4 أبعاد لاستراتيجية تركيا التمددية في منطقة البلقان.. ما هي؟

4 أبعاد لاستراتيجية تركيا التمددية في منطقة البلقان.. ما هي؟

مشاهدة

25/11/2020

خسرت الدولة العثمانية أجزاء كبيرة من منطقة البلقان خلال حروب البلقان، عشيّة الحرب العالمية الأولى. ومن ثم اتجهت تركيا المعاصرة للعزلة والانصراف عنها، تحقيقاً لمبدأ أتاتورك: "سلام في الداخل، سلام في الخارج".

تضاعف حجم التبادل التجاري بين تركيا ودول البلقان بمقدار عشرة أضعاف خلال الفترة ما بين 2000 و2019

إلأ أنّه ومنذ نهاية الحرب الباردة، عام 1991م، ومن ثم وصول حزب العدالة والتنمية للحكم في تركيا، عام 2002م، برزت وتصاعدت سياسات تركيّة جديدة تجاه المنطقة الممتدة من البحر الأسود شرقاً، حتى البحر الأدرياتيكي غرباً، والبحر المتوسط جنوباً. واكتسبت التوجهات الجديدة طابع التمدد والتوسع بالنفوذ فيها، وذلك ضمن نظرة للمنطقة باعتبارها جزءاً من "المجال العثماني"، الذي يشمل مناطق الدولة العثمانية سابقاً. فما كانت أبرز أبعاد الاستراتيجيّة الجديدة؟

الثقافي والديني.. القوة الناعمة

تعتمد تركيا في استراتيجيتها للتمدد في شبه جزيرة البلقان على الروابط الثقافيّة والدينيّة والتاريخيّة مع شبه الجزيرة؛ إذ يشكّل الإسلام ثاني أكبر ديانة فيها، وينتشر المسلمون بخاصّة في دول البوسنة والهرسك، وألبانيا، ومقدونيا، وكوسوفو. وتتراوح نسبهم ما بين (40%) في مقدونيا، إلى (95%) في كوسوفو.

تركيا ودول البلقان باللون البرتقالي

وتسعى تركيا لتعزيز حضورها الثقافي في البلقان؛ إذ يعتبر هذا الحضور بمثابة أداة ناعمة للتوسع التركي، وذلك باعتباره يشكّل قاعدة وأساساً لخلق شرائح واسعة من شعوب البلقان مؤيدة وداعمة لأي تمدد تركي على المستويات السياسة والاقتصاديّة هناك، وبالتالي ضمان تحقيق المصالح التركية دون خيار اللجوء للقوة العسكرية المباشرة.

ومن بين الوسائل التي تعتمدها تركيا لتعزيز حضورها الثقافي في البلقان، تبرز مساعي نشر اللغة التركيّة، وذلك من خلال معاهد تعليم اللغة التركيّة المنتشرة خاصّة في دول غرب البلقان، ولا سيّما في البوسنة والهرسك. كما يتم تدريس اللغة التركيّة في (150) مدرسة من مدارس البوسنة، يدرس فيها اللغة التركية نحو العشرة آلاف تلميذ، لتعدّ بذلك ثالث لغة أجنبية في البلاد بعد الإنجليزية والألمانيّة.

تمثل منطقة البلقان أهمية استراتيجية بالنسبة لتركيا؛ إذ تعتبر منطقة عبور لكثير من الممرات المتجهة إلى أوروبا

وإلى جانب نشر اللغة، نشرت تركيا مراكزها الثقافية، التابعة لمؤسسة "يونس إمري"، وبحيث بات هناك أربعة عشر مركزاً منها في البلقان، وهي معنيّة بنشر الثقافة التركيّة، وتقديم المنح الدراسية للطلاب في تركيا.

كذلك بادرت تركيا للمساهمة في إنشاء عدد من الجامعات الخاصة في عدد من دول البلقان، مثل "جامعة بورتش الدولية" في سراييفو، عاصمة البوسنة والهرسك، والتي تأسست عام 2008م، وكذلك "جامعة سراييفو الدولية"، التي افتتحت عام 2004م، و"جامعة إيبوكا" في تيرانا، عاصمة ألبانيا، و"جامعة البلقان الدوليّة" في سكوبيه، عاصمة مقدونيا الشماليّة.

أمينة أردوغان زوجة الرئيس التركي في زيارة لمركز يونس إمري في سراييفو عام 2019

أما على المستوى الديني، فقد قامت وكالة التعاون والتنسيق التركية، المعروفة اختصاراً بـ "تيكا"، بتمويل بناء عدد من المساجد الكبرى الجديدة في البلقان، ومن ذلك تمويل بناء مسجد "ميتروفيتسا"، الأكبر في كوسوفو، بمبلغ مليوني يورو، وكذلك تقديم مبلغ ثلاثين مليون مليون يورو عام 2013م لبناء مسجد "نمازغيا" في تيرانا، عاصمة ألبانيا، والمصمم ليكون أكبر مسجد في البلقان.

مصالح اقتصادية.. بما في ذلك شركات مقرّبة من العدالة والتنمية

تنشط الشركات التركية في دول البلقان، وبشكل خاص في قطاعات البنية التحتية والطاقة والاتصالات والمصارف، حيث تشغّل وتدير شركة من شركات "مجموعة ليماك القابضة"، المقربة من حزب العدالة والتنمية، المطار الرئيسي في بريشتينا، عاصمة كوسوفو، كما تشغّل شركة (ATV) التركيّة مطار سكوبي، عاصمة مقدونيا الشمالية. إضافة إلى قيام شركة تركية حالياً ببناء مطار بمدينة فلوره في جنوب ألبانيا. وتدير شركة "كارباورشيب" التركية شركة كهرباء كوسوفو. وفي قطاع الاتصالات تدير شركة الاتصالات التركيّة (Türk Telekom) شركة الاتصالات الكبرى في ألبانيا (Albtelecom).

اقرأ أيضاً: السياسات التركية في البلقان: قوة ناعمة خيّرة أم نزعة استعمارية جديدة؟

أما التبادل التجاري بين تركيا ودول البلقان، فقد تضاعف تقريباً بمقدار عشرة أضعاف خلال الفترة ما بين العام 2000م و2019م، ليصعد من (2.2) مليار دولار، إلى نحو (20) مليار دولار في العام الماضي.

أهداف ومصالح استراتيجية

رأى أحمد داود أوغلو، وزير الشؤون الخارجية لتركيا في الفترة (2009-2014م)، في كتابه "العمق الاستراتيجي"، أنه من دون نفوذ وحضور لتركيا في منطقة البلقان - بما في ذلك الحضور العسكري - فإنّ تركيا لن تتمكن من ممارسة نفوذها بشكل فعال في مناطق الشرق الأوسط والقوقاز وآسيا الوسطى. وبالتالي فقد عدّ شبه جزيرة البلقان، من البحر الأسود إلى البحر الأدرياتيكي، بمثابة "المجال الحيوي" لتركيا.

خط أنابيب "نابوكو" باللون الأزرق يعبر البلقان باتجاه وسط أوروبا

وتتجه الأنظار التركية منذ فترة نهاية الحرب الباردة إلى ما يعرف بـ "الهلال الإسلامي"، وهو المسمى الذي يشير إلى امتداد المناطق التي تسكنها غالبية مسلمة في البلقان، وتمتد من مناطق جنوب بلغاريا شرقاً، ثم عبر مقدونيا، وكوسوفو ووصولاً حتى ألبانيا، وإقليم سنجق الصربي، والبوسنة والهرسك، غرباً.

اقرأ أيضاً: كيف تشكلت ظاهرة الجهاديين في البلقان؟ وما مستقبلها؟

وقد شرعت تركيا بتعزيز نفوذها وحضورها على امتداد هذا الهلال، وتكمن أهميته بأنه يعزل اليونان عن امتدادها البلقاني شمالاً، ويقطع الطريق ما بينها وبين بلغاريا وصربيا؛ إذ تعتبر هذه البلدان الثلاثة تاريخيّاً من أبرز الأعداء والخصوم لتركيا، فتريد تركيا بذلك عرقلة أي إمكانية لوجود تواصل وترابط جغرافي بينها قد يؤدي إلى دعم مشاريع مضادة للمصالح والأمن القومي التركيّ.

اقرأ أيضاً: الجهاديون العائدون... جبهة مشتركة تجمع الجيران الفرقاء في البلقان

كما وتمثل منطقة البلقان أهمية استراتيجية بالنسبة لتركيا؛ إذ إنها تربط ما بينها وبين دول الاتحاد الأوروبي، وبالتالي فإنها منطقة عبور لكثير من الممرات المتجهة إلى أوروبا، بما في ذلك مشاريع نقل البضائع عبر الطرق والسكك، سواء أكانت قادمة من تركيا، أو من دول آسيا في الشرق، وبخاصّة الصين، حيث تسعى تركيا لتكون جزءاً أساسيّاً من مشاريع "طريق الحرير الجديد".

شعار "تيكا" على لافتة مشروع ترميم مسجد والدة السلطان عبد العزيز

وكذلك، فإنه ومن خلال منطقة البلقان أيضاً، تمر أنابيب نقل الطاقة، وبخاصّة الغاز، التي تعبر تركيا، ومن ثم تنطلق باتجاه أوروبا، كما مشروع "السيل الجنوبي" الذي ينقل الغاز الروسي عبر البحر الأسود باتجاه تركيا ومن ثم عبر البلقان إلى أوروبا، وكذلك مشروع خط أنابيب نقل الغاز الأذربيجاني والإيراني، المعروف بـ "نابوكو"، والذي يمر أيضاً عبر دول البلقان باتجاه النمسا في وسط أوروبا. ما يؤكد بالتالي على مدى الأهمية لمنطقة البلقان بالنسبة للمصالح الاستراتيجية التركيّة.   

إحياء التراث العثماني.. تعزيز الهويّة

ومن ضمن الاستثمار التركي في القوة الناعمة، وعبر ذراعها وكالة تيكا، والتي تخصص قرابة الـ (20%) من عموم المساعدات التي تقدمها حول العالم لمنطقة البلقان، يأتي مشروع بعث وإحياء التراث العثماني بالمنطقة، حيث تخصص الوكالة جزءاً كبيراً من المساعدات لغايات إعادة ترميم التراث العثماني، بما في ذلك مئات المساجد والجسور والحمّامات.

تخصص وكالة تيكا قرابة 20% من عموم المساعدات التي تقدمها حول العالم لمنطقة البلقان

في هذا الإطار أطلقت "تيكا" عشرات المشاريع لترميم المساجد من الحقبة العثمانية في كوسوفو ومقدونيا وألبانيا والبوسنة والهرسك. وبرز منها مؤخراً مشروع ترميم مسجد تم بناؤه بتعليمات السلطانة "برتونهال"، والدة السلطان العثماني عبد العزيز، في مدينة "سينيتسا" الصربية، ترميم جامع حسين باشا في الجبل الأسود، والذي أنشأه المعماري العثماني خير الدين، تلميذ المعماري سنان. وكلّ ذلك بهدف تعزيز الهوية العثمانية المقترنة بتعزيز الحضور والثقافة التركيّة في عموم المنطقة، وبما يؤكد على مبدأ تسخير ما هو "خيري" لخدمة المصالح السياسيّة.

هكذا، وبالرغم من أنه خلال حروب البلقان في عقد التسعينيات، كان قد برز تدخل حلف "الناتو" الحاسم فيها، بما رجّح التوقعات حينه بأنّ المنطقة سوف تتجه إلى تعزيز النفوذ الغربي والأطلنطي فيها، إلا أنّ ضعف الدور السياسي والاقتصادي الغربي لاحقاً، بما في ذلك دور الاتحاد الأوروبي، أتاح الفرصة لدول أخرى لتعزيز نفوذها وحضورها في المنطقة، كان في مقدمتها تركيا، التي رأت في المنطقة مجالاً حيوياً لها، لا يمكنها الاستغناء عنه في سبيل ضمان أمنها القوميّ وتحقيق مصالحها الاستراتيجية.

الصفحة الرئيسية