شيخ العرب همّام والأقباط.. هكذا ترسخت دولة المواطنة في الصعيد المصري

مصر

شيخ العرب همّام والأقباط.. هكذا ترسخت دولة المواطنة في الصعيد المصري

مشاهدة

02/04/2019

تمتعت قبيلة الهوارة في جنوب مصر، بثروات زراعية ممتدة عبر أراضي مصر العليا، استطاعت من خلالها اعتلاء عرش الصعيد، الأمر الذي ارتضاه المجتمع الجنوبي آنذاك، بعقد اجتماعي كفل للجميع حقوقهم، واشتهرت دولة شيخ العرب همام (1709 - 1769)، آخر ممالك الصعيد، بالرخاء والاستقرار، وتحقق السلم الاجتماعي بين المسلمين والأقباط، الذي عزّ نظيره في عقود لاحقة.

كتاب "صعيد مصر قبل الحملة الفرنسية"، للباحث المصري، نبيل السيد الطوخي

العقد الاجتماعي لصعيد مصر

في كتابه "صعيد مصر قبل الحملة الفرنسية"، يوضح الباحث المصري، نبيل السيد الطوخي، أنّ مدينة قنا احتلت مركزاً تجارياً ذا قيمة فريدة، في قلب ما عرف قديماً بـ"الاقتصاد العالمي للمحيط الهندي"، كأكبر مركز لتصدير الحاصلات الزراعية، من السكر والقطن والقمح والغلال، الذي باعته إلى الشماليين، إضافة إلى تطور صناعة النسيج اليدوي الذي قدمته كأهمّ منتجاتها لدول شرق إفريقيا، وعن طريق تراكم الثروة الذي حققته قبيلة الهوارة، استطاعت الظفر بحكم الصعيد، في عصر المماليك، الذين منحوا الهوارة المزيد من الأراضي والموارد نظير أن ترسل المؤن من السكر والغلال إلى خزائن الخليفة في إسطنبول، وبهذا تمكّن الهوارة من حكم الصعيد، واتخذوا من فرشوط مقراً لهم، وبموجب عقد اجتماعي نشأ بين قادة الهوارة ومجتمع الصعيد، ينطوي على حماية الهوارة لأهل الصعيد، في مقابل الضرائب التي تجمَع وترسَل إلى الباب العالي، وعن طريق تصنيع قصب السكر استطاعت الهوارة جني المزيد من الأرباح عن طريق توريده إلى أوروبا، وإلى دول الشرق الأوسط.

عرفت دولة شيخ العرب همّام آخر ممالك الصعيد بالرخاء والاستقرار وتحقق السلم الاجتماعي بين المسلمين والأقباط

تضمّن البند الثاني في العقد الاجتماعي بين أهل الصعيد والهوارة، ما يخصّ أقباط الجنوب، الذين مثلوا وقتها أغلب أقباط مصر، وكان الأقباط منذ قدوم الفتح الإسلامي إلى مصر، يشتغلون بأمور المحاسبة، والدواوين وتنظيم الدفاتر، وهو ما لم تجرؤ الهوارة على المساس به، فأسندوا إليهم الأعمال المنوطة بهم منذ قرون، وبهذا فقد ضمنت الهوارة ولاء الأقباط، ثم اتجهت إلى القبائل الجائلة في الصحراء لترسيخ آخر بنود عقدها الاجتماعي معهم، لضمان استقرار نظامها السياسي، وكذلك للذود عن السكان المحليين من غاراتهم المباغتة، ومثّلت رأس القبائل في هذه الفترة قبيلة العبابدة، التي يعود نسب أبنائها إلى أرض الحجاز، وقد اشتهروا بأعمال السلب والنهب وغاراتهم المباغتة على الأسواق، إلّا أنّ الطوخي، مستنداً إلى شهادات الرحالة الأوروبيين في ذلك الوقت، أكّد أنّ غاراتهم لم تكن سوى ردة فعل على استغلال المماليك لثرواتهم، وللحد من تلك الفوضى؛ أبرم الهوارة اتفاقيات سلام معهم، تكفّل العبابدة بموجبها بحماية الأراضي الزراعية؛ بل وحماية قرى بعينها من غارات القبائل العربية الأخرى، وطرق التجارة المدنية إلى ميناء القصير.

صورة لمنزل شيخ العرب همّام

دولة شيخ العرب همّام
في نهايات القرن السابع عشر؛ وبعد أن تمكّن الهوارة من حكم الصعيد، وتحقيق فائض من الثروات، بدؤوا في تأخير الضرائب عن القاهرة وإسطنبول تدريجياً، حتى امتنعوا عنها، الأمر الذي آذن بحروب ضارية بين الشمال والجنوب، كادت على أثرها أن تنهار الدولة المصرية برمتها، رصد تلك الملحمة كتاب "دور الصعيد في مصر العثمانية"، للمؤرخ المصري صلاح أحمد هريدي، الذي رأى أنّها كانت حرب هيمنة من العثمانيين على أراضي الجنوب، التي وجدوها عصيّة النهب على خزائنهم، ولم تنتهِ تلك الحرب إلّا بعد أن تفشى الطاعون في البلاد، وحصد قرى بأكملها، وعزّت السلع الغذائية، واشتد الفقر والعوز، ما جعل المهادنة تحل مرة أخرى على الأرض، حتى قامت في بدايات القرن الثامن عشر جمهورية شيخ العرب همام، محاولة درء المفاسد التي جلبتها الحرب على المدنيين.

تمتعت قبيلة الهوارة جنوب مصر بثروات زراعية ممتدة عبر أراضي مصر العليا مكنتها من اعتلاء عرش الصعيد

وفي رسالتها للدكتوراه، التي حملت عنوان "الصعيد في عهد شيخ العرب همّام"، قدّمت أستاذ التاريخ المعاصر بجامعة الأزهر، الدكتورة ليلى عبد اللطيف، شرحاً تفصيلياً لحال الصعيد في عهد شيخ العرب همّام، الذي تمتّع الصعيد فيه بحكم مثالي في نظر أهل زمانه، الذين ظلوا يتباكون بعد سقوطه لعقود تالية.
وفي كتابه "الترحال لاكتشاف منابع النيل"، يروي الرحّالة الإنجليزي، جيمس بروس؛ أنّه التقى شخصياً بشيخ العرب همام في منتصف القرن الثامن عشر، وكان في مستهل الستينيات من حياته؛ حيث رصد بروس حجم الإمبراطورية التي استطاع همام بناءها، بعد استحواذه على الحيازات الزراعية من جرجا إلى فرشوط، حتى صارت الأملاك الزراعية حقاً له بالانتفاع مدى الحياة، وتورَّث لأبنائه من بعده، وقد ذكر المفكر المصري، رفاعة الطهطاوي، دولة همّام بنموذج الجمهورية الالتزامية الذي رآه في فرنسا، فيما وصفه الجبرتي، في "عجائب الآثار في التراجم والأخبار"، بأنّه عظيم بلاد الصعيد، وأنّه استطاع بحنكة سياسية نادرة عزّ مثيلها في زمانه، أن يوحّد أراضي الجنوب التي كادت أن تُسقطها المملكة الشمالية، وقد وصل نفوذ همّام مستوى رفيعاً، جعل كلمته نافذة لدى الباب العالي، وكانت خصاله الحميدة أبرز ما طرحه الجبرتي في كتابه؛ حيث مثّل عقده الاجتماعي مرحلة المهادنة والسلام بين الأعراق المتباينة في صعيد مصر.

 قلعة شيخ العرب همام

العصر الذهبي لأقباط الصعيد
مع اتساع رقعة الأملاك الزراعية للأمير همّام، كان عليه أن يُسند دفاتر أمواله إلى أهل الخبرة من الأقباط، وهي خطوة ذات توجهين؛ ترسيخ مبدأ المواطنة وإسناد الأمر إلى أهله، وبالتالي ضمان استقرار اجتماعي بين قطبي المجتمع المسلم والمسيحي، وقد أديرت أموال همّام بواسطة مجموعة من كبار القبط، يطلق عليهم "المعلمون"، أشهرهم: بولص بن منقريوس، وقد التزم هؤلاء المعلمون، بإدارة الدفاتر والإنابة عن همّام بتسديد العوائد، وحساب الضرائب.

في نهايات القرن السابع عشر بدأ الهوارة في تأخير الضرائب عن القاهرة وإسطنبول تدريجياً حتى امتنعوا عنها

أصبح همّام في بداية حكمه بصدد عقد اجتماعي جديد مع العديد من فئات المجتمع، التي عزم على شمولها في عقده، لضمان استقرار نظامه السياسي، على رأسهم كان القبط الذين شكلوا عصب الدولة من إدارة الموارد الاقتصادية، وبذلك ضمن ولاءهم، ووفّر لهم عامل المواطنة الذي سيندمجون لأجله في المجتمع، كما شمل عقده الفلاحين والمزارعين البسطاء، ليضمن الإنتاج الزراعي المنتظم، والرحّالة الذين ينقلون البضائع، والقبائل الرحّالة الذين يهددون نظام الدولة، ويذكر الجبرتي أنّ علماء الحملة الفرنسية الذين توافدوا بعد عقود من رحيل همّام، سمعوا من أقباط قنا ذكرياتهم الطيبة في عهد همام، وتمنوا عودتها.
أسند همّام قوانين المعاملات التجارية إلى الفقه الإسلامي، واحترم سلطة المحاكم الشرعية، وامتثل لقواعدها، أما معاملات الأحوال الشخصية لدى القبط، فقد خضعت للشريعة المسيحية، وقد حرص همّام على إدماج كل طوائف المجتمع في العملية الإنتاجية؛ ففي عصره انقلبت المعادلة السياسية، وأصبحت المراكز هي التي تعتمد على الأطراف الرأسمالية المنتجة، وهو ما جذّر نفوذ شيخ العرب همّام، وأصبح ذا سلطة على حكام الشمال.

اقرأ أيضاً: كيف عملت موسيقى شادي رباب على إنعاش صعيد مصر؟
وقد أوضح الباحث في تاريخ القبائل العربية في مصر، عبد العزيز الفضالي، لـ"حفريات" أنّه "نتيجةً لما تمتع به همّام من حنكة سياسية، فقد قرّب إليه أبناء الأقباط، نتيجة لبراعتهم في أمور الطبّ والحساب، وبذلك فقد حملوا عملية بناء الدولة على كواهلهم، وكان يمضي الثلث الأخير من الليل يجالس الحسبة في دواوينه، ويملي عليهم الكتابات المرسلة إلى القاهرة، وحرص همّام أشدّ الحرص على التآخي مع القبط، وكذلك الطوائف المهمشة، ومنحهم كافة حقوقهم، للقضاء على القلاقل السياسية والاجتماعية التي ستضرّ بالدولة إذا ما وصلت إلى القاهرة"، كان هذا ما أوضحته كتابات علماء الحملة الفرنسية الذين استشهدوا بـ"جمهورية همّام" الملتزمة تجاه رعاياها.

الصفحة الرئيسية