قضايا الحسبة في مصر: أئمة التكفير يعتقلون العقل النقدي

التكفير

قضايا الحسبة في مصر: أئمة التكفير يعتقلون العقل النقدي

مشاهدة

29/08/2018

تعيد القضية التي اتهم فيها المدون المصري شريف جابر، بازدراء الأديان، من قبل محام ينتمي إلى حزب النور السلفي، في مصر، أزمة قضايا الحسبة التي تصدى لها عدد من الشيوخ والمحامين المحسوبين على التيار الإسلامي، بينما وقع ضحيتها أدباء ومفكرون تعرضوا بسببها للسجن والنفي، تارة، والتفريق بينهم وبين زوجاتهم، تارة أخرى، ناهيك عن التشنيع ضدهم وقمع آرائهم والتشكيك في إيمانهم ومعتقداتهم.

يقود فصول البطش بالإبداع كثيرون من بينهم الشيخ البدري الذي اتهم نصر حامد أبو زيد بالارتداد عن الإسلام

وفي نيابة وسط القاهرة، قدم المحامي، في حزب النور، الهيثم هاشم سعد، المستندات التي تثبت "إلحاد" شريف جابر، كما يزعم، والتي شملت مجموعة من الفيديوهات والمقالات المنسوبة إلى المتهم، وتؤكد "تطاوله على الذات الإلهية، والسخرية من الدين الإسلامي"، الذي يجرّمه الدستور والقانون.
المحامي أوضح، خلال التحقيقات، أنّ شريف جابر "يجاهر بسبّه الدين الإسلامي، وتطاوله على الله، عز وجل، وأنه يتعمد الإساءة إلى الدين، بدعوى الحرية والتعبير عن الرأي".
حالة من حصار العقل، وتغلغل الخوف والاستبداد، تصنعها قضايا "الحسبة"، التي يرفعها بعض الشيوخ والمحامين الإسلاميين، ضد الأدباء والمفكرين والفنانين؛ حيث تتحول الأعمال الفنية والإبداعية، رهينة لمواد القانون، ومعاييره الصلبة والجامدة، ما يؤدي إلى قطيعة مع الإبداع، وتصفية عناصره الجمالية الفنية، كما يرى معارضو هذا الاتجاه.

اقرأ أيضاً: 10 شخصيات عربية وإسلامية تمّ تكفيرها..هل تعرفها؟
ويرى هؤلاء بأنه يفترض أن يتوجه النقد وخيال القارئ إلى العمل الإبداعي، بالجدل والتحليل، وليس الإدانة والتربص، لكن ما يحدث هو العكس، في ظل ظهور أجيال جديدة، من "المحتسبين"، حيث يضحى مصير الفرد، هو الوقوع في مصيدة التشكيك في إيمانه، وشق صدره في ساحات محاكم التفتيش المعاصرة، تستنطق ضميره، وتتعسف ضد أقواله وآرائه واجتهاداته.

الشيخ يوسف البدري

يعد نظام الحسبة أحد أشكال الوصاية على المجتمع، الذي يؤدي للجمود وتنامي ظواهر التطرف، لطالما سعى إلى مصادرة حرية أفراده، والمبدعين، للتعبير عن ذواتهم، بدون قيود، وخلق عوالم بديلة وممكنة، وتصورات جديدة وغنية عن الحياة، ذلك الأمر، الذي بمقدوره وحده، أن يساهم في رفع حدة التوتر والعنف، أمام قدرة الخيال الفذ، الذي يشحذ سبل المقاومة والاستمرار والتجديد.
شيوخ الحسبة
الداعية الإسلامي يوسف البدري (1938-2014)، يعد أحد الأئمة الذين ينتمون لما يمكن تسميته بـ "شيوخ الحسبة" في مصر؛ فهو صاحب العديد من دعاوى ازدراء الأديان، وتكفير المبدعين، في السينما والأدب والفكر، كما لم يستثن من قائمته المسؤولين في الدولة؛ حيث يملك في رصيده، أكبر عدد من الدعاوى القضائية التي اتهم فيها أصحابَها بالردة.
فصول البطش بالإبداع متعددة، ويقودها كثيرون، من بينهم الشيخ "البدري"، الذي سبق أن اتهم المفكر والأكاديمي، نصر حامد أبو زيد، بالارتداد عن الإسلام، وقدم دعوى يطالب بتفريقه عن زوجته، الدكتورة ابتهال يونس، أستاذة الأدب الفرنسي، بجامعة القاهرة، والتي هاجرت مع زوجها بعد صدور حكم قضائي بتفريقهما.

اقرأ أيضاً: خالد منتصر ملاحق قضائياً بسبب رفضه تكفير الأقباط
وبدأت الأزمة بعد تقديم أبو زيد أبحاثه بعنوان "نقد الخطاب الديني"، للحصول على درجة الأستاذية، في العام 1995، فتكونت لجنة من أساتذة جامعة القاهرة؛ من أبرزهم، الدكتور عبدالصبور شاهين، الذي اتهم في تقريره أبو زيد بالكفر، وقدم تقريراً يكيل فيه الاتهامات لصاحب: "مفهوم النص"، زعم فيه "العداوة الشديدة لنصوص القرآن والسنة والدعوة لرفضهما، والهجوم على الصحابة، وإنكار المصدر الإلهي للقرآن الكريم، والدفاع عن الماركسية والعلمانية وعن سلمان رشدي".
وتسبب التقرير في إثارة معركة فكرية واسعة، بين أنصار أبوزيد من جانب، وبين مؤيدي تقرير شاهين، من جانب آخر؛ حيث طالبته لجنة مكونة من عشرين عالماً، من الأزهر بإعلان التوبة عن بعض الأفكار التي وردت في كتابه: "مفهوم النص" لأنها مخالفة لأحكام الدين الإسلامي.

نصر حامد أبو زيد

محكمة تفتيش "معاصرة"
وفي ساحة المحكمة، طالبت الهيئة القضائية أبو زيد بالنطق بالشهادتين، وهو ما رفضه حتى لا يكرس للاستبداد باسم الدين، ومنح الشرعية للوصاية على العقل والضمير الإنساني، واستنساخ صورة بشعة وسوداوية، من تاريخ العصور الوسطى، و"محاكم التفتيش"، التي عمدت إلى التنكيل بالعلماء والأدباء، لكنه، لم يتوان عن ترديد الشهادتين في بداية أول محاضرة له في منفاه بهولندا بجامعة ليدن، عندما رفعت تلك الوصاية الرمزية عليه، وبات حراً، لا يهيمن عليه شخص أو جهة.

بسبب صدور مجموعته القصصية "أين الله" سجن الكاتب كرم صابر إبراهيم بعد إدانته من قبل الأزهر والكنيسة المصرية

تكرر الأمر ذاته، مع مجلة "إبداع"، وهي من الدوريات الثقافية التي تصدر بالقاهرة، عن وزارة الثقافة المصرية، عندما نشر الشاعر المصري حلمي سالم، قصيدته الشهيرة: "من شرفة ليلى مراد"، واتهم بالإساءة إلى الذات الإلهية؛ ورفع البدري دعوى قضائية ضد رئيس تحرير المجلة، حينذاك.
لكن، البدري نفسه، رفع دعوى قضائية، على الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي، بعد نشر مقال كتبه في العام 2003، اتهمه فيه بـ "التطرف ومعاداة الفكر والثقافة والإبداع"، فحكمت المحكمة لصالح البدري بعشرين ألف جنيه غرامة، ورفض الشاعر المصري، دفعها، ومن ثم، قضت المحكمة ببيع أثاث بيته بالمزاد العلني، لسداد مبلغ التعويض، الذي حكم به القضاء للشيخ.

التكفير يضرب مجدداً

وفي عام 2009، كانت نذر معركة جديدة يشنها، بضراوة، الشيخ يوسف البدري، ضد وزير الثقافة الأسبق فاروق حسني، والأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة، الناقد الأدبي الدكتور جابر عصفور، يتهمهما بإهدار المال العام، بسبب منح جائزة الدولة التقديرية، في العلوم الاجتماعية، إلى المفكريْن؛ حسن حنفي وسيد القمني؛ لأنهما في رأيه "يسيئان إلى الذات الإلهية وإلى الإسلام معاً".
حمل سوط الكراهية، كثيرون، غير الشيخ يوسف البدري، ممن جاؤوا بعده، إلا أنه يتميز عنهم بأنّ سجله طويل، ومعاركه ممتدة وشاقة، ووقع ضحيتها العشرات ممن تحملوا تبعاتها الاجتماعية والنفسية؛ تمثلت في تشويه سمعتهم، وسجنهم، ناهيك عمن اضطروا إلى السفر واللجوء، بغية النجاة والحصول على أمانهم الشخصي، خارج أوطانهم، بعد أن بلغت الأمور، حدودها القصوى والمنفلتة، من خلال تنفيذ حوادث القتل والاغتيال، في أحيان كثيرة، كما حدث مع فرج فودة ونجيب محفوظ في تسعينيات القرن الماضي.

حلمي سالم

في غضون ذلك، قدم الإعلامي إبراهيم عيسى في برنامجه "مدرسة المشاغبين"، عدة آراء مخالفة للسائد في أمور الدين والتراث؛ مثل، عذاب القبر، باعتباره من الأمور التي لا تملك أسانيد وأدلة، ومن ثم نفى صحتها؛ واعتبرها تشوه صحيح الدين، وتعمد إلى إكراه الناس وتخويفهم، وهو ما حرض المحامي، نبيه الوحش، بتقديم بلاغ للنائب العام، يطالب من خلاله بالتفريق بين إبراهيم عيسى وزوجته، لما سماه ارتداده عن الإسلام.
وفي بلاغه، وصف الوحش، الإعلامي المصري بأنه: "ظهر في إحدى القنوات الفضائية في رمضان، وسبّ الرسول، عليه السلام، وأنكر فرضية الحجاب، والمعلوم من الدين، الأمر الذي بدوره يخرجه من الدين الإسلامي".
أما الكاتبة والروائية المصرية، نوال السعدواي، فطاولتها العديد من قضايا الحسبة، عقب تصريحاتها الصحفية، أو بسبب صدور رواية لها، لتثير الجدل، وينتفض ضدها، العديد من أئمة التكفير، والمحامين المحسوبين على التيار الإسلامي، الذين يتطوعون برفع قضايا الحسبة، لاعتقادهم أنّ ذلك "جهاد في سبيل الله".

اقرأ أيضاً: حوار متخيّل مع المودودي.. ملهم الجماعات التكفيرية
ففي جولة جديدة مع المحامي، نبيه الوحش، كانت ضحيتها نوال السعدواي عام 2001، بسبب تصريح للكاتبة، في جريدة مصرية، إذ جرى اتهامها بازدراء الأديان والكفر، لتعرضها لثوابت الدين، في عدة قضايا؛ مثل الحجاب، ومن ثم، طالب بتفريقها عن زوجها، الدكتور شريف حتاتة، إلا أنّ السعدواي، فسرت حديثها، بأنه، فقط، عمد إلى تقديم الزاوية التاريخية للفرائض، لكنها، لم تنكر فريضة الحج، أو غيرها. ورفضت المحكمة الدعوى بالحكم.
وفي عام 2014، أيدت محكمة "ببا"، في مصر، سجن الكاتب كرم صابر إبراهيم، عضو اتحاد الكتاب، خمس سنوات، بتهمة "ازدراء الأديان"، بعد صدور مجموعته القصصية "أين الله"، وصنفت ما جاء فيها، بأنه "عيب في الذات الإلهية".
بيد أن الاستثنائي في مشهد محاكمة صابر، هو استناد المحكمة إلى شهادة من الأزهر، حيث احتشد شيوخه ضد الإبداع، وأدانوا الكاتب، وانضمت معهم الكنيسة المصرية، ممثلة في مطرانية بني سويف، وقدمت هي الأخرى تقريراً لإدانة المؤلف.

الصفحة الرئيسية