رواية "أحلام سعيدة"... الثورة من أجل الحب

رواية "أحلام سعيدة"... الثورة من أجل الحب

رواية "أحلام سعيدة"... الثورة من أجل الحب


13/03/2025

الرواية التي تضعك في حيرة من أمرك، من المؤكد أنّها رواية جيدة؛ فقد دفعتك دفعاً لطرح مزيد من الأسئلة حول نفسك وحول العالم، وفي رواية "أحلام سعيدة" للكاتب المسرحي والروائي أحمد الملواني، الصادرة عن دار (كتوبيا)، والمرشحة للقائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية ـ بوكر، لا تطرح الأسئلة حول النفس والعالم فقط، بل حول الماهيات أيضاً: ماهية الحب، وماهية الحرية، وماهية السياسة، وماهية الثورة. سيل من الأسئلة يضعنا أمام رواية فلسفية، على العكس من وصفها برواية الديستوبيا؛ كما تحدث بعض النقاد والقراء؛ فالمسألة أنّ الكاتب، وإن استخدم الدستوبيا قالباً للرواية، فهو في النهاية يطرح موضوعاً يختلف اختلافاً جذرياً عن معنى الديستوبيا والمعروف بأدب المدينة الفاسدة في مواجهة اليوتوبيا، وهو المعنى الذي يهرب إليه الأدباء للمستقبل زمناً لطرح الأسئلة، بعد تقييد قدرتهم على الإبداع في الزمن الحاضر، تحت ضغط الأنظمة السياسية الاستبدادية. وهو معنى لا ينطبق على رواية "أحلام سعيدة"، بإعتبار أنّ ذلك النوع من الأدب يصف الحياة بعد نهاية العالم، وسقوطها فريسة تحت فخ التكنولوجيا وسيطرة الذكاء الاصطناعي ممّا تسبب في فناء الحضارة!

الصراع بين المعاني الكبرى

في رواية "أحلام سعيدة" لا نجد صراعاً بين مجتمع يملؤه الخبث، بل نجد صراعاً بين المعاني الكبرى في محاولة لفرض حقيقة أحدها على الآخر، بين قصة حب يعيشها بطل العمل لأكثر من ربع قرن دون تبدل مشاعره أو زحزحتها عن مكانها ولو قيد أنملة. قصة حب تدفعه للجدل مع زميل العمل الذي يرى المرأة مجرد وعاء للجنس، والحب من وجهة نظره في تلك الحالة مسألة مثالية غير موجودة. وبين أفراد ينتمون للمؤسسة الحاكمة يرفضون الانصياع لأحلام ذلك المواطن الذي يرفض التنازل عن حبيبته، ساعياً بكل السبل للحفاظ على ذلك الحب، لنكتشف في مرحلة من الرواية أنّ الحبيبة أيضاً تصارع هي الأخرى للبقاء مع الحبيب متخذة الثورة سبيلاً للوصول إلى الحب الأسمى!

غلاف الرواية

في روايات الديستوبيا تعمل الحكومات على قمع الشعوب وقهرهم وإفقارهم وانتهاك حرماتهم، دون أن يكون للمواطن في وطنه أيّ حق في أيّ شيء. لكن في رواية الكاتب أحمد الملواني فالأزمة ليست في أنّ نظام الحكم ديكتاتوري، بل في فرض طريقة معينة للحياة يظن القادة السياسيون أنّها الأمثل لإدارة الشعب، في حين يراها البطل طريقة ظالمة فرقته عن حبيبته، ليتصف هو ومجموعة معينة بوصف الفرقاء، متخذين من الانتماء للمجموعات الثورية تحت مسمّى "المستيقظون" سبيلاً للثورة على التفريق بينهم وبين من يحبون!

في رواية "أحلام سعيدة" لا نجد صراعاً بين مجتمع يملؤه الخبث، بل نجد صراعاً بين المعاني الكبرى في محاولة لفرض حقيقة أحدها على الآخر

هنا نجد أنفسنا أمام صراع حول الحب يأخذ شخوص الرواية في رحلة درامية تدور أحداثها في عالم روائي غير محدد الزمان والمكان؛ فنحن لا نستطيع تحديد زمن الرواية بأنّه يحدث في المستقبل البعيد أو القريب، حتى مع توظيف الروائي لمسألة وضع شريحة في جسد المواطنين للتحكم فيهم ومعرفة تحركاتهم ومشاعرهم. مسألة الشريحة أصبحت واقعاً بالفعل وليست مسألة لم تحدث بعد، والتجارب حولها واقع نعيشه الآن. بل إنّ شواهد الديستوبيا داخل الرواية لم تظهر إلا في مرحلة متقدمة جداً من السرد بعد تحولات في المشهد السياسي نتج عنها تخريب المدينة وإفسادها تحت مسمّى الحرب والثورة، في حين كان المجتمع في أبهى صورة وأشدها نظاماً تحت نظام الحكم الذي اعتبر الثوار أنّه ديكتاتوري، هنا تظهر الأفكار الفلسفية التي تدور حولها الرواية، فهي غير مشغولة بالحديث عن الفعل نفسه، غير مشغولة بالحديث عن القيمة كصفة في حدّ ذاتها، بل عن المعنى من خلف القيم، عن الماهيات كمعنى أكبر.

المستيقظون ضد سجن الأحلام

إشكالية الأحلام السعيدة هي محور العمل، سواء من خلال تحكم مؤسسة الحكم في نوعية الأحلام، أو تمرد أحد أعضاء الشعب على النظام وسقوطه في معصية أن تتحرر أحلامه من سيطرة النظام. وفي بعض الأحيان يتدخل خلل جيني مرتبط بالشخص فيؤثر في أحلامه أو معدلات النوم التي فرضها النظام على الشعب، من هنا ظهر الثوار، أو من يُطلق عليهم في الرواية "المستيقظون"، الرافضون لمسألة التحكم في أحلامهم، حتى لو كانت سعيدة؛ فهي سعيدة من وجهة نظر النظام الحاكم، وليست من اختيار صاحب الحلم نفسه.

في رواية "أحلام سعيدة" تتجلى قدرة أحمد الملواني الروائية التي أكدها قبل أعوام بأكثر من عمل أدبي حظي أغلبها بالجوائز المرموقة، منها جائزة الهيئة العامة لقصور الثقافة عام 2013، وجائزة أخبار الأدب عن رواية "وردية فراولة" عام 2015، وجائزة مؤسسة ساويرس الثقافية عن رواية "الفابريكة" عام 2019.

الروائي أحمد الملواني

وفي روايتيه "وردية فراولة" و"الفابريكة" نستطيع أن نعدّهما تدوران في عالم الديستوبيا، رغم أنّ رواية "وردية فراولة" أحداثها وزمانها في عصرنا الحالي، لكنّها وظفت أدوات أدب المدينة الفاسدة أو المدينة الخبيثة التي يرتفع فيها الخبث وتنهدم فيها القيمة. ورغم استخدام ذلك الشكل في الكتابة تظل الأسئلة الكبرى مطروحة، وهو الهمّ الرئيسي للكاتب في جميع أعماله الروائية والقصصية تقريباً، ومن اللافت في مشروع أحمد الملواني ككاتب أنّه أكثر شهرة ككاتب للمسرح الكوميدي، وحققت مسرحياته الكوميدية نجاحاً ملحوظاً، أبرزها مسرحية "طيب وأمير" المعروضة لأعوام على المسرح، وقدّم خلالها معالجة عصرية لأحد أفلام نجيب الريحاني "سلامة في خير" من إخراج نيازي مصطفى وكتابة بديع خيري، وفي المسرحية أيضاً ينشغل مؤلف العمل، سواء في نسخته الأولى "بديع خيري"، أو نسخته الثانية "أحمد الملواني"، بسؤال القيم، ومعنى الجمال، وهي أسئلة فلسفية في مجملها. ومع الشهرة التي تحققت له ككاتب للمسرح الكوميدي، نجد روايات أحمد الملواني تدور في فلك سوداوي أحكم المؤلف حبكته الأدبية، موظفاً الفانتازيا والخيال العلمي والديستوبيا شكلاً للكتابة، طارحاً الأسئلة المشغول بها ككاتب، باحثاً عن الإجابات بين ثنايا الحكايات، وفي رواية "أحلام سعيدة" جعل الحلم منطلقاً للعالم الروائي الذي تناوله الكاتب؛ فالأبطال مقيدون بالحلم أو الكابوس الذي يقرره النظام الحاكم، من خلال الشريحة الموضوعة في رأس أعضاء الشعب، فإن كنت مواطناً مثالياً حسب المعايير التي وضعتها مؤسسة الحكم فستكون أحلامك سعيدة، وإن كان العكس تحولت إلى كوابيس، حتى إنّ السجن في ذلك المجتمع يحدث عن طريق قضاء السجين الفترة الأكبر من العقوبة نائماً واقعاً تحت سطوة الكوابيس!

الصراع بين ثنائية السلمية والثورة

إشكالية الثورة نفسها أحد أبرز الأسئلة في الرواية، فهل الثورة على النظام الحاكم هي السبيل للوصول إلى التغيير؟ حتى لو كان ذلك النظام يعمل من أجل مصلحة الشعب ـ من وجهة نظره بالطبع- ؟ ولو اعتمدنا الثورة سبيلاً للتغيير، فهل يجب أن تكون ثورة مسلحة تستخدم العنف في مواجهة النظام؟ بل يذهب بنا المؤلف إلى طرح شديد المثالية في التغيير؛ يدور حول التغيير من الداخل، من خلال استخدام أدوات النظام نفسها للتعبير عن الرفض قول لا، عن طريق لجوء بطل الرواية إلى المؤسسات التي حددها النظام سبيلاً للاعتراض، سبيلاً للمتمردين على قرارات النظام. ثم يذهب بنا الكاتب إلى صراع بين تلك الثنائيات التي فرضها سيل الأسئلة، ليصبح كل شخص داخل الرواية محمولاً بالسؤال والإجابة، وتبدأ رحلة كل سؤال مع الطريق الذي اختاره، ليصل بنا المؤلف في النهاية إلى لحظة التنوير التي تنكشف معها الحقيقة التي نتجاهلها، لا أقول الحق، فالحقيقة يسهل الوصول إليها، إنّما الحق باعتباره ماهية مسألة صعبة التحقق، بل مستحيلة من وجهة نظر الكاتب؛ فجميع الاختيارات المتاحة تصل بنا في النهاية إلى المعنى نفسه، مستخدمة الأساليب نفسها بتفسيرات مختلفة، فالنظام يستخدم الديكتاتورية لضبط شكل الحكم معتبراً أنّ ذلك من مصلحة الجماهير، و"المستيقظون" وظفوا مصطلحات الحرية والديمقراطية في سبيلهم للثورة، لكنّهم سقطوا في براثن الآليات نفسها ليصبحوا هم أيضاً صورة أخرى للعالم الذي هربوا منه سابقاً، دون ترك الفرصة للجماهير كي يختاروا. وتظل الإشكالية الأخطر أنّه حتى مع حرية الاختيار سنقع في فخ طوفان الأسئلة ونسبية المعاني الإنسانية، فما الذي يحدد ماهية الحب، وماهية الحرية، وماهية الثورة. حقاً، ما هو الحب؟. 



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية