
أيّ دولة نريد؟
أكثر من عقد مضى منذ أن خرج السوريون إلى الشوارع يهتفون: "حرية، عدالة، كرامة".
ومع كلّ ما جرى من قمع ودمار، ما تزال تلك الشعارات معلّقة في الهواء، دون ترجمة سياسية أو مؤسساتية حقيقية.
سؤال جوهري لم يُجَب عنه بعد:
هل نريد دولة تجمعنا جميعًا كمواطنين، أم مجرد سلطة جديدة بثوب مختلف؟
"اليوم، بين نظام يرفع شعار "الوطن" وهو يمزّقه، وسلطات جديدة توزّع الولاء على أساس الدين والانتماء، تتجلّى أزمة أعمق من مجرد استبداد أو فساد: إنّها أزمة في تعريف الدولة ذاتها."
الحماية ليست ترفًا ـ صوتي مضاف إلى صوت كلّ مواطن غائب
سؤال موجع وبسيط في آنٍ واحد:
هل الحماية التي يفترض أن توفّرها الدولة لكلّ أبنائها أصبحت رفاهية للأكثرية الدينية، وعبئًا على الأقليات؟
أنا مواطنة سورية ـ مسيحية، لا أطلب امتيازًا، ولا حماية خاصّة.
بل أطالب بأبسط ما يُفترض أنّه حقٌّ بديهي في أيّ دولة:
"أن يكون الفرد مواطنًا، له الحقّ في الأمان، دون أن يُسأل أوّلًا: "ما دينك؟ من جماعتك؟ بماذا تؤمن؟".
أليست هذه الأسئلة نقيض الثورة السورية؟
كيف يمكن لمن حلموا بالكرامة أن يقبلوا أن تتحوّل الدولة إلى أداة لتربية الناس على مذهب واحد؟
هل خرج السوريون من عباءة البعث الطائفي ليقعوا في قبضة أئمة يرون في السلطة وسيلة لنشر "المنهج"، لا لحماية الناس؟
هذا الطرح لا يعادي الدين، لكنّه يرفض أن يتحوّل إلى معيار للمواطنة، أو سُلّم للتوظيف، أو شرط للحياة. فالدولة يجب أن تكون عمياء أمام الدين، لا عمياء عن الظّلم.
"أبو فلان" ليس مؤسسة ـ نفوذ غير شرعي يُقوّض الدولة:
ما ينقله موظفون ومواطنون من داخل مؤسسات الدولة في سوريا يكشف واقعًا متكررًا:
السلطة الحقيقية ليست بيد الوزير، ولا المدير، بل بيد "الشيخ" أو "أبو فلان".
قرارات الوزارات تمرّ عبر قنوات غير رسميّة، تُحدَّد بناءً على الولاء، أو "المونة"، أو القرب من جهة نافذة.
مدير المؤسسة قد يُعطّل بقرار من شخص "جاهَد في المناطق المحرّرة"، أو من شيخ له نفوذ ديني على الطّاقم.
وهكذا تُختزل الدولة إلى شبكة علاقات ومحسوبيات، لا مكان فيها للكفاءة أو القانون.
هذه ليست فقط فوضى إدارية، بل فوضى مفهومية.
إنّها إعادة إنتاج للسلطة الاستبدادية، لكن بمرجعية "الزعيم الديني" بدلًا من "ضابط الأمن".
وكأنّ الثورة، بدل أن تبني دولة المواطنة، سمحت بولادة دولة "الشللية المقدّسة".
بين الطّائفية واللّاشرعية ـ كيف تضيع فكرة المواطنة؟
ما يجمع عليه كثيرون هو هذا الانهيار المتسلسل لمعنى الدولة.
وما يظهر على السطح من تديّن مفرط أو شعارات إيمانية، يخفي تحته أزمة شرعية وسلطة وهوية.
إنّها دولة لا يحكمها القانون، بل المذهب. لا تُدار بالمؤسسات، بل بالشيوخ والزعامات.
وفي هذا السياق، تصبح المواطنة مجرد حالة مشروطة:
لا يُعترف بها إلا إذا وافقت شكل "الأكثرية"، أو نالت رضا من يملك النفوذ الديني أو العسكري.
حين تتحوّل الدولة إلى "شركة مساهمة" يتحكّم فيها الأقوى عددًا أو سلاحًا أو صوتًا، فإنّ الأقليات ـ دينية كانت أو فكرية أو سياسية ـ تُصبح "مشكلة"، لا "شريكًا".
مناشدة لا تخجل من الوضوح: نريد دولة عادلة، لا دولة ضدّ الدين
نحن لا نطالب بدولة مدنية تُقصي الدين، بل نطالب بدولة لا تستخدمه ضدّ الناس.
نريد دولة تحمي الحقّ في الصلاة، كما تحمي الحقّ في التفكير. دولة لا تفرض على النساء حجابًا، ولا تمنعهن منه.
دولة لا تراقب معتقدات الناس، بل تُحاسب على الفعل، لا على النّية.
الدولة التي لا تُسائل رجل دين إذا خالف القانون، لكنّها تسجن ناشطًا لأنّه طالب بالعدالة، ليست دولة، بل هي جهاز قمع بطابع ديني.
والدولة التي تُفرّق بين مواطنيها حسب الطائفة أو المذهب، لا يمكن أن تبني استقرارًا، ولا اقتصادًا، ولا عدالة انتقالية.
سوريا تحتاج أكثر من إعمار… تحتاج تأسيسًا جديدًا:
لن تكون سوريا قابلة للشفاء ما لم نُعد تعريف الدولة على أسس واضحة وجديدة:
• لا قدسيّة لأحد فوق القانون.
• لا امتياز لطائفة أو جماعة.
• لا وصاية دينية أو حزبية أو أمنية على حياة المواطنين.
لا مكان لشيخ أو خوري أو أمير أو ضابط في اتخاذ قرارات الدولة العامة.
ولا مكان لعقيدة تُفرض بالقوة، أو لمذهب يُشرعن الإقصاء.
السبيل الوحيد لاستعادة سوريا هو في بناء دولة لا ترى السوريين كطوائف متنافسة، بل كأفراد متساوين في الحقوق والواجبات.
الدولة التي لا تسمع إلّا صوت القانون هي وحدها القادرة على حماية الجميع ـ لا بصفتهم سنّة أو علويين أو دروزًا أو مسيحيين، بل بصفتهم مواطنين، ولا شيء غير ذلك.






![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D9%83%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86_1_0_0_0_0_3_0_1_0.jpg.webp?itok=2QgRc-Y1)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1mpDtUyNuppx5wA4RLM50kLzs-N3DVqtOFyLTsKQNOfdoNI0SXRL41L4TalauhrWnJzqNeiqiO19JLllbIww_gs_Xbex6oxfXqqIunFxOaVjs5bblfAvwHVGIYs2GvUiK1Vlz9__xWFQ-OlxXYWNN2bh4KIE6hZR9C1VX4TG5UdHmS6xMn0k_qyTLoEXU6Io.jpg.webp?itok=4u-QQL8o)





![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF_4_0_2_5_1_0_2.jpg.webp?itok=6xnH0ImP)




![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/5YTmzoxRDC9d4MmYVdeZ-s961mAllXxIWexH58DYTH4Ca3CxJ6td92-OSRFfcrckM8hdtTRYBcBBT4-tCjfiME-tN5gPkmrXuI1OqpSZ0LPQ8PFVl4jcBbjYdjDU-Qr27B7zbOY2bLjYpebK6gUD8qkAbEZtt6C33eqQHvE46uuyhlw75mD0pHUEeP-wPT7W.jpg.webp?itok=I39PCZfU)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_17.png.webp?itok=d_X72sea)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_34_3_5.jpg.webp?itok=Ci8Js3Fa)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF_4_0_2_6_2.jpg.webp?itok=5M5BrpBC)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)