السياسي في تونس خلال العقد الماضي، لم يكن نفوذها محصورًا في هياكلها التنظيمية الصلبة، بل امتدّ عبر شبكات دعم غير رسمية. فقد اعتمدت الحركة على شخصيات مؤثرة ليست منتمية رسميًا لها، لكنها لعبت دورًا حاسمًا في توسيع نفوذها داخل الإدارة، الإعلام، وعالم المال والأعمال.
هذا الامتداد "الناعم" منح النهضة هامشًا واسعًا من المناورة السياسية، وساعدها على فرض سرديتها حتى في أوقات تراجعها الشعبي والسياسي، وتكشف هذه الشبكة اللامرئية من "الأصدقاء العرضيين" عن نمط مدروس من التحالفات المؤقتة، قائم على المصالح لا الأيديولوجيا، مما يجعلها أخطر من الجهاز التنظيمي وأكثر قدرة على التملص من المحاسبة.
دروع إعلامية وقانونية خارج التنظيم
ويرى خبراء في الحركات الإسلامية أن حركة النهضة لعبت، خلال العقد الذي تلا الثورة، دورًا ذكيًا في النفوذ الإعلامي والقانوني، إذ توسّعت في بناء شبكة من الإعلاميين والمحامين والحقوقيين "المتعاطفين" دون التزام تنظيمي ظاهر.
في الإعلام، ساهمت بعض الوجوه في تقديم الحركة كضحية للمؤامرات أو المدافع الأخير عن الديمقراطية، حيث كرروا سرديتها حتى في الأزمات الكبرى مثل ملف الاغتيالات السياسية.
أما في المجال القانوني، برزت أسماء دافعت عن النهضة عبر الترافع في قضايا حرجة أو حملات ضد "أعداء الثورة"، ما ساعد في تطبيع حضور الحركة في الأوساط الحقوقية رغم تحفظات على سجلها في دعم الحريات.
هذا التحالف غير المعلن وفّر واجهة ناعمة؛ تمثلت في أصوات تدافع عن الحركة دون أن ترتدي القميص الحزبي، لكنها تتبنى مواقفها الحساسة، مما مكّنها من تجاوز الطعن في نواياها.
كذلك، نسجت النهضة شبكة من العلاقات مع رجال أعمال قدموا خدمات أو تمويلات غير مباشرة مقابل حماية مصالحهم أو تسهيل معاملاتهم الإدارية.
لم تكن هذه التحالفات بالضرورة أيديولوجية، فبعضهم من أوساط رأسمالية ليبرالية، لكن المصالح المشتركة خلقت تقاطعات وظيفية مع الحركة.
واستفادت الحركة من هؤلاء لدعم مشاريع اجتماعية وخيرية أو في تمويل حملات انتخابية بطرق يصعب تتبعها، عبر جمعيات أو شبكات وسيطة، فحافظت على مسافة عن المال السياسي مع الاستفادة من نتائجه.
في الأثناء، وجد رجال الأعمال وسيلة للنفاذ إلى القرار السياسي وحماية أنشطتهم خلال فترة الفوضى التي أعقبت الثورة، فكانت العلاقة تواطؤًا عمليًا بلا إعلان رسمي.
اختراق الإدارة العمومية: الولاء بلا بطاقة انخراط
بُني نفوذ النهضة داخل الإدارة التونسية عبر زرع "أصدقاء" في مفاصل القرار دون عضويتهم الرسمية في الحزب، بل عبر علاقات فكرية وجهوية ومصلحية.
وظهر الاختراق في تعيينات مشبوهة داخل وزارات استراتيجية كالتربية والتعليم والعدل وبعض المصالح الأمنية، حيث أسندت مواقع حساسة لأشخاص معروفين بتعاطفهم مع الحركة دون ملفات تنظيمية، مما صعّب محاسبتهم لاحقًا.
هؤلاء الموظفون لعبوا أدوارًا مزدوجة: موظفون ملتزمون ظاهرًا، لكنهم يعملون على خدمة أجندة الحركة بالتعطيل أو التسريع أو التسريب، مما شكّل جدارًا إداريًا حافظ على نفوذ الحركة حتى بعد سقوط الحكومات.
وقد وثّقت نقابات ومؤسسات رقابية تدخلات وتعيينات مشبوهة بين 2012 و2020، ما كشف عن "تمكين إداري" صامت هدفه حماية مكتسبات التنظيم في أوقات التغيير السياسي.
شراكات في المجتمع المدني – الجمعيات كواجهة مرنة
الحركة الإخوانية اعتمدت على شراكات في المجتمع المدني عبر دعم جمعيات "مستقلة" نفذت مشاريع تعليمية وخيرية وتنموية، لكنها كانت تخدم رمزيًا أو انتخابيًا الحركة.
ولم تكن هذه الجمعيات تنظيميًا تابعة للنهضة، بل تأسست بأسماء أشخاص لهم علاقات وثيقة أو تقاطعات فكرية أو مصالح ظرفية، ما مكن النهضة من الوصول إلى المناطق الداخلية والهشة باسم "الخدمة العامة".
وساهمت هذه الواجهات في تبييض صورة النهضة، بتنظيم حملات تضامن أو مساعدات إنسانية، في حين كانت تستميل القواعد الشعبية وتخلق ولاءً غير مباشر.
وتشير أغلب التقارير إلى أن بعض الجمعيات وفرت قناة لتمويل خارجي من منظمات تركية وقطرية، فكانت جزءًا من شبكة نفوذ تتجاوز السياق المحلي وتخدم المشروع السياسي الأوسع دون إثارة شبهات.
أجهزة الدولة ومؤسسات الرقابة – حين يتآكل الحياد
هذا وكشفت فترة حكم النهضة عن تغلغل غير معلن داخل أجهزة رقابية ومؤسسات سيادية يفترض أن تكون بعيدة عن التجاذبات السياسية.
بعض أعضاء هذه الأجهزة، رغم عدم انتمائهم الحزبي، لعبوا أدوارًا تبريرية أو متساهلة مع النهضة، خصوصًا في ملفات الفساد الإداري أو تمويل الجمعيات أو التجاوزات الأمنية.
وقد صبت قراراتهم أو صمتهم في لحظات مفصلية في مصلحة الحركة، حيث تأجلت أو تعطلت تحقيقات في ملفات قيادات النهضة، أو تم التغطية على خروقات في بلديات تديرها الحركة، ما يثير تساؤلات حول حجم تأثير "الأصدقاء" داخل المؤسسات.
هذا الاختراق الناعم أدى إلى تآكل ثقة المواطنين في تلك الأجهزة، إذ بدا أن الحياد غير مضمون، وأن هناك من يعمل داخليًا لحماية مصالح النهضة بدافع قناعة أو خوف أو محسوبية.
نُخب أكاديمية وفنية في خدمة السردية النهضوية
امتدت تحالفاتالنهضة الناعمة إلى النخب الثقافية والأكاديمية التي، رغم عدم انتمائها التنظيمي، قدّمت للحركة غطاء فكريًا وفنيًا في فترات حساسة، خاصة في الصراع حول الهوية والدين والدولة.
ولعب بعض الأساتذة المعروفين بمواقف دينية معتدلة دورًا غير مباشر في الدفاع عن النهضة عبر مقالات ومحاضرات ومشاركات تلفزية، فقدموا الحركة كقوة فكرية "حداثية محافظة" وليست تنظيمًا مغلقًا.
كما استعانت النهضة بفنانين ومثقفين أنتجوا محتوى يتماهى مع سرديتها الأخلاقية والدينية، مما ساعد في خلق صورة "ناعمة" خاصة لدى الشباب المحافظ.
هذا التحالف الثقافي أتاح للنهضة استثمار رأس مال رمزي خارج المنظومة الحزبية، وجعلها تحظى بتأييد غير صدامي في قطاعات حيوية يصعب اتهامها بالتحزب أو الولاء المباشر، لكن حضورها خدم المشروع النهضوي بشكل ملحوظ.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/81872688-fbc4-42e8-89c8-2a104ba8fefe.png.webp?itok=E_fyVLVH)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A4_3_0_0_1_0.jpg.webp?itok=5LhvMVBt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B6%D8%A7%D8%A1%20%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D9%8A_0_2_0.jpg.webp?itok=_sFlPzn8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B8%D9%84%D8%A7%D9%84_0_2.jpg.webp?itok=hQGL9w4e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/kolds5bJ.jpg.webp?itok=XhkLPCxd)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D9%88%D9%88%D9%88_0.jpg.webp?itok=5vQRr4dD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%8A%D8%B4-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86%D9%8A_1_1_0_0_0.jpg.webp?itok=mo5Wod39)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_105_0.jpg.webp?itok=Di4TYWFQ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B3%D8%A7%D8%B9%D8%AF-%D9%85%D8%AF%D9%8A%D8%B1-%D8%A3%D9%85%D9%86-%D8%AA%D8%B9%D8%B2-%D9%86%D8%A8%D9%8A%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%AF%D9%87%D9%8A.jpg.webp?itok=tiXXhcD0)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/images_9_0.jpg.webp?itok=1nRP-ZIv)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/474d1761-eb23-42bc-9067-7e2924393dd2.jpg.webp?itok=B_iW5YGn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1_90.png.webp?itok=nqFTAzIc)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A8%20_2.jpg.webp?itok=AnV0Unc7)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Screenshot%202026-06-16%20142601.png.webp?itok=2qlF45oa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_21_0_0.jpg.webp?itok=myU5DPhU)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%867_2_0_0.jpg.webp?itok=KAB_cJlS)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1_89.png.webp?itok=7-WgJd8p)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D8%AD%D8%A7%D8%B6%D9%86%D8%A9%20%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8_0_1.jpg.webp?itok=WwqZho3e)