شبكات الإخوان الاقتصادية ومحاولات جذب الاستثمارات الخليجية

شبكات الإخوان الاقتصادية ومحاولات جذب الاستثمارات الخليجية

شبكات الإخوان الاقتصادية ومحاولات جذب الاستثمارات الخليجية


26/07/2026

لم تعد المواجهة مع شبكات الإسلام السياسي تقتصر على النشاط الحزبي أو الخطاب الدعوي، إذ برز خلال السنوات الأخيرة توجه متزايد نحو بناء منظومات اقتصادية واستثمارية عابرة للحدود، تُستخدم للحفاظ على الموارد المالية وتوسيع النفوذ خارج الأطر التنظيمية التقليدية، خاصة بعد الضغوط التي تعرضت لها جماعة الإخوان المسلمين في عدد من الدول العربية.

ودفعت هذه الضغوط بعض الشبكات المرتبطة بالإخوان إلى إعادة ترتيب أولوياتها، والانتقال من الاعتماد على النشاط السياسي المباشر إلى الاستثمار في قطاعات متعددة، من بينها العقارات وإدارة الأصول والإعلام والخدمات المالية، مستفيدة من البيئة القانونية والاقتصادية في عدد من الدول الأوروبية وتركيا.

وبات عدد من الشركات والمنصات الاستثمارية يستهدف رؤوس الأموال العربية عبر مشاريع تقدم نفسها باعتبارها كيانات استثمارية مستقلة، فيما ارتبطت بعض هذه الكيانات بأشخاص ودوائر محسوبة على جماعة الإخوان في الخارج. واتجهت بعض الشركات إلى اختيار أسماء تحمل دلالات خليجية بهدف الاستفادة من السمعة الاستثمارية التي اكتسبتها اقتصادات الخليج، ولا سيّما الإمارات، لدى المستثمرين الإقليميين والدوليين.

أكاذيب إخوانية لجذب الاستثمارات

برز اسم شركة "ياس للاستثمار والعقار" (YAS for Investment and Real States Ltd) خلال السنوات الأخيرة ضمن الشركات التي تستهدف المستثمرين العرب، وخاصة الخليجيين، عبر الترويج للاستثمار العقاري في بريطانيا، مستفيدة من هوية تسويقية ترتبط ذهنياً بإحدى أشهر الوجهات الاقتصادية والسياحية في دولة الإمارات، رغم أنّ الشركة مسجلة وتعمل من العاصمة البريطانية لندن.

وتأسست الشركة في 11 نيسان/أبريل 2017 كشركة بريطانية خاصة محدودة، ويقع مكتبها المسجل في 25 North Row بمنطقة مايفير في لندن، ويصنف نشاطها الرسمي لدى السجل البريطاني ضمن أنشطة صناديق الاستثمار العقاري. ولا تظهر بيانات السجل التجاري البريطاني أيّ مكتب مسجل للشركة داخل دولة الإمارات أو أيّ فرع تابع لها هناك.

وتقدّم الشركة نفسها عبر موقعها الإلكتروني على أنّها متخصصة في بيع وشراء وإدارة العقارات، والاستثمار العقاري، والتمويل العقاري، وتأسيس الشركات، مع تركيز واضح على تسويق العقارات البريطانية للمستثمرين في دول الخليج، وتعرض عشرات المشاريع في لندن ومدن بريطانية أخرى، وتنشر شهادات لعملاء من الإمارات والسعودية وقطر. 

ويعتمد الاسم التجاري للشركة على كلمة "ياس"، وهو اسم يرتبط مباشرة في أذهان المستثمرين الخليجيين بجزيرة ياس في أبوظبي، التي تُعدّ إحدى أبرز الوجهات الاستثمارية والسياحية في دولة الإمارات. ويمنح هذا التشابه الشركة حضوراً تسويقياً يعزز الانطباع بوجود صلة إماراتية، رغم أنّ نشاطها القانوني يتم بالكامل من المملكة المتحدة. وفي المقابل، توجد في الإمارات شركات رسمية تحمل اسم "ياس"، مثل ياس لإدارة الأصول التابعة لشركة ميرال، وهي كيانات مستقلة لا ترتبط بشركة "ياس للاستثمار والعقار" المسجلة في بريطانيا.

وتشير البيانات الرسمية البريطانية إلى أنّ مدير الشركة ومالكها هو عبد الرحمن الجابري، المسجل في السجل التجاري البريطاني بصفته مديراً للشركة منذ تأسيسها، وتحمل بياناته الجنسية الإماراتية، بينما يقيم في إنجلترا. 

ويقدّم الموقع الإلكتروني للشركة عبد الرحمن الجابري باعتباره "رجل أعمال إماراتياً"، ويؤكد أنّ الشركة يقودها مع فريق من الخبرات البريطانية والعربية،  ويوضح أنّ مقرها الرئيسي في حي مايفير بلندن منذ عام 2017، وأنّها بنت شبكة علاقات في السوق العقاري البريطاني، وتستهدف المستثمرين العرب والخليجيين.

ويرتبط اسم عبد الرحمن الجابري أيضاً بشركة "نافل كابيتال" (Navel Capital)، ويرد أيضاً اسمه في عدد من المشاريع العقارية والاستثمارية الموجهة للمستثمرين العرب في أوروبا. وهو نجل حسن منيف الجابري، الذي سبق أن أدين في قضية "التنظيم السري" في الإمارات، وأدرجت السلطات الإماراتية عبد الرحمن الجابري في قائمتها المحلية للإرهاب. وتستند هذه المعلومات إلى التصنيفات والقرارات الرسمية الصادرة عن دولة الإمارات، ولا توجد أحكام قضائية بريطانية معلنة تدين شركة "ياس للاستثمار والعقار" أو شركة "نافل كابيتال" أو تثبت تورطهما في أنشطة غير قانونية داخل المملكة المتحدة.

وفي الوقت نفسه، يلاحظ أنّ الشركة توظف في حملاتها التسويقية الهوية الإماراتية لمديرها، واسم "ياس" المرتبط بأبوظبي، مع إبراز شهادات لعملاء من دول الخليج، بما يعزز ثقة المستثمر الخليجي في العلامة التجارية، رغم أنّ الشركة ليست مسجلة في الإمارات ولا تمتلك، وفق السجلات البريطانية والبيانات الرسمية المتاحة، فرعاً أو كياناً قانونياً داخل الدولة. 

ولا يظهر في الموقع الإلكتروني للشركة أو في بيانات Companies House البريطانية أيّ عنوان أو رقم ترخيص أو سجل تجاري إماراتي يثبت وجود فرع للشركة داخل الإمارات، إذ تقتصر البيانات الرسمية المنشورة على مقرها في لندن.

وبذلك، فإنّ الادعاءات المتداولة بشأن امتلاك الشركة فرعاً في الإمارات هي ادعاءات كاذبة تدحضها السجلات الرسمية البريطانية والمعلومات المنشورة من قبل الشركة نفسها، بينما يظل نشاطها القانوني المعلن مقتصراً على المملكة المتحدة، مع تركيز واضح على استقطاب المستثمرين الخليجيين عبر هوية تسويقية تستحضر البيئة الاستثمارية الإماراتية. 

شبكة اقتصادية معقدة

ويبرز اسم أحمد الشيبة، إلى جانب حمد محمد الشامسي، ضمن شبكة من العلاقات والأنشطة والفعاليات المشتركة التي تجمع شخصيات محسوبة على الإخوان خارج المنطقة العربية. وتبقى هذه الروابط واردة في تقارير ودراسات، دون أن تمثل بذاتها أحكاماً قضائية.

ويبرز كذلك اسم إبراهيم الزيات في عدد من الدراسات الأوروبية التي تناولت البنية الاقتصادية للإخوان في أوروبا، حيث ارتبط بإدارة مؤسسات وشركات مرتبطة بالشبكة الاقتصادية للجماعة داخل القارة، وارتبط بإدارة مؤسسة Europe Trust التي تعمل كصندوق استثماري يركز بصورة رئيسية على الاستثمار العقاري، وتستخدم عائداته، وفق الوثائق المقدمة للجهات البريطانية المنظمة، في تمويل منح للمؤسسات المتوافقة مع أهدافها المعلنة. وتصف بعض الدراسات المؤسسة بأنّها تمثل الذراع المالية أو التنفيذية لشبكة الإخوان في أوروبا.

وأصبح استخدام الشركات الاستثمارية وصناديق العقارات والهياكل المؤسسية المعقدة أحد أبرز ملامح التحول في عمل هذه الشبكات، من خلال إنشاء منظومات مالية تعمل عبر أكثر من ولاية قضائية، بما يزيد من صعوبة تتبع حركة الأموال والملكية الفعلية للشركات.

وتبرز في هذا السياق شركات استثمارية متعددة، من بينها "نافل كابيتال"، التي تستهدف رؤوس الأموال الخليجية عبر مشاريع دولية متنوعة، الأمر الذي يعزز أهمية التحقق من الملكية الفعلية للشركات، ومصادر التمويل، وطبيعة الارتباطات المؤسسية قبل الدخول في أيّ استثمارات عابرة للحدود.

وتصطدم هذه التحركات الإخوانية بإجراءات خليجية صارمة، حيث لا تقتصر آليات حماية الأسواق الخليجية على جذب الاستثمارات وتعزيز النمو الاقتصادي، وإنّما تشمل أيضاً تطوير أدوات الرقابة المالية، وتعزيز متطلبات الإفصاح عن الملكية الحقيقية للشركات، وتوسيع التعاون بين الجهات التنظيمية والرقابية والأمنية في أوروبا ودول الخليج لتبادل المعلومات بشأن الشبكات الاقتصادية العابرة للحدود، بما يسهم في حماية المستثمرين وتعزيز نزاهة الأسواق.

وتعكس هذه التطورات انتقال جانب من الصراع على النفوذ من المجال السياسي إلى المجال الاقتصادي، حيث بات الاستثمار وإدارة الأصول والشركات العابرة للحدود يمثل، وفق العديد من الدراسات والملفات الأوروبية، إحدى الأدوات المستخدمة لبناء نفوذ طويل الأمد والحفاظ على الموارد المالية خارج الأطر التنظيمية التقليدية، في ظل استمرار التحولات التي يشهدها المشهد الإقليمي والدولي.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية