هكذا شكل العام 1938 تحولاً في عمل الإخوان.. هذا ما حصل

الإخوان المسلمون

هكذا شكل العام 1938 تحولاً في عمل الإخوان.. هذا ما حصل

مشاهدة

10/09/2019

دخل الإخوان المسلمون في الحياة السياسية في مصر بشكل مفاجئ، فأفسدوا قيم العمل السياسي، بداية من رفض الأحزاب، تحت مزاعم أنّ الإسلام لا يقبل الحزبية، أو التقليل من شأن الدستور، ولأنّ أفكارهم ماتزال تعمل في المجتمع، وتغتال كلّ فرصة للوحدة الوطنية، وتقضي على أيّة بارقة أمل لنشر الوعي واستعادة الذات، ومايزال خطر الإخوان قائماً، فرض هذا واجب البحث لكشف الأسباب الغامضة التي كانت وراء تحولّهم من العمل الدعوي البحت إلى العمل السياسي، وكشف الشخصيات والهيئات التي كانت وراء هذا التحوّل.

اقرأ أيضاً: ما السر الغامض لعام 1938 والتحول في عمل جماعة الإخوان؟
لفهم طبيعة الجماعة؛ فإما أنّها أداة في أيدي الآخرين، وعندها يصبح الحديث عن برامج تعديل أفكارهم أو دراسات لتوقع خطوتهم المستقبلية عبثاً في عبث، ومن الأفضل للحكومات التي تواجه الإخوان التعامل مباشرة مع من يديرونهم، أو هي جماعة لها طبيعتها الخاصة لكنّها تخضع لنظريات العمل الجماعي، فيمكن التنبؤ بردود أفعالها ووضع خطة للتعامل معها، وفق تلك النظريات العملية، لذا علينا دراسة لحظة اشتباكهم مع عالم السياسة، الذي بدأ العام 1938، لكن علينا العودة إلى العام 1935، لما له من أهمية في تاريخ تلك الحقبة.


نحن الآن في شتاء العام 1935، تحديداً 13 تشرين الثاني (نوفمبر)، ذكرى عيد الجهاد، الموافق 16 شعبان 1354 هجرية، والأجواء ملتهبة في الشارع المصري، نظراً لفشل المفاوضات، وإيقاف العمل بالدستور، والصراع بين القوى الثلاث الرئيسة في مصر على أشدّه، وهي "السفارة البريطانية"، و"الملك بأحزابه"، و"الوفد"، صاحب الشعبية الطاغية.

اقرأ أيضاً: ماذا تعني المصالحة في الذهنية الإخوانية؟
في هذه الأجواء المعبأة والمحتقنة، صرّح صمويل هور، وزير الخارجية البريطاني؛ بأنّ "الحكومة البريطانية نصحت بعدم إعادة دستور 1923 أو دستور 1930؛ لأنّه ثبت عدم صلاحية الأول لمصر، والثاني يتعارض مع رغبات المصريين".

البنا صرّح بأنّ مهمَّته هي محاربة الأحزاب و "الوفد" كان المقصود لشعبيته الطاغية

هذا التصريح جرح مشاعر المصريين الوطنية، وكان طلبة الجامعة أول المعترضين على هذا التدخل السافر، فعقدوا اجتماعاً داخل حرم الجامعة في الجيزة، ودانوا فيه موقف بريطانيا، ثم خرجوا في مظاهرة سلمية كبيرة، فتصدّى لهم الأمن، طالباً تفريق المظاهرة، وعندما رفضوا أطلق عليهم النار فأصيب طالبان إصابة خطيرة وتعرض عدد آخر منهم لإصابات طفيفة.
فى اليوم التالي، خرج الطلاب في مظاهرة نحو القاهرة، ولكنّ الأمن كان قد حشد قواته لمنعهم من الزحف إلى وسط العاصمة، وبحسب ما ذكره د.رؤوف عباس وآخرون، في كتاب "جامعة القاهرة-100 عاماً من العطاء"؛ فإنّ قوات الأمن حاصرت نحو 300 طالب من المتظاهرين فوق "كوبري عباس"، فيما سيعرف بعد ذلك "بمذبحة كوبري عباس الأولى"، وأطلق عليهم النار، فقتل منهم طلبة كثيرين.
وعلى خلفية هذه الأحداث أصدر أحمد لطفي السيد، مدير الجامعة، قراراً بتعطيل الدراسة لمدة أسبوع، ثم تكررت المظاهرات، فقرّر إغلاقها أسبوعاً آخر، فازدادت المظاهرات اشتعالاً، فقرر إيقاف الدراسة إلى أجل غير مسمى، وذلك في 22 تشرين الثاني (نوفمبر) 1935، فعقد الطلبة مؤتمراً عامّاً لهم، يوم الأربعاء الموافق 27 تشرين الثاني (نوفمبر) الموافق الأول من رمضان، وكونوا "اللجنة العليا للطلبة".

اقرأ أيضاً: الإخوان وداعش ومناهج التعليم
ظهر الطلبة كقوة ثورية فعالة على الأرض، قادرة على تحريك المظاهرات وتغيير الرأي العام، وأصبحوا قاب قوسين أو أدنى من الانخراط في العمل السياسي، وإعادة تجربة الوفد من جديد، فقد أظهروا قدرة بالغة على توحيد الأحزاب، عندما طاف أعضاء "اللجنة العليا للطلبة" على زعماء الأحزاب السياسية ودعوهم لتكوين لجنة وطنية لإنقاذ البلاد والتمسّك بدستور 1923.


في الوقت الذي انشغل فيه الطلبة بالردّ على المحتل، كان حسن البنا في وادٍ آخر؛ إذ كان كلّ ما يشغله حشد الناس ليستمعوا إلى خطبته في دار الإخوان المسلمين! فقد كانوا وهم في مقرهم بالناصرية بالسيدة زينب مجهولين ذائبين في المجتمع، حاول البنا كثيراً تعريف المجتمع القاهري بجمعيته، بكلّ الطرق، لكنّه فشل، ولم يفلح في جذب أعداد له.

اقرأ أيضاً: يمنيون ينددون بأجندة "الإخوان": تحرير المحرر عبث
لك أن تتخيل أنّ أغلب الشعب يعتصره الألم ومنشغل بالوضع السياسي ومستجداته ومآلاته، ووحده حسن البنا وجماعته المغمورة، لا يبدون أيّ اهتمام! لا بالدستور ولا بالشهداء، حتى أنّنا لم نجد في مجلتهم "الإخوان المسلمون" أيّة إشارة لهذا الحادث، بالإدانة أو حتى بالمواساة.

عندما نظم "الوفد" مظاهرة هتف مؤيدوه فيها "الشعب مع الوفد" ردّ الإخوان بمظاهرة هتفوا فيها "الله مع الملك"

فبماذا كانوا مشغولين يا ترى؟ كانوا بعد الانتهاء من الصلاة في مسجد السيدة زينب في رمضان يخرجون في صفوف، يتقدّمهم المرشد حسن البنا، وهو ينشد أناشيد المولد النبوي، والإخوان يرددون وراءه بصوت جهوري، وكان الناس يلتفون حولهم، ويسيرون معهم، حتى إذا ما اقتربوا من المركز العام للإخوان المسلمين، لم يدخل معهم إلا القليل جداً، بحسب ما جاء في كتاب "الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ"، لمحمود عبد الحليم، الجزء الأول، ص 109، فإذا كان واقع الإخوان هكذا، فمن زجّ بهم في أتون العمل السياسي؟ ومن المستفيد من دخول الإخوان إلى عالم السياسية وهم ليسوا سياسيين أساساً؟
هل هم الإنجليز؟
ليس من المستبعد استخدام الإنجليز للإخوان، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، لكن لماذا يستخدمونهم؟ هل لأنّ العالم دخل العام 1936، وهو مشدود الأواصر بعد أن تعالت أصوات الفاشيين والنازيين، وهم يدفعون العالم إلى حرب عالمية ثانية؟ هل لأنّ مصر فيها مناصرون لهم؟ هل تحتاج بريطانيا إلى مواجهتهم بجماعات أخرى؟ ربما.

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون.. المُصالحة المتوهَّمة
لكنّ المؤكد أنّ إنجترا أدركت أنّها والعالم مقبلون على أزمة كبرى، ويحتاجون إلى تهدئة الأجواء المصرية بأقل الخسائر، فدخلوا في مفاوضات للاستقلال والجلاء، انتهت بمعاهدة 36 الشهيرة، والتي بموجبها حصلت مصر على استقلالها، وبموجبها أيضاً سيتم انتقال الجنود الإنجليز إلى منطقة القناة، وهذا انتصار للمفاوض المصري المتمثل في حزب الوفد، العدو التقليدي للإنجليز؛ فهل سيترك الإنجليز عدوّهم التقليدي يتمدّد ويتوغّل وينتصر؟!

اقرأ أيضاً: "الإخوان" والعمل السري: آخر العمليات الفاشلة للنظام الخاص
يقول الدكتور عبد العظيم رمضان، في كتابه "الصراع بين الوفد والعرش" ص 20: إنّ "الإنجليز كان يسعون إلى تشويه سمعة الوفد"، من المحتمل أن يوكل الإنجليز هذه المهمة لفصيل جديد في عالم السياسة، يسرق الأضواء من حزب الوفد، حتى لا يظهر كأنّه بطل، فتزداد شعبيته ويصعب التعامل معه، ويكون في نفس الوقت قادراً على تفتيت الصفّ الوطني بشعاراته، فهل فشل حزب "مصر الفتاة" في مهمته ضدّ الوفد؟ وخصوصاً بعد سلسلة مقالات أحمد حسين اللاذعة، التي جاءت بعنوان "برنامجنا السريع لإسقاط صاحب المقام الرفيع"، التي لم تحقق الهدف منها، بحسب قول د.علي شلبي، في كتاب "مصر الفتاة ودورها في الحياة السياسية" ص 100، فهل قام الإنجليز بدفع الإخوان للاشتباك في عالم السياسة لتشويه الوفد؟ ربما! لكنّ البنا صرّح بأنّ مهمَّته هي محاربة الأحزاب، والوفد هو المقصود لشعبيته الطاغية".

أم هو الملك والقصر؟
من المحتمل أن يكون الملك والقصر هما اللذان زجّا بالإخوان في عالم السياسة؛ ففي نيسان (أبريل) 1936؛ مات الملك أحمد فؤاد الأول، مات وهو أكثر ملوك أسرة محمد علي استبداداً بالمصريين وخضوعاً للإنجليز، مات مكروهاً من الشعب، وخلفه على العرش ابنه فاروق الأول، ملكاً تحت الوصاية.

اقرأ أيضاً: داعش والقاعدة والحوثي والإخوان.. رباعي التطرف المتربص باليمن
ومع الملك الجديد توقّع المصريون غداً مشرقاً، يتحررون فيه من استبداد القصر واحتلال الإنجليز، لهذا حاول علي ماهر باشا تقديم الملك الشاب كشخصية شعبية، فقدّمه لصلاة الجمعة في مساجد الإسكندرية والقاهرة، وحضوره المناسبات الرياضية المختلفة، والزيارة الملكية للوجه القبلي البعيدة عن المراسيم التقليدية الملكية لإرضاء الجماهير، رغم أنّ صحفاً كثيرة قامت بهذه المهمَّة، لكنّ تفاني الإخوان في نشر حكايات مؤثرة عن الملك الشاب المتديّن فاقت الجميع.

تفاني الإخوان في نشر حكايات مؤثرة عن الملك الشاب فاروق "المتديّن" فاقت الجميع

ففي كتاب "فاروق وسقوط الملكية في مصر"، ص 698، تقول لطيفة سالم: "منذ البداية تولّت جريدة الإخوان مهمة تعبئة الرأي العام، ولفت نظره إلى خطوات فاروق الدينية، تبيّن كيف ملك قلوب رعيته بغيرته على الدين، وتصف استقبال الجماهير له، وهو في طريقه إلى مسجد أبي العلاء لتأدية الصلاة ودعواتهم له وهتافاتهم بحياته، وتنقل بعض اللقاءات وتأتي بالقصص التي تنمّ عن أنّ هناك أبناء فاسدين قد استقاموا وعرفوا طريق المساجد وانصرفوا إليها، والسبب أنّهم اتخذوا من الملك الأسوة الحسنة، بالتالي عدّته المثل الأعلى لأمّته".

اقرأ أيضاً: العبء "الإخواني" على الرعاة
وأيضاً تذكر سالم: "يكتب حسن البنا تحت عنوان "حامي المصحف ليثبت المعنى وينشر الدعوة"، فيذكر أنّه أثناء رحلة فاروق للصعيد أخرج أحد المرافقين له فصّاً أثرياً، وقال إنّه الذي يجلب له الحظّ والخير، وأخرج مفتاحاً، وادّعى مثل هذه الدعوى، فما كان من فاروق إلا أن أخرج مصحفاً، وقال: إنّ "هذا هو مفتاح كلّ خير عندي، ويصل زعيم الإخوان إلى أنّه إذا كان قد ضمّ القرآن إلى قلبه، ومزج به روحه؛ فإنّه لا يخدم نفسه في الدنيا والآخرة فحسب، لكنّه بذلك يضمن لمصر حسن التوجيه ويحول بينها وبين العناد ويقيّمها على أفضل المناهج، ويسلك بها أقرب الطرق إلى كلّ خير، وهو في الوقت نفسه يضمن ولاء أربعمئة مليون من المسلمين في آفاق الأرض، تشرئب أعناقهم وتهفو أرواحهم إلى الملك الفاضل الذي يبايعهم على أن يكون حامي المصحف فيبايعونه على أن يموتوا بين يديه جنوداً للمصحف، وأكبر الظنّ أنّ الأمنية الفاضلة ستصير حقيقة ماثلة، وأنّ الله قد اختار لهذه الهداية العامة الفاروق، فعلى بركة الله يا جلالة الملك، ومن ورائك أخلص جنودك".

الإخوان المسلمون في مجلتهم لم يذكروا مذبحة الطلبة العام 1935 بالإدانة أو حتى بالمواساة
والعام 1937، بعد رفع الوصاية عن الملك، نشبت معركة بين الوفد والقصر على طريقة تنصيب الملك دستورياً؛ انحاز الشعب للنحاس والوفد، وانحاز الإخوان للملك، يرصد هذا الانحياز محمد عودة في كتابه "كيف سقطت الملكية في مصر" ص 224: "فعندما نظم الوفد مظاهرة هتف مؤيدوه فيها (الشعب مع الوفد)، (النحاس زعيم الأمة) ردّ الإخوان بمظاهرة هتفوا فيها: (الله مع الملك)، واحتشدوا في قصر عابدين"، وزيادة في الولاء للملك أقاموا مؤتمرهم السنوي الرابع يوم الجلوس على العرش، العام 1937، ودام الاحتفال طوال اليوم، وفي الليل تجمّع الإخوان حول القصر وأعلنوا البيعة للملك، وظهرت فرق الجوالة".

اقرأ أيضاً: عدن.. الأبعد عن مكائد "الإخوان"
وفي بداية العام 1938، أقال الملك فاروق وزارة الأغلبية (الوفد)، وأصبح يهيمن على مقاليد الحكم عبر حكومة محمد محمود باشا، التي ضمّت أقطاب الأقلية! وفي العام نفسه؛ عقد الإخوان مؤتمراً للطلاب، وفي هذا المؤتمر صرح حسن البنا بمطالبته بإلغاء الأحزاب، بقوله: "أيّها الإخوان؛ لقد آن الأوان لأن ترتفع الأصوات بالقضاء على نظام الحزبية في مصر، وأن يستبدل به نظام تجتمع به الكلمة، وتتوحّد به جهود الأمة حول منهاج إسلامي صالح تتوافر على وضعه وإنفاذه القوى والجهود".

اقرأ أيضاً: مبادرة مسجوني الإخوان.. ما الذي يكشفه الجدل حولها؟
فهل كان نزول البنا والإخوان لعالم السياسة من باب النضال لمحاربة الاستعمار، أو الدعوة لإقرار دستور للبلاد، أم كان انحيازاً للقصر ومحاربة الوفد، وقضاءً على الحياة النيابية والحزبية في مصر؟!
دخول الإخوان في عالم السياسة بطريقتهم، سمح لهم بالانتقال من مقرّ فقير في السيدة زينب، إلى مقرّ أكثر رحابة في العتبة، وبعد أن كانوا لا يملكون إلا خمسين شعبة في مصر، العام 1933، صار للإخوان أكثر من 300 شعبة كاملة في مصر العام 1938!

الصفحة الرئيسية