قراءة في وثيقة "ميدان": ماذا يريد الإخوان من مصر؟

قراءة في وثيقة "ميدان": ماذا يريد الإخوان من مصر؟

قراءة في وثيقة "ميدان": ماذا يريد الإخوان من مصر؟


30/07/2025

أصدرت ما تُعرف بـ "حركة ميدان" في حزيران (يونيو) 2025 وثيقة فكرية تتضمن رؤيتها لما سمّته "التحول الديمقراطي في مصر"، مقدمة نفسها كمنصة شبابية مستقلة تتبنّى خطاباً تغييرياً سلمياً. إلا أنّ القراءة المتأنية للوثيقة تكشف أنّها لا تخرج عن السياق الإخواني التقليدي في محاولات الاستقطاب، وإعادة إحياء مشروع الجماعة بأدوات محدثة وشعارات برّاقة تستهدف شرائح جديدة. 

تصعيد إعلامي من الإخوان في الخارج يواكب صدور الوثيقة، باستخدام منابر كـ "مكملين" ومنظمات تروّج لانتهاكات مزعومة بمصر.

تأتي الوثيقة في سياق تصعيد تحريضي واضح ضد الدولة المصرية، تمثل في تكثيف الحملات الإعلامية بالخارج، وتدويل بعض الملفات الحقوقية، فضلاً عن تحركات تنظيمية تحاول تجميع بقايا التيار الإسلامي في الخارج تحت مظلة جديدة، يكون عنوانها التغيير والديمقراطية، فيما جوهرها لا يخرج عن مشروع جماعة الإخوان المسلمين.

الشعارات الناعمة تغطي الأهداف الصلبة

تستعرض الوثيقة ما تصفه بـ "مقدمات نظرية" لمرحلة جديدة، تنطلق فيها الحركة من فرضية أساسية: أنّ ما حدث في مصر بعد 2013 هو "انقلاب عسكري" ويجب تصحيحه عبر عملية انتقالية جديدة تقود إلى ما تصفه بـ "دولة ديمقراطية مدنية". هذه اللغة ليست جديدة في الخطاب الإخواني؛ بل هي استنساخ لصيغة استُخدمت منذ سقوط حكم محمد مرسي، حيث يقدَّم النموذج الديمقراطي كمجرد غطاء لاستعادة سلطة الجماعة.

الوثيقة تُقدَّم كمنصة شبابية مستقلة، لكنها في جوهرها إعادة تدوير لمشروع الإخوان بأدوات ناعمة وشعارات تستهدف فئات جديدة.

وبينما تدّعي الحركة أنّها بعيدة عن التنظيمات، إلا أنّ بنية الوثيقة الفكرية تقوم على تأصيل إيديولوجي أقرب إلى أدبيات التنظيم الدولي للإخوان، وتُعبّر في جوهرها عن استمرارية للعقل السياسي الإخواني في رفض شرعية الدولة المصرية ومؤسساتها، واستبدالها بمشروع بديل يُراد تمريره باسم "الانتقال الديمقراطي"، دون تقديم رؤية واضحة لشكل الدولة أو طبيعة النظام السياسي المستهدف.

أهداف غير مُعلنة... وتكتيكات معلومة

من خلال تفكيك لغة الوثيقة يتضح أنّ الأهداف الحقيقية تتجاوز الشعارات الإصلاحية، لتتصل بأجندة إيديولوجية تقوم على أمرين:

الأوّل هو نزع الشرعية عن مؤسسات الدولة المصرية عبر وصفها بـ "السلطة العسكرية"، وتبرير الهجوم عليها دولياً وحقوقياً.

تستند الوثيقة إلى فرضية أنّ ما حدث بعد 2013 هو انقلاب عسكري، ويجب تصحيحه عبر انتقال ديمقراطي لا تحدد ملامحه بوضوح

والثاني هو إعادة تموضع القوى الإسلامية، وعلى رأسها الإخوان، ضمن تحالفات معارضة جديدة توظف العناوين المدنية والديمقراطية لإخفاء المشروع الإيديولوجي الإسلامي التقليدي.

بالإضافة إلى ذلك، الحركة تطرح نفسها كبديل عن المعارضة التقليدية التي فشلت في تحقيق اختراق سياسي، لكنّها في الحقيقة لا تتجاوز كونها قناة جديدة لإعادة تدوير الشخصيات والأفكار القديمة. ويُلاحظ أنّ استخدام لغة "الشباب" و"الجيل الجديد" محاولة استباقية للردّ على الانتقادات القديمة للجماعة، التي ترتبط بفشلها السياسي والتنظيمي وخطابها المنغلق.

على خُطى الجماعة: تحالفات الخارج والتدويل كسلاح

إصدار الوثيقة في هذا التوقيت يتزامن مع تصعيد ملحوظ من جماعة الإخوان في الخارج، سواء عبر منابر إعلامية مثل "مكملين" و"الشرق"، أو من خلال منظمات دولية تحاول الترويج لانتهاكات مزعومة داخل مصر. 

وتُعدّ حركة "ميدان" محاولة لصياغة واجهة مدنية يمكن الدفع بها إلى المحافل الدولية لتسويقها كصوت "ديمقراطي بديل"، في حين تُدار خلفها تحالفات نفعية يقودها رجال الجماعة الفعليون.

رغم ادعاء الاستقلال، بنية الوثيقة أقرب إلى أدبيات التنظيم الدولي للإخوان، وتُعبّر عن رفض شرعية الدولة ومؤسساتها بالكامل.

وبحسب تحليلات متقاطعة، فإنّ "ميدان" لا تعمل في فراغ، بل تأتي ضمن استراتيجية أوسع للإخوان تستهدف إحياء مشروعهم السياسي المتآكل منذ 2013، لكن بأساليب ناعمة وتكتيكات جديدة. ويكشف ذلك عن محاولة "تفكيك الخطاب" وترويجه من خلال منصات تستهدف جيل ما بعد الثورة، مع تصدير رموز شبابية لا ترتبط عضوياً بالتنظيم، لكنّها تؤمن بمشروعه، أو تعمل ضمن بيئته السياسية.

إسقاط الدولة لا إصلاحها

الخطورة في الوثيقة لا تكمن فقط في محتواها المكرر، بل في استراتيجيتها غير المعلنة: إنّها تسعى إلى إنتاج سردية مضادة للدولة المصرية، لا تعترف بشرعيتها، ولا بمؤسساتها، وتُروّج لما تسمّيه "المسار البديل" دون أن تحدد من هم الفاعلون الحقيقيون، ولا شكل الانتقال الذي تنشده.

الوثيقة لا تتحدث عن دعم الجيش أو القضاء أو أجهزة الدولة، بل تتجنب ذكرها أصلاً، في إشارة واضحة إلى أنّ مشروعها لا يؤمن بالدولة الوطنية، بل يطرحها كعائق يجب تجاوزه. وهذه السمة من أبرز ملامح الفكر الإخواني منذ التأسيس: إمّا السيطرة على الدولة، وإمّا إسقاطها.

جوهر الوثيقة لا يخرج عن مشروع إخواني قديم يلبس ثوبًا ديمقراطيًا جديدًا، ويطمح لاستعادة النفوذ ولو على أنقاض الدولة.

حتى عندما تتناول الوثيقة "العدالة الانتقالية"، فإنّها تصوغها في إطار انتقامي، يتجاوز المحاسبة إلى نزع الشرعية، ممّا يجعل خطابها أقرب إلى وثائق الجماعات التي تنتمي إلى تيارات "الإسلام الحركي"، وليس إلى مجتمع مدني مستقل أو إصلاحي.

تحركات الإخوان الأخيرة: الخلفية الحقيقية للوثيقة

لا يمكن قراءة الوثيقة الفكرية لـ "ميدان" بمعزل عن سياق تحركات الإخوان في الأشهر الماضية، فقد نشطت الجماعة في عدة مسارات:

ـ محاولة تدويل ملف المسجونين في مصر عبر تقارير ومرافعات أمام الأمم المتحدة.

ـ استضافة ندوات ومؤتمرات شبابية في تركيا وقطر لتأطير تحالف سياسي شبابي جديد، يُروج لسردية ما بعد 2013.

تتجاهل الوثيقة الجيش والقضاء وأجهزة الدولة تمامًا، في إشارة واضحة لرفض الدولة الوطنية ككل، لا مجرّد نظامها السياسي.

ـ تصعيد إعلامي ممنهج يتناول مؤسسات الدولة، لا سيّما الجيش والقضاء، باعتبارها "خصمًا مباشرًا" يجب تفكيكه.

ـ استغلال الأزمات الاقتصادية والمعيشية في الداخل المصري لتغذية روايات التشكيك والإحباط بين المواطنين.

في ضوء هذه التحركات، تبدو "ميدان" بمثابة امتداد وظيفي جديد ضمن استراتيجية التجديد الإخواني، التي لم تتخلّ عن مشروعها، بل تسعى لتغليفه في أطر أكثر "قابلية للهضم"، خاصة في الغرب.

الوجه الآخر لجماعة قديمة

الوثيقة الفكرية الصادرة عن حركة "ميدان" ليست إلا محاولة جديدة لإعادة تموضع المشروع الإخواني بأدوات ناعمة، تستخدم مفاهيم مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان لتبرير أجندة سياسية أعمق، عنوانها الحقيقي: استعادة النفوذ ولو على أنقاض الدولة.

تُقدَّم "ميدان" في المحافل الدولية كصوت ديمقراطي بديل، بينما تُدار من خلفها تحالفات يقودها رجال الجماعة الفعليون.

وإذا كانت الوثيقة تُقدَّم على أنّها نابعة من "جيل جديد"، فإنّ جوهرها يعكس استمراراً في نمط التفكير الإخواني القديم، حيث لا مكان لمؤسسات الدولة الوطنية، ولا اعتبار للسيادة أو الاستقرار، بل فقط مشروع إيديولوجي يريد أن يصوغ مصر على مقاس الجماعة، مهما تغيّرت الوجوه أو الشعارات.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية