
مرة أخرى ينبعث الجدل في فرنسا بخصوص توغل جماعة الإخوان في مؤسسات المجتمع المدني، وقدرتها على التخفي والعمل بنشاط من خلال وسائط مرنة وبعيداً عن الأنماط الحركية المباشرة، إذ إنّ الساحة القضائية الفرنسية تشهد تطوراً لافتاً مع تصاعد التحقيقات التي تقودها النيابة الوطنية لمكافحة الإرهاب بشأن أنشطة جمعيتي "هيوماني تير" و"سوتيان هيوماني تير"، في ملف يكشف عن توظيف الإسلاموية العمل الإغاثي والإنساني لصالح تمويل كيانات إرهابية.
وبحسب منصة (سي نيوز) الفرنسية، تتواصل في فرنسا تحقيقات قضائية حساسة تستهدف خمسة أشخاص مرتبطين بجمعيتي "هيوماني تير" و"سوتيان هيوماني تير"، على خلفية شبهات تتعلق بتحويل أموال جُمعت تحت غطاء العمل الإنساني إلى حركة حماس المصنفة تنظيماً إرهابياً في الاتحاد الأوروبي.
ملف قيد التحقيق
بحسب ما أعلنته النيابة الوطنية الفرنسية لمكافحة الإرهاب، فقد وُضع الأشخاص الخمسة المتهمين قيد التحقيق الرسمي، وأُخضعوا لإجراءات رقابة قضائية، بعد توجيه اتهامات تشمل تمويل عمل إرهابي، وخيانة الأمانة ضمن جماعة منظمة، وغسل أموال تم الحصول عليها من جنحة مرتبطة بتمويل الإرهاب. وتعود بداية الملف إلى تشرين الثاني/نوفمبر 2023، حين فُتح تحقيق أولي أُسند إلى أجهزة متخصصة في مكافحة الإرهاب والجرائم المالية. وفي كانون الثاني/يناير 2024 نفذت السلطات أولى عمليات التفتيش في مقار الجمعيتين ومنازل مسؤولين حاليين وسابقين، قبل أن تتوسع التحقيقات لاحقاً استناداً إلى تحليل بيانات رقمية ووثائق محاسبية تمت مصادرتها.
وشملت الإجراءات القضائية حجز أصول مالية ضخمة قُدرت بنحو (40) مليون يورو، موزعة بين حسابات مصرفية وشيكات ومبالغ نقدية، بالإضافة إلى مصادرة عقارات. وتُعدّ هذه الأرقام من بين الأكبر في قضايا الاشتباه بتمويل الإرهاب عبر قنوات جمعياتية في فرنسا خلال السنوات الأخيرة.
تُعرّف الجمعيتان نفسيهما كهيئتين تعملان على دعم الفلسطينيين في مخيمات اللاجئين بالضفة الغربية وقطاع غزة ولبنان. غير أنّ التحقيقات الجارية ترجّح وفق ما أعلنته النيابة الوطنية لمكافحة الإرهاب في فرنسا وجود مسارات مالية يُشتبه في توجيهها إلى هياكل مرتبطة بحركة حماس، وهو ما ينفيه المتهمون الخمسة بشكل غير مباشر عبر التأكيد على الطابع الإنساني البحت لأنشطتهم، حيث إنّ القانون الفرنسي يحظر أيّ دعم مادي أو لوجستي لكيانات مدرجة على قوائم الإرهاب، حتى وإن تم عبر أنشطة تبدو في ظاهرها ذات طابع اجتماعي أو إغاثي، وذلك بناء على لوائح الاتحاد الأوروبي.
تعاود القضية الأخيرة الإلحاح على مسألة تعقب النشاط المالي للإخوان وقوى الإسلام السياسي، فضلاً عن الثغرات القانونية والسياسية التي تمكنهم من ممارسة التحايل والتخفي لإدارة أموال مشبوهة وفي أعمال وأنشطة إرهابية. وفي نهاية العام الماضي كشفت مجموعة المحافظين والإصلاحيين، وهي كتلة نيابية في البرلمان الأوروبي من يمين الوسط، عن تقرير بعنوان "كشف الإخوان المسلمين: الإخوانية، الإسلاموفوبيا والاتحاد الأوروبي"، حيث أوضح أنّ الاتحاد الأوروبي يتيح للجهات المرتبطة بالجماعة "التحايل على النظام" بهدف "الحصول على التمويل".
وأشار التقرير إلى أنّ مؤسسات تابعة للاتحاد الأوروبي، إلى جانب حكومات وطنية وسلطات إقليمية في عدد من الدول الأعضاء، قدمت على مدى سنوات تمويلات لمنظمات يربطها بخلفيات أو شبكات قريبة من جماعة الإخوان المسلمين، وذلك غالباً تحت عناوين تتصل بـ "الإدماج الاجتماعي"، و"مكافحة التمييز"، و"تمكين الشباب".
شبكة معقدة
وصف التقرير الجماعة بأنّها "شبكة من جماعات شبه مستقلة"، تستفيد بحسب تعبيره من "محدودية إلمام بعض مسؤولي الاتحاد الأوروبي بطبيعة هذه الإيديولوجيا الدينية الشمولية". واعتبر أنّ هذه الشبكات تعتمد ما سمّاه "لعبة دومينو ذكية"، تقوم على توظيف الشرعية التي تكتسبها في دولة عضو للحصول على مصداقية إضافية في دولة أخرى أو على المستوى الأوروبي، ثم استخدام هذا الرصيد المؤسسي لاستقطاب مزيد من التمويل والجهات المانحة.
وسلّط التقرير الضوء على ما اعتبره "حالات فاضحة" في مسار التمويل الأوروبي، من بينها منح بلغت نحو 23 مليون يورو بين عامي 2007 و2020 لصالح الشبكة الأوروبية لمناهضة العنصرية، وهي منظمة غير حكومية تنشط في مكافحة التمييز. وذكر التقرير أنّ من بين من قادوا هذه الشبكة سابقاً ميشال بريفو، الذي قدّم بوصفه "عضواً سابقاً في جماعة الإخوان" قبل أن يعلن لاحقاً تخليه عن أيّ انتماء إليها.
وأشار التقرير إلى أنّ الاتحاد الأوروبي للمسلمين، وهو كيان يتخذ من فرنسا مقراً له، حصل على أكثر من مليون يورو لتمويل ما يزيد على 16 مشروعاً ضمن برنامج "إيراسموس+ الأوروبي". وذكر أنّ المنظمة أسسها الألماني الذي اعتنق الإسلام أندرياس أبو بكر ريغر، مشيراً إلى تصريحات سابقة أثارت جدلاً واسعاً. وتأتي هذه المعطيات في سياق نقاش أوروبي متجدد حول آليات منح التمويل العام للمنظمات غير الحكومية، ومدى كفاية أدوات التدقيق في خلفياتها الإيديولوجية والارتباطات العابرة للحدود. إلا أنّ مسؤولين أوروبيين في مناسبات سابقة أكدوا أنّ برامج التمويل تخضع لإجراءات رقابية وإدارية، وأنّ المنح تُمنح على أساس استيفاء المعايير القانونية والفنية، لا على أساس الانتماءات الفكرية أو الدينية.
تشديد الرقابة
هذه التطورات التي تجري في فرنسا وضمن سياق أوسع في دول التكتل تكشف عن رغبة قصوى لتشديد الرقابة على تدفقات الأموال العابرة للحدود، لا سيّما تلك المرتبطة بشبهات دعم الإسلاموية والمنظمات الإرهابية وفي مناطق نزاع. كما تعكس حساسية متزايدة لدى السلطات الفرنسية تجاه أيّ شبهات بتمويل كيانات مصنفة إرهابية، في ظل بيئة أمنية ما تزال متأثرة بتهديدات التطرف والانعزالية.
في حديثه لـ (حفريات) يقول الكاتب والمحلل السياسي المقيم في فرنسا شيار خليل: إنّه في شباط/فبراير 2026 وُضع خمسة أشخاص من المرتبطين بالجمعيتين قيد التحقيق الرسمي، مع إخضاعهم لإجراءات رقابة قضائية، على خلفية اتهامات تشمل تمويل منظمة إرهابية، وغسل أموال ضمن جماعة منظمة، وخيانة الأمانة، موضحاً أنّ المعطيات القضائية المعلنة تشير إلى أنّ التحقيقات انطلقت أواخر عام 2023، قبل أن تتوسع لتشمل مداهمات متزامنة في عدة مدن، من بينها باريس وليون وليل ومرسيليا.
وتابع: "صادرت السلطات الفرنسية أصولاً مالية تُقدّر بنحو (40) مليون يورو، موزعة بين حسابات مصرفية ومبالغ نقدية. وتُعدّ هذه الأرقام من بين الأكبر في قضايا التمويل المرتبطة بملفات الإرهاب خلال السنوات الأخيرة في فرنسا". ويلفت إلى أنّ الاشتباه الرئيسي يرتكز على فرضية تحويل أموال جُمعت في إطار أنشطة إنسانية إلى حركة حماس، غير أنّ القضية تعكس مخاوف باريس المتجددة إزاء وجود "اختراق مؤسساتي" لشبكات الإسلام السياسي داخل المجتمع المدني، والتداعيات الأمنية والإيدولوجية على المجتمع الفرنسي وقيم "الجمهورية". ومن بين الأسماء المتداولة في التحقيق مسؤول سابق في "لجنة الإغاثة ومساعدة الفلسطينيين"، بالإضافة إلى شخصية بارزة منبثقة عن "الاتحاد السابق للمنظمات الإسلامية في فرنسا"، الذي كان يُنظر إليه لسنوات باعتباره واجهة تنظيمية قريبة من جماعة الإخوان في البلاد.
وتعيد هذه القضية إلى الواجهة مسألة الحضور التنظيمي لجماعة الإخوان في أوروبا، حيث اعتمدت تاريخياً على شبكات ومؤسسات مدنية تعمل في مجالات التعليم والعمل الاجتماعي والإغاثي، وفق خليل، وهو ما يمنحها شرعية قانونية ومجتمعية، لكنّ هذا الاستقرار التقليدي يتعرض لهزة وردّات قوية عنيفة بعد حرب غزة، خصوصاً مع الاصطفافات التي جمعت الإخوان بتنظيمات إرهابية مثل القاعدة وداعش في خطاب إيديولوجي وحركي متجانس يلح على ضرورة العداء لليهود، وتنفيذ اعتداءات مسلحة في العواصم الأوروبية، الأمر الذي تسبب في تصاعد موجة إرهاب و"معاداة السامية" في مناطق متفاوتة كما حدث في بريطانيا وسيدني وغيرهما. ذلك ما يجعل من الضروري معاودة النظر في طبيعة التمويل والارتباطات الخارجية.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%82%D8%A7%D8%B4%D8%A7%D8%AA_0.jpg.webp?itok=l8I7owh-)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA_3_1_3_2.jpg.webp?itok=wVTZl-Tx)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%B1%D9%83%D9%8A%D8%A7%20%D8%AA%D8%AD%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AC%D8%B1%D8%A8%D8%A9_0.jpg.webp?itok=y_kqqx3d)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1-1466250_0_3_0.jpg.webp?itok=jGgVVbdn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A%206_6_2.jpg.webp?itok=_sm2csZJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%8688_0_1_1_3_1_1_1_0_2_0_0_2_0_0_13_0.jpg.webp?itok=6Lx94TRE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D8%A1_3_1_2_1_1.jpg.webp?itok=A4Q46mn_)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D8%B2%D9%8A%D8%B1%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%88%D9%82%D8%A7%D9%81%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B5%D8%B1%D9%8A%D8%8C%20%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%83%D8%AA%D9%88%D8%B1%20%D8%A3%D8%B3%D8%A7%D9%85%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B2%D9%87%D8%B1%D9%8A_1.jpg.webp?itok=XGvLgfPl)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B4%D9%88%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%A9_0_0.jpg.webp?itok=rFxaYlH2)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20_0_0_0.jpg.webp?itok=YxXTGKyA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B8%D9%84%D9%88%D9%85%D9%8A%D8%A9_1_0_1.jpg.webp?itok=DLZsQQh7)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF_4_0_2_6_2.jpg.webp?itok=5M5BrpBC)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Capture_187_0.png.webp?itok=j1w4rlKQ)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9_3.png.webp?itok=By5KgSz2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86_130.jpg.webp?itok=yI3FnUfI)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7_137_1.jpg.webp?itok=pcYAW8xm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B2%D8%BA%D9%88%D9%84.png.webp?itok=vCyRKOE9)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/141162026_Doc-P-566697-639167742185871407.jpg.webp?itok=NdQqK9bA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)