هل يطارد شبح الإرهاب جماعة "التبليغ والدعوة"؟

التبليغ والدعوة

هل يطارد شبح الإرهاب جماعة "التبليغ والدعوة"؟

مشاهدة

14/11/2017

طموه نقطة انطلاق "التبليغ والدعوة" بمصر

بلحية كثيفة، وعصا خشبية، وجلباب قصير، وعمامة ينسدل ذيلها على مؤخرة رأسه.. يغدو الرجل ويروح في عربة المترو، محدثاً الناس بآيات من القرآن، وأحاديث نبوية، دون ملل أو كلل، عندما اقترب منّا للحديث باغتناه "الأخ تبليغ ودعوة؟" فأجاب بنعم وهو ينظر بتواضع إلى أرضية العربة.
انطلقنا إلى قرية "طموه" التي تبعد عن القاهرة، نحو 25 كيلو متراً، ناحية الجيزة.. موقع مميز، فهي تقع في المنتصف بين الوجه البحري والقبلي، وتعد نقطة انطلاق لتلك الجماعة في جولاتها الدعوية التي لا تهدأ منذ نشأتها في مصر، على يد الشيخ إبراهيم عزت، الذي كان كادراً مهماً في جماعة الإخوان المسلمين.

يستحيل غالباً التوفيق بين التزامات العمل ومتطلبات "الخروج" وعلى الشخص أن يختار وفي النهاية ترجح كفة "الدعوة"

في رحاب "المركز العالمي للدعوة الإسلامية"، مقر الجماعة الرئيسي، التقينا برجالها الذين يتشابهون لحد التطابق في الهيئة وربما الأداء اللفظي والحركي، كأنهم مستنسخون.
يقولون إن المظهر ليس شرطاً لديهم، لكن الواقع لا ينسجم مع تلك المقولة إطلاقاً، فحملات بيع العطور والملابس الهندية والباكستانية، تنتشر بجوار المقر انتشاراً لافتاً.

تاريخياً مرت العلاقة بين جماعة التبليغ والدعوة والدولة المصرية ببعض الاضطراب خاصة بعد اغتيال السادات

الملاحظ أيضاً أنّ تلك المنطقة برمتها كانت مرتعاً لنشاط الجماعة الإسلامية خلال الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، فقد كان يقيم فيها المتحدث الرسمي باسم الجماعة آنذاك علاء محيي الدين، الذي ما إن قتل في ظروف غامضة العام 1990 حتى اندلعت عمليات الجماعة الإرهابية ضد الدولة، ثأراً له. 
 

"الخروج في سبيل الله"
تنقسم "الجماعة" بمصر إلى سبع مناطق، تضم كل منطقة مجموعة حلقات، وكل حلقة تضم مجموعة مساجد، ومن كل مسجد يخرج مجموعة أشخاص يتجمعون في النهاية بمركز الدعوة في "طموه"، الذي يُنظر إليه كـ"ترانزيت" لتوزيع الدعاة إلى كل أنحاء الدولة، فهناك يتم اختيار أمير لكل تشكيل أو مجموعة، ثم يتم توزيع التشكيلات على مناطق غير المناطق التي يسكنون فيها، فتذهب تشكيلات القاهرة مثلاً إلى الصعيد، وتذهب تشكيلات الصعيد إلى الوجه البحري، وفي كل مرة يتم توزيع التشكيلات بشكل مغاير وعلى مناطق مختلفة .
تشكيلات وأفواج تخرج من تلك القرية قاصدة أرجاء مصر كلها؛ إنّه "الخروج في سبيل الله" أهم وسائل الجماعة على الإطلاق، وبرغم أنّ طول مدته يتعارض كثيراً مع العمل بالنسبة للموظفين، فإن أحد مسؤولي الجماعة الشيخ عبد المعطي محمود المتخرج من كلية أصول الدين بالأزهر الشريف يرى "أنّ التفرغ هو مسؤولية الشخص، ونحن نطلب من الله أن ييسر لنا سبل الدعوة، والحمد لله هي ميسَّرة".

مراقبون غربيون يدعون لحظر نشاط هذه الجماعة باعتبارها "مفرخة" للعنف الإسلامي والقاعدي

يقول الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية سيد زايد لـ"حفريات": في كثير من الأحيان يستحيل التوفيق بين التزامات العمل والوظيفة ومتطلبات الدعوة و"الخروج"، وهنا على الشخص أن يختار، وفي النهاية ترجح كفة "الدعوة"، وعدد غير قليل بالجماعة يتركون وظائفهم ويتفرغون للدعوة بجانب البحث عن فرصة عمل حر لا يقيد تحركاته، وهو ما أكده الشيخ عبد الحميد أحد الوافدين من الإسكندرية؛ حيث ترك الخدمة بالقوات المسلحة من أجل الجماعة، ويؤكد أنّه اتخذ قراره بحرية ولم يندم عليه.
و"الخروج" هو أحد أشكال الجولة، والجولة هي إحدى الوسائل الدعوية لدى الجماعة، وتقوم على مبدأ دعوة الأفراد في بيوتهم وأماكن عملهم أو حتى في الطريق، وهي تقسم إلى "جولة سيارة" وجولة البيوت ثم الخروج، وجولة السيارة تتم عن طريق السير على يمين الطريق والتوجه إلى أماكن تواجد الناس، وعادة تكون أسبوعية، ولكل جولة مسؤول يتم الرجوع إليه في حالة حدوث أي مشاكل، وأما جولة البيوت فتتم من خلال الذهاب إلى بيوت الناس لدعوتهم، وهي تتم داخل المنزل، وإذا ذهب أحدهم ولم يجد إلا امرأة بالمنزل فإنه لا يدخل، ويكتفي بطمأنة أهل البيت بأنّهم "دعاة إلى الله"، أما الخروج فهو إما داخل مصر أو خارجها، والجولة في حالة الخروج تكون تعليمية أو شبابية بالتوجه إلى الشباب الغافل عن الدين، وقد يتعرض فيها الداعية إلى أذى حسي ومعنوي.

"لاءات أربع".. ولكن!
أما القيادي السابق في تنظيم الجهاد عبدالمنعم منيب، فيقول لـ"حفريات" العلاقة بين الدولة والجماعة تقوم على مبدأ "البعد عن كل ما يثير حفيظة النظام، ولدى الجماعة قاعدة يسمونها "اللاءات الأربع""، وهي، وفقه "لا للكلام في السياسة أو الدخول في الأحزاب، ولا للكلام في الخلافات الفكرية، ولا للكلام في الخلافات الفقهية، ولا للحديث في أمراض الأمة"، متابعاً "بقدر ابتعاد الجماعة عن السياسة وتأييدها للنظام الحاكم تكون مساحة الحرية المسموحة لها، والعكس صحيح".

إبراهيم عزت أوحى لمحمد فرج بأنه يمكن لتنظيم الجهاد أن يجند أعضاء التبليغ والدعوة سراً وفرادى للعمل في صفوفه

لكن تاريخياً مرت العلاقة بين الجماعة والدولة ببعض الاضطراب، ففي سبعينيات القرن العشرين كان كثير ممن انضووا في صفوف الحركة الإسلامية بفصائلها كافة قد تم جذبهم من الشوارع والنوادي والمقاهي إلى المساجد عبر دعاة جماعة التبليغ والدعوة، وبعد أن التزموا بتعاليم الإسلام وفق رؤية هذه الجماعة، تفرقت بكثير منهم السبل ما بين السلفية العلمية أو السلفية الحركية، ومنهم من انضم للسلفية التقليدية أو للإخوان المسلمين أو تنظيم الجهاد، هذا فضلاً عن الكثيرين الذين استمروا في صفوف جماعة التبليغ والدعوة نفسها.
 


أثناء التحقيقات الواسعة التي شملت معظم قادة فصائل الحركات الإسلامية، إثر اغتيال الرئيس الأسبق محمد أنور السادات، تبين أنّ كثيرين من أعضاء وقادة كثير من الفصائل، خاصة تنظيم الجهاد، قد بدأ التزامهم الديني عبر جماعة التبليغ والدعوة، ومن أشهر هؤلاء عبود الزمر أحد قادة تنظيم الجهاد، كما ثبت أن مؤسس جماعة التبليغ الشيخ إبراهيم عزت، قد ألمح لمنظّر جماعة الجهاد محمد عبد السلام فرج، بأنّه مؤمن بمنهج تنظيم الجهاد، ولكن لأسباب عديدة لا يمكنه الانضمام له، وفي الوقت نفسه أوحى له بأنه يمكن لتنظيم الجهاد أن يجند أعضاء التبليغ والدعوة سراً وفرادى للعمل في صفوفه؛ وكان نص كلامه حسب هذه الرواية "أنا أحضر لكم الناس من الشارع للمسجد وأنتم تولوا الباقي".
وأثناء التحقيقات مع تنظيم الجهاد إثر اغتيال السادات، انكشفت هذه الواقعة؛ لذلك فإن جهاز الأمن لم يسمح لجماعة التبليغ والدعوة بالعمل طوال حياة إبراهيم عزت بدءاً من نهايات العام 1981 وحتى رحيله العام 1983، وقد أثيرت العديد من الشكوك حول أسباب وفاته المفاجئة وهو لم يجاوز من العمر 44 عاماً، لكن أحداً من أتباعه لم يجرؤ على إثارة الموضوع، وما أشيع حول حقنه بحقنة ما وهو على متن سفينة متجهة للمملكة العربية السعودية، رغم أنه لم يكن يعاني من أي مرض!

أثيرت تساؤلات حول "التبليغ والدعوة" إثر أحداث 11 سبتمبر بعد الكشف أن غربيين منتمين للقاعدة تحولوا للإسلام عن طريق هذه الجماعة

كما أثيرت تساؤلات حول الجماعة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، حيث تم القبض والكشف عن عدد من المنتمين للقاعدة من الغربيين الذين تحولوا للإسلام عن طريق جماعة التبليغ والدعوة، شأن الأمريكي جون وركر الذي قبض عليه في أفغانستان العام 2001، وزكريا موسوي الفرنسي المتهم بضلوعه بأحداث 11 سبتمبر، وريتشارد ريد مفجر الحذاء الذي حاول وفشل في تفجير نفسه على متن طائرة من ميامي إلى باريس بعد أسابيع قليلة من تفجيرات نيويورك، وهو ما جعل عدداً من المراقبين الغربيين يدعون لحظر نشاط هذه الجماعة التي اعتبرت "مفرخة" للعنف الإسلامي والقاعدي!
تعد "التبليغ والدعوة" الجماعة الأسبق بين الحركات الإسلامية الأخرى، فقد نشأت على أرجح الأقوال العام 1920 في الهند على يد الشيخ محمد إلياس، أي سبق تأسيسها جماعة الإخوان المسلمين بثمانية أعوام، ومنذ منتصف الأربعينيات من القرن الماضي بدأت بالانتشار في العالم الإسلامي، وأول من أدخلها إلى مصر هو الشيخ إبراهيم عزت، وذلك في منتصف السبعينيات من القرن الماضي.

 

الصفحة الرئيسية