إستراتيجيات اللوبي التركي في الدول العربية

تركيا

إستراتيجيات اللوبي التركي في الدول العربية


23/04/2018

بعد أن غادرتها قبل قرن من الزمن أخذت تركيا بالعودة إلى المنطقة العربية بخطىً حثيثة منتهزة الفرصة لإحداث تأثير فعّال في العلاقات مع الدول العربية بوجه عام، والخليجية والمصرية بوجه خاص مستعينة بلوبي مؤسّسي يعمل بدأب لهذه الغايات، التي يرى البعض أنّها تتجاوز أهدافها المعلنة، حتى من قبل بعض الدول العربية ومنها مصر، اتهمت تركيا بالتدخل السافر في شؤونها الداخلية؛ لأنّها تصرفت كما لو أنّ ما يحدث في كل بلد هو شأن تركي داخلي.
هيمنة القوة الناعمة
بهدف تعزيز النفوذ وتوسيع رقعة الانتشار، يعتمد اللوبي التركي على عدة محاور للعمل، أهمّها تلك التي تشرف عليها حكومة أنقرة ذاتها، أو الجمعيات الخاصة والمنظمات التي يتولاّها رجال أعمال مقربون من الدولة، أو تحت ستار مؤسسات خيرية؛ كالخدمة والتمويل، أو عبر أذرعها الإعلامية والفنية، التي مثّلت قوة ناعمة في الاتصالات الثقافية والاقتصادية، لإعادة خلق نسخة جديدة من الإمبراطورية العثمانية من شمال إفريقيا إلى الهضبة الإيرانية وآسيا الوسطى.
والأدوات ذات الطابع الرسمي، تقوم عليها شخصيات تنتمي إلى مستويات رسمية في الدولة، أو حركات ذات طابع فكري تعتمد على افتتاح الجمعيات الخيرية والمدارس كوسيلة لإنجاح جهودها، مثل مدرسة صلاح الدين، أو مجلة حراء، التي كان أول إصدار لها في العام 2005، وهي مجلة تركية تصدر باللغة العربية، وقامت بعقد عدد من الورش والندوات والمؤتمرات.

يعتمد اللوبي التركي على عدة محاور للعمل أهمّها تلك التي تشرف عليها حكومة أنقرة ذاتها

تعتبر "جمعية رجال أعمال تركيا والدول العربية" هي المثل على تلك الجمعيات التي يشرف عليها أردوغان للتغلغل إلى الدول العربية، وتهدف إلى إنشاء علاقات مع المؤسسات الاجتماعية والتجارية العربية والدخول فيها، وتعزيز علاقات الصداقة والتفاهم والشراكة المنشأة على المصالح المشتركة من وسائل الإعلام التجارية ورجال الأعمال والشركات التجارية على حد سواء في الدول العربية وتركيا، مع تطوير المعرفة الاجتماعية والتجارية بين الأعضاء، مع السعي إلى تبادل المعلومات والمعرفة في التعليم، والجوانب العلمية والتكنولوجية وغيرها.
وإضافة إلى هذه الذراع المهمة هناك العديد من المنظمات الأخرى المنوط بها غايات مشابهة كجمعية رجال الأعمال الأتراك "الموصياد".
كما استغلت تركيا الإعلام والفن كقوة ناعمة، نظراً لما له من دور فاعل وعميق في الترويج لأي سياسة أو نظام سياسي، واتّجهت إلى إنشاء عدد من المؤسسات والمكاتب في عدد من الدول العربية، ومنها قناة trt التركية التي تعبر عن الثقافة التركية في شتى المجالات، كالفن والعلم والسياسة ونقلها إلى العالم العربي، وقد تم افتتاحها ومكاتبها العاملة بالدول العربية بموجب قرار حكومة حزب العدالة والتنمية لتدعيم التواصل الثقافي بداية شهر نيسان (أبريل) 2010، وهي تابعة للهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون في تركيا[1].

 

عقلية الراعي والرعية
وبعد وصول حزب العدالة والتنمية للحكم في تركيا، أعاد تأسيس العلاقات من جديد، وهذا ما عبّر عنه أحمد داوود أوغلو، حين قال: لعلّ الغالبية الساحقة من الكيانات العربية مالت عند تناول الحضور التركي في المنطقة إلى تقديم وصفات مكررة لوقائع الصراع بين العلمانية والإسلام في تركيا، لكننا نعيد تأسيس العلاقات العربية على أرضية عقلانية، بما يخدم المصالح المتبادلة بين الطرفين، وقضايا السلم الإقليمي [2].
ما يقوم به أردوغان في المنطقة العربية، وآخره زيارته للسودان، يخدم مشروعه الضخم القائم على إعادة الدولة العثمانية، وهذا ما عبّر عنه أكرم حجازي، بقوله "إنّ الموقف الثابت أنّ سؤال التاريخ لا يمكن أن ينفصل عن الواقع وسؤال المصير؛ إذ إنّ إسطنبول عاصمة العالم ما تزال حاضرة في الذهن التركي، يدرك أردوغان الآن أنّ إسقاط السلطة في تركيا على كافة أنحاء الشرق الأوسط هو أمر محفوف بتعقيدات محبطة، ولأجل ذلك قد تبذل تركيا قصارى جهدها لزيادة التجارة مع جيرانها في الشرق، لكن حجمها لا يزال بعيداً عن حجم تجارة تركيا الكبيرة مع أوروبا، والتي تغرق الآن في حالة ركود[3].

تعتبر منظمة تيكا إحدى المؤسسات التركية الناشطة في مجال تقديم المساعدات الإنسانية لتحسين صورة تركيا

ويقول ربيع الحافظ: "يعتقد أردوغان، وأحمد داود أوغلو، أنّهما يمكن أن يشكّلا بنجاح نقاطاً في جميع أنحاء العالم الإسلامي، ويوفّرا معادلة ميدانية تجعل من توفير آلية تواصل إقليمية، مطلباً حتمياً؛ لأنّ تركيا ترى جوارها اليوم هم رعايا الدولة العثمانية لكن حاجتها إليهم يجعل ثمة صيغة تخدم هذه المصلحة، مما جعلها تفتح حدودها، وهي خطوة تفتح الرتق الاجتماعى للدوران"[4].
أحمد داوود أوغلو

البعد التجاري والاقتصادي
ثمة بُعد مهم في نشأة اللوبي التركي في المنطقة العربية، ومنها الخليج ومصر، وهو البعد الاقتصادي، فتجارة تركيا مع جيرانها المباشرين، زادت بشكل كبير، مما دفع لانخراط تركيا لمشاركة جيرانها، ودفع المجتمع المحلي للمساهمة في الانخراط مع السياسة الاقتصادية التركية في المنطقة، فساهمت مؤسسات تابعة للحكومة، وأخرى خاصة، بشكل مباشر أو غير مباشر، في التجارة الخارجية لتركيا، وفي التعاون مع الدول المجاورة.
يذكر كمال كيرشجي، الأستاذ في جامعة بوغازتش، أنّه في العام 2005، تم افتتاح سلسلة سوبر ماركت راموستور ميغرو الفرعية القابضة، التي تعود ملكيتها لرجل الأعمال التركي، كوتش، 54 فرعاً في الدول المجاورة، وأدارت ما يقل عن 22 محل سوبر ماركت، كما أنّ هناك استثمارات متزايدة في عدة دول عربية، منها مصر، التي استثمرت فيها تركيا في المنسوجات، وافتتحت المصانع التركية أفرعاً لها بمصر، كما أنّ بعض الشركات افتتحت فروعاً أخرى، مثل "أولكر" المتخصصة في قطاع الأغذية، وشركة "غاما" في قطاع التشييد، وبنك "يابي كريدي" الموجود في دول مجلس التعاون الخليجي[5].

جمعية رجال أعمال تركيا والدول العربية أبرز مؤسسات التغلغل التركي إلى الدول العربية

وأشار كيرشجي، إلى أنّ المجتمع المدني ساهم بمنظماته في الأنشطة والمشاريع التي قامت بها الدولة التركية، ومنها منظمة الصناعيين المستقلين، وجمعية رجال الأعمال (الموصياد)، ومجلس العلاقات الاقتصادية الخارجية التركي، وجمعية المصدرين الأتراك، والاتحاد التركي للغرف (توب)، و"توسياد"، والاتحاد التركي لرجال الأعمال والصناعيين (توسكون).
وهدفت تركيا من قيام مؤسساتها من الانتقال إلى دول الجوار العربية، إلى صناعة أكبر قدر من التفاعل بين نخبة رجال الأعمال الأتراك والعرب، وعلى سبيل المثال عمل الاتحاد التركي للغرف (توب) بشكل وثيق جداً مع الحكومة، على تعزيز العلاقات التجارية[6].

جمعية رجال الأعمال الأتراك تحمل مفاهيم فكرية وسياسية ودينية تقوم بخدمتها

جمعية رجال الأعمال الأتراك

وهي جمعية وإن حملت الطابع التجاري والاقتصادي، إلا أنها تحمل مفاهيم فكرية وسياسية ودينية تقوم بخدمتها والدعاية لها عبر أنشطتها بالداخل والخارج، وتقدم دعماً لمؤسسات مدنية أخرى تسير في ركاب أهدافها.
الجمعية اليوم أكبر تجمع اقتصادي في تركيا، عدد أعضائها نحو 2650 شخصاً، يمثلون آلاف الشركات، ولها 28 فرعاً في تركيا، و30 مركز ارتباط حول العالم، ومنها عدة أفرع في الكويت وقطر.
والجمعية لها أهداف داخلية هي زيادة الفاعلية الاقتصادية الداخلية وتعزيز مكانة رجال الأعمال الأعضاء والشركات التركية في الاقتصاد العالمي، أما أهدافها الخارجية فهي نقل التجربة التركية إلى البلدان العربية والإسلامية، وزيادة حجم التبادل التجاري بين البلاد العربية والإسلامية وبين تركيا، وكان هذا هو الهدف الأساسي لمنتدى رجال الأعمال الدولي الذي أسسته الجمعية، لربط رجال الأعمال الأتراك بالعالم الإسلامي.

الموصياد، مهمتها إعطاء معلومات للحكومة التركية عن الميزات الاستثمارية في كل بلد عربي أو إسلامي

جمعية الموصياد

هي جمعية مهمتها الأساسية إعطاء معلومات للحكومة التركية حول الميزات الاستثمارية في كل بلد عربي أو إسلامي[7].
ويجتمع مسؤولو الجمعية مع المسؤولين العرب ووزراء الاقتصاد كي يجمعوا المعلومات حول المزايا التنافسية لكل بلد، والإعاقات التي تعوق التجارة البينية بين كل بلد وكيفية رفع حجم التجارة، فحكومة أردوغان تسمع للمجتمع المدني في تركيا وتستفيد من التقارير والأبحاث التي تعدها هذه المؤسسات [8].
ستار العمل الإنساني والخيري
اتخذت تركيا مؤسسات البعد الإنساني، كوسيلة للتمدد الإقليمي، والتأثير على منطقتها اقتصاديا وثقافياً، عن طريق "التأثير الواضح"، وبجعلها كنموذج يحتذى بها، وتعتبر منظمة "تيكا" التركية واحدة من تلك المؤسسات التركية الناشطة في مجال تقديم المساعدات الإنسانية، بهدف دعم مشروع الصعود التركي الإستراتيجي الإقليمي، وتحسين صورة تركيا في الكثير من البلدان، والتعريف بها في بلدان أخرى بعيدة وصغيرة، من الصعب تحديد موقعها على الخارطة.
تجاوزت قيمة مشاريع "تيكا" في العام 2012 مثلاً 3.5 مليار دولار، فيما قدمت مساعدات بنسبة 46% للبلدان الشرق أوسطية، و30% لبلدان إفريقية، و18% لبلدان آسيوية.

استغلت تركيا الإعلام والفن كقوة ناعمة للترويج لأي سياسة أو نظام

وهناك أمثلة أخرى على هذا اللوبي مثل "رئاسة الشؤون الدينية" و"الهلال الأحمر التركي" ومركز "يونس أمره" الثقافي و"رئاسة أتراك المهجر"، لكن الأهم تبقى مؤسسة "تيكا" الإنمائية التي تحمل العبء الأكبر في مشروع تركيا الاستراتيجي نحو الخارج.
تسير جمعية الدفاع عن المظلومين mazlum-d في نفس السياق، وهى جمعية ناشطة بحقوق الإنسان، منذ العام 1994 يتولاها مجموعة من المحامين[9].
أما عن "وقف الحاج عمر صابانجى" فهو وقف تابع لمجموعات صابانجي التجارية، وهو واحد من أضخم المؤسسات الوقفية الخيرية بتركيا.
وهذه المجموعة بالتعاون مع وزارة السياحة التركية تمول مهرجان "اضنا الدولى المسرحي"، وتقيم مسابقة للرقص الشرقي، وكذلك تدعم مهرجان أنقرة الموسيقي، ولها نشاطات متنوعة بالأخص في دول الخليج ومصر وسوريا.
وتقوم مؤسسة محمد الفاتح الخيرية، وكذلك جمعية ياردم "يد المساعدة"، بأداء الدور نفسه.
أما اتحاد المنظمات الإسلامية الأهلية في العالم الإسلامي، فهو اتحاد يقع مقره الرئيسي باستانبول، وهو مؤسسة لها وجود بدول مجلس التعاون، ويقيم مؤتمراته في عدد من الدول ومنها الكويت.

جمعية الموصياد مهمتها الأساسية إعطاء معلومات للحكومة التركية حول الميزات الاستثمارية في كل بلد عربي أو إسلامي

تعتبر مؤسسة الإغاثة والمساعدات الإنسانية التركية أهم جمعية في هذا اللوبي التركي، إذ تتعاون مع عدد من المنظمات العربية، وتتداخل مع اتحاد الجمعيات الإغاثية والتنموية في لبنان، ومع الشيخة حصة بنت خليفة آل ثاني، والرئيس التنفيذي لجمعية قطر الخيرية، يوسف الكواري، الموضوع على قوائم الإرهاب العربية.
أما مركز العلاقات التركية، فهو مركز يعني بالتعاون مع بعض المنظمات الخيرية المنتشرة في العالم العربي، ويقوم مسؤولوه في عدة دول عربية باستقطاب الشباب بحجة التدريب المشترك على مراقبة الانتخابات، والعملية الديمقراطية.
ونظم هذا المركز مبادرة "أنا الحرة" بالتعاون والشراكة مع حركة "نساء ضد الانقلاب"، و"حركة التضامن المصري، رابعة"، وقاموا بوقفات احتجاجية في اسطنبول[10].

 

مؤسسات البعد الثقافي والفني
نظراً للتأثير الواضح للثقافة، والقوة الناعمة، فقد عني أردوغان بها، ومنها الجمعية التركية العربية للعلوم والثقافة والفنون، وهي جمعية أقامها نخبة من الأكاديميين والإعلاميين والمثقفين الأتراك والعرب، في مبادرة لربط شعوب وبلدان العالمين؛ التركي والعربي، وتتخذ من العاصمة التركية أنقرة مقرّاً رئيسياً لها، لكنها تقيم عدداً من أنشطتها على المستوين؛ السياسي والاقتصادي في عدد من العواصم العربية.
هذا بالإضافة إلى تعاون ﻣﺮﻛﺰ ﺍﻷ‌ﺑﺤﺎﺙ ﻟﻠﺘﺎﺭﻳﺦ ﻭﺍﻟﻔﻨﻮﻥ ﻭﺍﻟﺜﻘﺎﻓﺔ ﺍﻹ‌ﺳﻼ‌ﻣﻴﺔ (ﺍﺭﺳﻴﻜﺎ) مع عدد من المراكز العربية، ومنها ﺍﻟﻤﺮﻛﺰ ﺍﻟﺜﻘﺎﻓﻲ ﺍﻟﺘﺮﻛﻲ ﻓﻲ ﻋﻤﺎﻥ في القيام بأنشطة ثقافية داخل الدول العربية.

أكاديمية 12 شهر تستخدم كستار لتقديم دعوات لشباب عرب ترشحهم منظمات موالية لتنظيم الإخوان داخل مصر

أما أكاديمية 12 شهر التركية، فهي مؤسسة غير حكومية تستخدم كستار لتقديم دعوات للشباب في بعض الدول العربية، ومنها مصر، حيث يتم اختيارهم بعناية شديدة وترشحهم منظمات وجمعيات موالية لتنظيم الإخوان داخل مصر.
ويتم التعامل مع المؤسسة، وفق مراقبين، من خلال منسق داخل الدولة المستهدفة، بإرسال استمارات الدعوة لزيارة تركيا والحصول على التأشيرة داخل مطار إسطنبول دون تكلفة عناء ذهابهم للسفارة التركية بالقاهرة، وتجرى الاتصالات التليفونية به قبل السفر من طرف واحد، ويتراوح عدد وفد الشباب في كل دورة بإسطنبول وأنقرة بين 30 و40 شاباً، وتبدأ الدورة الأولى لمدة أسبوع، وفي حالة إبداء الشباب قدرة على التفاعل في الدورة التدريبية يتم دعوتهم لدورة أخرى متقدمة لمدة أسبوعين على نفقة المؤسسة التركية للدورتين.

الهوامش:
________________________________________
[1]دينا عبدالعزيز، التنافس التركي الإيرانى تجاه الترويج لنموذجهما السياسي في المنطقة العربية، مجلة رؤيا التركية، صيف 2013
[2] أحمد داوود أوغلو، العمق اإاستراتيجي، السياسة التركية في إطار العلاقات مع العالم العربي، الحياة اللندنية 8/9/2010
[3] أكرم حجازى، العلاقات العربية التركية، أسئلة التاريخ والمصير، المنار ص29، عدد إبريل، 2011
[4] ربيع عبد الحافظ، تركيا في مهمة ثقافية صعبة، مجلة رؤية، عدد يناير 2012
[5] كمال كيرشجي، تأثير تركيا الواضح وتحول منطقة الشرق الأوسط، رؤية التركية، شتاء 2012
[6] المصدر السابق، ص81
[7] ترك برس

[9]سعد عبدالمجيد، مؤسسات المجتمع المدني في تركيا، عدد أكتوبر 2009
[10]http://www.ahram.org.eg/NewsQ/340639.aspx

الصفحة الرئيسية