2023: الشعوب العربية تتعلق بقشة الوعود. هل ثمة أمل؟

2023: الشعوب العربية تتعلق بقشة الوعود. هل ثمة أمل؟

2023: الشعوب العربية تتعلق بقشة الوعود. هل ثمة أمل؟


04/01/2023

ما لم تفلح فيه عقود من دعوة القومية العربية، فعلته الأزمة الاقتصادية العالمية في عام واحد؛ حين تلاقت الشعوب العربية على الشكوى من صعوبات الحياة المعيشية، التي أخذت في الاشتداد منذ أحداث الربيع العربي في 2011.

من مصر إلى تونس والمغرب، ومن العراق إلى سوريا ولبنان، والصومال واليمن والسودان، أزمات اقتصادية عاصفة زادتها تبعات الحرب الروسية الأوكرانية شدةً على ما كانت فيه. لا تتحمل الحرب في أوكرانيا المسؤولية الأولى عن ذلك؛ فلكل بلد عربي ظروف خاصة، إلا أنّ الحرب كانت بمثابة الاختبار الذي كشف هشاشة الأنظمة الاقتصادية العربية، باستثناء دول الخليج النفطية والجزائر وليبيا التي حققت فوائض مالية بعد ارتفاع أسعار النفط والغاز.

أزمة عالمية

طالت تداعيات الحرب الروسية على أوكرانيا جميع دول العالم، سواء التأثير المباشر نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة والسلع الغذائية والمواد الخام التي كانت تصدرها روسيا وأوكرانيا، والتأثير غير المباشر نتيجة اضطراب سلاسل التوريد، ورفع الفيدرالي الأمريكي لنسبة الفائدة بوتيرة متسارعة لمواجهة التضخم.

وصلت الفائدة في الولايات المتحدة إلى 4.5% مع آخر زيادة في منتصف شهر كانون الأول (ديسمبر) الماضي، ومن المحتمل أن ترتفع 50 نقطة إلى 5%. أدى ذلك إلى انسحاب الاستثمار الأجنبي غير المباشر المعروف باسم "الأموال الساخنة" من العديد من الأسواق العالمية، بعدما أصبحت السوق الأمريكية أكثر جاذبية، سواء بنسبة الفائدة المرتفعة والضمانات الأوثق للسوق الأمريكي.

وقفة احتجاجية ضد الغلاء في المغرب

تأثرت مصر سلباً بانسحاب رؤوس الأموال الساخنة، وبحسب التصريحات الرسمية خرج ما يُقدر بنحو 20 مليار دولار من الاستثمار الأجنبي غير المباشر في أذون الخزانة أو السندات، وهي أدوات تقوم الحكومة بالاقتراض من خلالها، أو في أسهم الشركات المدرجة بالبورصة.

ويكشف حجم التحديات الاقتصادية التي تواجه اقتصاديات أقوى بكثير من الاقتصادات العربية مثل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وبريطانيا عن حجم الأزمة العالمية غير المسبوقة، والتي أدت إلى اضطرابات اجتماعية واسعة في أوروبا، وموجات كبيرة من الإضرابات، طالت الخدمات الصحية في بريطانيا.

من مصر إلى تونس والمغرب ومن العراق إلى سوريا ولبنان والصومال واليمن والسودان أزمات اقتصادية عاصفة زادتها تبعات الحرب الروسية الأوكرانية شدةً

تزيد هذه التحديات بالنسبة للدول العربية غير النفطية، التي تعتمد على الاستيراد لتلبية جزء كبير من احتياجاتها الغذائية والمواد الخام والمصنعة اللازمة لعملية الإنتاج، وتلك الأخيرة تضررت بشدة، ودفعت العديد من المصنعين إلى الإغلاق أو التشغيل الجزئي لخطوط الإنتاج.

أدى ذلك إلى ارتفاع قياسي لنسب التضخم في البلاد العربية غير النفطية، وتراجع سعر صرف العملة المحلية أمام الدولار، وتبع ذلك ارتفاع في سائر أسعار السلع، خصوصاً السلع الغذائية.

أزمات إنسانية

واختلفت التبعات الاقتصادية للحرب الروسية على أوكرانيا من دولة عربية لأخرى، وفي حالة الدول التي تشهد أزمات إنسانية بسبب الحرب الأهلية مثل سوريا واليمن والصومال، ومعهم لبنان التي سبقت أزمتها الاقتصادية أزمتي كورونا والحرب في أوكرانيا، عمقت تبعات الحرب من الأزمة إلى حد غيرٍ مسبوق من المعاناة، خصوصاً في فصل الشتاء، حيث شح المحروقات وتدني الأمن الغذائي.

وأدت الحرب إلى انصراف المانحين الدوليين نسبياً عن تمويل عمل المنظمات الإنسانية الدولية في اليمن وسوريا، بعد أزمة اللجوء التي سببتها الحرب في أوكرانيا، والتي تحملت دول أوروبا كلفتها، فضلاً عما تعانيه هذه الدول من اضطرابات.

وتشهد أوضاع مخيمات النازحين الفارين من الحرب في سوريا واليمن أوضاعاً إنسانيةً صعبة، حيث انتشر وباء الكوليرا في مناطق المخيمات السورية في شمال لبنان، وسبق أن تفشى في مخيمات النازحين في اليمن. بينما لم ترق الاستجابة الإقليمية والدولية لحجم تحدي المجاعة الذي هدد ملايين السكان في الصومال، وشرق أفريقيا بشكل عام.

معاناة اللاجئين في فصل الشتاء

بالإضافة إلى ذلك، هناك ترقب واسع لتأثير التغيرات المناخية على مواسم الزراعة، وتسببت موجات الجفاف في العام الماضي في المغرب في انخفاض المحاصيل الزراعية، وارتفاع أسعارها، ما أدى إلى خروج احتجاجات شعبية محدودة.

في فلسطين ومخيمات النزوح في لبنان والأردن، واجه الفلسطينيون تحدياً يتعلق بتقليص عمل منظمة الأونروا، فضلاً عن تبعات الحرب التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة في أيار (مايو) الماضي. وفي السودان تشهد البلاد أزمة غلاء غير مسبوقة، ونقص في الخدمات العامة والصحية على وجه الخصوص.

شهدت مناطق واسعة في السودان فيضانات كبيرة تسببت في إغراق عشرات القرى، ولم تشفع تلك الأزمات لسكان ولايات دارفور والنيل الأزرق، فتعرضت فئات سكانية لهجمات عرقية دموية أدت إلى موجات نزوح واسعة.

آمال العام الجديد

تبشر التصريحات المتكررة بين روسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة عن التفاوض لإنهاء الحرب ببعض الآمل في العام الجديد، رغم التباعد الكبير بين أطراف الصراع حول الأرضية المشتركة للحوار، إلا أنّ هناك احتمالات بالتفاوض.

وفي أكبر اقتصاد عالمي، بدأت نسب التضخم غير المسبوقة منذ عقود في الانخفاض، ما جعل الاقتصاديين يطالبون بالتمهل في رفع أسعار الفائدة في الولايات المتحدة، وهو الأمر الذي سينعكس إيجاباً بعودة الأموال الساخنة إلى الاستثمار في اقتصاديات الدول النامية، خاصة بعد الانخفاض الكبير في أسعار صرف عملاتها المحلية مقابل الدولار.

يعتبر العام 2022 بمثابة جرس إنذار لدول المنطقة ينبه إلى الحاجة إلى اتباع سياسات مالية وبرامج اقتصادية مبنية على أسس علمية

من المحتمل أنّ تكون السودان على رأس الدول التي ستشهد انفراجة في العام الجديد، 2023، بعد توقيع الاتفاق الإطاري الذي يسمح بنقل السلطة إلى المدنيين، وهو الشرط الأساسي لاستئناف شطب ديون البلاد وتدفق المنح والاستثمارات الغربية.

وتواجه لبنان وتونس تحدياً كبيراً يتمثّل في رفض المجتمع الغربي التعاطي معهما اقتصادياً نتيجة الخلافات السياسية والتردد في صياغة برنامج إصلاح اقتصادي بالاتفاق مع صندوق النقد الدولي. وينتظر لبنان عاماً صعباً في ظل الإخفاق المستمر في انتخاب رئيس للبلاد، وتولي حكومة مستقيلة تصريف الأعمال.

أما تونس فتواجه تحدي اتساع هوة الخلاف بين الحكومة وأصحاب العمل من جانب والاتحاد العام للشغل الممثل لقطاع واسع من العمال من جانب آخر، وهو الخلاف الذي أدى بجانب الوضع السياسي إلى تأجيل قرض صندوق النقد للبلاد.

توقعات صندوق النقد لاقتصادات دول عربية

ويعتبر العام 2022 بمثابة جرس إنذار لدول المنطقة، ينبه إلى الحاجة لاتباع سياسات مالية وبرامج اقتصادية مبنية على أسس علمية، تضع تنمية وتحسين أوضاع المواطنين المعيشية نصب عينيها، بدلاً من تبني سياسات اقتصادية لم تصمد أمام التحديات الدولية.

من جانب آخر، أثبتت الأزمات التي تعيشها المنطقة إخفاق الرهان على سياسات غير ديمقراطية لتحقيق تنمية اقتصادية؛ إذ إنّ غياب المؤسسات الإعلامية والرقابية المستقلة أدى إلى استشراء الفساد، وما قضية الاستيلاء على ملياري دولار في العراق ببعيد عن ذلك.

وتوقع صندوق النقد الدولي أن ينخفض معدل النمو الإجمالي لاقتصادات الدول العربية من 5.4% في 2022 إلى 3.9% في 2023. يُقدّر الصندوق أن تنمو اقتصادات الدول النفطية بنسبة 5.2% هذا العام، على أن يتراجع النمو إلى 3.5% العام المقبل بفعل تناقص زيادة الإنتاج المقررة في ظل اتفاقية "أوبك+"، وتراجع أسعار النفط، وتباطؤ الطلب العالمي. وذكر تقرير الصندوق أنّ الاحتياجات التمويلية في مصر ستبلغ 23% من الناتج المحلي الإجمالي، والاعتماد سيزيد على البنوك بسبب صعوبة توفير التمويلات الخارجية. وخفض توقُعات نمو اقتصاد المغرب للعام المقبل بـ1.5% إلى 3.1% مقارنةً بتوقُّعات سابقة. بينما توقع نمو اقتصاد ليبيا للعام المقبل إلى 17.9% بدعم من نمو اقتصادها النفطي بنحو 22%، لتكون أسرع اقتصاد عربي نمواً خلال العام المقبل.

مواضيع ذات صلة:

الاقتصاد العالمي على موعد مع أزمات جديدة في 2023.. ما أبرزها؟

10 تحديات ترسم مصير سوريا في 2023

لا تسويات كُبرى في الأفُق: ما الذي ينتظر العالم في 2023؟



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات
الصفحة الرئيسية