تمدد داعش في أفريقيا.. تهديد يتجاوز القارة إلى أوروبا

تمدد داعش في أفريقيا.. تهديد يتجاوز القارة إلى أوروبا

تمدد داعش في أفريقيا.. تهديد يتجاوز القارة إلى أوروبا


04/08/2025

في خضم انشغال العالم بتداعيات الحروب والنزاعات الجيوسياسية، تتعزز شبكات الإرهاب في مناطق رخوة أمنياً، وهو ما يتجلى في تمدد تنظيم "داعش" داخل القارة الإفريقية. فقد باتت القارة بيئة حاضنة للتنظيمات المتطرفة التي تتغذى على هشاشة الحكومات، وفقر السكان، وغياب الرقابة الحدودية، ما يجعل منها تهديدًا متصاعدًا لا يقتصر على الدول الإفريقية وحدها، بل يمتد في تأثيره إلى أوروبا التي تواجه خطر ارتدادات هذا التوسع.

وقد سلطت دراسة نشرها المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات بعنوان "مكافحة الإرهاب ـ كيف سيؤثر تمدد داعش في إفريقيا على الأمن الأوروبي؟" الضوء على المخاطر الاستراتيجية التي يمثلها هذا الانتشار، محللةً أبعاد التموضع الجغرافي للتنظيم، وأدواته في التوسع، وانعكاساته على الأمن القاري والدولي.

تحوّل إفريقيا إلى ساحة جديدة لـ"داعش"

تشير الدراسة إلى أن تنظيم "داعش" بات يعتمد في استراتيجيته التوسعية على تحويل مناطق هشّة أمنيًا إلى قواعد خلفية لنشاطه، وقد وجدت إفريقيا، وبالأخص مناطق الساحل وغرب إفريقيا، بيئة ملائمة لهذا التمدد. فضعف الحكومات المركزية، وغياب التنمية، ووجود جماعات مسلحة أخرى، كلها عوامل ساهمت في تسهيل تغلغل التنظيم.

عدة دول أوروبية باتت ترصد تزايدًا في محاولات اختراق حدودها من قبل عناصر عابرة للساحل أو ليبيا

وبحسب ما جاء في الدراسة، فقد تمكّن "داعش" من تأسيس عدة فروع في القارة، أبرزها "ولاية غرب إفريقيا" و"ولاية الصحراء الكبرى"، مستفيدًا من تفكك بعض الدول بعد الانقلابات العسكرية، كما حدث في مالي والنيجر وبوركينا فاسو.

 ويبدو أن التنظيم لم يعد يعتمد فقط على الضربات النوعية، بل سعى إلى فرض وجوده على السكان المحليين عبر الخدمات، وفرض الجبايات، والتجنيد القسري، في مشهد يعيد إلى الأذهان بدايات تمدده في العراق وسوريا.

ويُظهر هذا الواقع، بحسب المركز، قدرة التنظيم على التأقلم مع الظروف الجغرافية والسياسية الجديدة، مستفيدًا من الطابع العابر للحدود للجماعات الجهادية الإفريقية، إضافة إلى تراجع الاهتمام الدولي بملف مكافحة الإرهاب مقارنة بما كان عليه الحال في العقد الماضي، خاصة مع انشغال القوى الكبرى بملفات أوكرانيا والصين.

تكتيكات ميدانية جديدة تُربك الجهود الأمنية

الدراسة تلفت إلى أن "داعش" غيّر من تكتيكاته الميدانية في إفريقيا، فبعد أن كانت استراتيجيته قائمة على السيطرة على المدن وإعلان "ولايات"، بات اليوم أكثر ميلاً لحرب العصابات والهجمات السريعة على مواقع عسكرية أو قرى نائية، وهو ما يصعب على القوات النظامية تعقبه أو مواجهته بفعالية.

ووفق ما ورد في الدراسة، فإن التنظيم أصبح يستخدم دراجات نارية ومركبات خفيفة للالتفاف السريع على الحواجز الأمنية، معتمداً على شبكات محلية لجمع المعلومات وتنفيذ الاغتيالات، كما حدث مراراً في شمال نيجيريا ووسط مالي. 

باتت القارة بيئة حاضنة للتنظيمات المتطرفة التي تتغذى على هشاشة الحكومات وفقر السكان وغياب الرقابة الحدودية

هذا النوع من العمل الميداني يعكس تحولا في بنية التنظيم، الذي لم يعد يراهن فقط على الزخم الإعلامي أو إعلان الخلافة، بل يسعى إلى استنزاف خصومه وتوسيع نفوذه خطوة خطوة.

كما نبهت الدراسة إلى نقطة شديدة الأهمية تتعلق باستراتيجية "التمدد الأفقي"، أي نسج روابط بين فروعه المختلفة في إفريقيا، في محاولة لبناء ما يشبه "حزام جهادي" يمتد من القرن الإفريقي شرقًا إلى خليج غينيا غربًا. وإن تحقق هذا السيناريو، فإنه سيضع الأمن الإقليمي والدولي أمام معضلة بالغة التعقيد.

الثغرات في الاستجابة الإقليمية والدولية

بحسب ما ورد في الدراسة، فإن أحد أبرز العوامل التي ساعدت "داعش" على إعادة تنظيم صفوفه هو الضعف المؤسسي في الاستجابة الأمنية من قبل دول المنطقة. ورغم وجود مبادرات متعددة، مثل مجموعة دول الساحل الخمس، والقوة الإفريقية المشتركة، إلا أن التنسيق بينها يظل هشًا ومحدود النتائج.

وأشارت الدراسة إلى أن الدعم الغربي لجهود مكافحة الإرهاب بدأ في التراجع تدريجياً، سواء بسبب تغيير أولويات بعض الدول، أو نتيجة التوترات السياسية بين إفريقيا والغرب. 

كما أن اعتماد بعض الحكومات على شركات أمنية خاصة أو أطراف خارجية مثل مجموعة "فاغنر"، ساهم في تعقيد المشهد، وخلق صراعات مصالح تعيق التنسيق الفعّال.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن غياب رؤية متكاملة تربط بين الأمن والتنمية، جعل الجهود الأمنية منفصلة عن الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية، وهو ما يزيد من احتمالات تجدد التمرد في المناطق التي تشهد عمليات عسكرية دون إصلاح جذور الأزمة.

تنامي التهديد العالمي مجددًا

تلفت الدراسة إلى أن التهديد لا يقتصر على الدول الإفريقية فقط، بل يتعداها ليشمل أوروبا والغرب بشكل عام. إذ أن عودة "داعش" إلى النشاط في مناطق جديدة تفتح الباب أمام تشكيل بؤر لتدريب وتجنيد مقاتلين قد يتم توجيههم لاحقًا لتنفيذ هجمات خارجية.

بعد أن كانت استراتيجيته قائمة على السيطرة على المدن وإعلان "ولايات" بات اليوم أكثر ميلاً لحرب العصابات والهجمات السريعة على مواقع عسكرية أو قرى نائية

 

ووفق ما جاء في الدراسة، فإن عدة دول أوروبية باتت ترصد تزايدًا في محاولات اختراق حدودها من قبل عناصر عابرة للساحل أو ليبيا، ما دفع أجهزة الاستخبارات إلى إعادة تقييم مستوى التهديد. ولا يستبعد المركز الأوروبي أن يستخدم التنظيم مجددًا شبكة الهجرة غير النظامية كوسيلة لتمرير عناصره، كما حدث في موجات سابقة.

وتنبه الدراسة إلى أن ما يجعل التهديد مضاعفًا هو أن "داعش" في نسخته الإفريقية لا يتحرك ضمن هيكل مركزي يمكن استهدافه، بل يعمل من خلال خلايا مرنة، ما يعقّد مهمة تفكيكه أو التصدي له عبر الأدوات الكلاسيكية، ويضعف فعالية الضربات الاستباقية التي تعتمد على تفكيك القيادة والسيطرة.

السياق الجيوسياسي يفسّر تمدد التنظيم

على ضوء ما ورد في الدراسة، يمكن القول إن تمدد "داعش" في إفريقيا لا ينفصل عن السياق الجيوسياسي الدولي، الذي يشهد تصاعدًا في النزاعات، وانشغال القوى الكبرى بأولوياتها الخاصة. فغياب الاهتمام الدولي، وتقلص البرامج التنموية، والصراع على النفوذ بين روسيا وفرنسا وأمريكا في إفريقيا، كل ذلك خلق فراغات استغلتها الجماعات الجهادية بكفاءة.

كما أن تراجع التغطية الإعلامية لملف الإرهاب، والرهان على الحلول العسكرية دون مقاربة شاملة، ساهما في تعزيز "اللامبالاة الدولية" التي تمثل بيئة مثالية لعودة التنظيمات المتطرفة. 

ويفسر ذلك كيف استطاع "داعش" أن يقدّم نفسه مجددًا كفاعل مركزي في مشهد الإرهاب العالمي، انطلاقًا من إفريقيا، دون أن يلقى الردع المطلوب حتى الآن.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية