هل يصلح السودان ما أفسدته جماعة الإخوان؟

هل يصلح السودان ما أفسدته جماعة الإخوان؟

مشاهدة

15/07/2020

بإعلان وزير العدل السوداني، نصر الدين عبد الباري، الأحد 12 من الشهر الجاري إلغاء المواد القانونية الخاصة بالتكفير وحدّ الردّة، إضافة إلى السماح لغير المسلمين بشرب الخمور دون محاكمتهم، وتعديلات خاصة بالمرأة تدخل السودان عهداً جديداً، على طريق إصلاح ما أفسده الإخوان المسلمون.

إقصاء العمائم

في 21 من كانون الأول (ديسمبر) 2018، وقف إمام مسجد اليقين في منطقة بحري، شمال السودان، يخطب في الجموع قائلاً: إنّ "ارتفاع الأسعار ناتج عن الانحلال الأخلاقي الذي يسود المجتمع"، وقبل أن يكمل خطبته ثار الناس وطردوه من المسجد، وبتلك الفعلة أقرّ الشعب السوداني بأنّه لن يُسمح لرجال الدين بالتدخّل في شؤون حياتهم مرّة أخرى، وهذا ما آل إلى التشريعات الجديدة، التي رآها كثير من المحللين خطوة على طريق الدولة المدنية التي يسعى أبناء السودان إلى بنائها.

 في حوار معه على عبر التلفزيون السوداني، نقلته وكالة الأنباء السودانية، أوضح وزير العدل، الذي تقلّد منصبه في أيلول (سبتمبر) الماضي؛ أنّ "التعديلات المقررة تهدف إلى إلغاء المادة (126)، التي تتحدث عن الردة؛ لأنّ الوثيقة الدستورية أقرت حرية الدين والعقيدة، فما فعلناه هو أننا واءمنا القانون الجنائي مع الوثيقة الدستورية"، وأكّد عبد الباري أنّ "من واجبات الدولة حماية الحرية الدينية وحرية ممارسة الشعائر الدينية لمواطنيها"، وأنّ ما حدث في السودان لعقود "أضرّ بالحريّة الشخصية للأفراد والجماعات، وحان الوقت لتغييره، فما فعلناه من تجريم للتكفير وإلغاء حدّ الردة ليس سوى حماية للأمن الشخصي وسلامة المجتمع".

عضو اتحاد المهنيين السودانيين والناشطة في المجال المدني، أماني جعفر لـ "حفريات": ما قام به وزير العدل يعدّ خطوة ممتازة على طريق بناء الدولة الجديدة

منذ آذار (مارس) الماضي؛ دار الحديث حول تعديلات جديدة تضمن مزيداً من الحقوق المدنية للدولة السودانية الجديدة، لكنّها تدخل حيّز التنفيذ بدءً بنشرها في الجريدة الرسمية، الأحد الموافق 12 تموز (يوليو)، وفق ما أعلن وزير العدل.

لا تكفير بعد اليوم

استخدم البشير، طوال فترة حكمه، قانون التكفير وحدّ الردّة، كغطاء دينيّ على ممارساته القمعية بحقّ المعارضة السياسية، لتتحوّل مع الزمن إلى أدوات سلطة مطلقة، تسبّبت في تمزق النسيج الاجتماعي بين أبناء السودان، وهو ما دفع وزير العدل، في خطواته الأولى نحو التطهير، إلى إلغاء هذه المادة،  ليجري حزمة تعديلات على قوانين قائمة لإصلاح المنظومة العدلية، تضمنّت "حد الردة"، وجرائم المعتقد والضمير، وتجريم تكفير الأشخاص، وإلغاء سلطة جهاز الأمن في الاستدعاء والتفتيش، وإلغاء عقوبة الإعدام بحقّ الأطفال ومن تجاوزوا السبعين، عدا جرائم الحدود والقصاص، والجرائم الموجهة ضدّ الدولة والفساد.

فيما أعرب رئيس الوزراء، عبد الله حمدوك، عن سعادته بتلك التعديلات، موضحاً أنّ إجازة القوانين والتعديلات خطوة كبيرة في طريق إصلاح المنظومة العدلية في البلاد، وأضاف، خلال مؤتمر صحفي: "هي خطوة مهمة في طريق إصلاح المنظومة العدلية، وتحقيق لشعار الثورة حرية، سلام وعدالة، عبر قوانين ومؤسسات عدلية، تضمن سيادة حكم القانون"، وأقرّ حمدوك باستمرار العمل على مراجعات وتعديلات قانونية، تضمن القضاء على التشوهات التشريعيّة التي خلّفها النظام الإخواني برئاسة البشير.

تعليقات فلول نظام الإخوان المسلمين، انهالت على الوزير الشاب، الذي لم يتجاوز الـ 34 ربيعاً، ووجهت له اتهامات صريحة بنشر الفجور والفسق والانقضاض على شريعة الله

 ناقشت التعديلات أيضاً البنود الخاصة بتجريم الخمور لغير المسلمين، وفكّ الالتباس الواقع في بند المادة الخاصة بعقوبة الزنا، وإيماناً منه بحقوق الأقليات، أقرّ عبد الباري بعدم معاقبة غير المسلمين، الذين تبلغ نسبتهم في البلاد نحو 3%؛ إذ كانت تتمّ معاقبتهم بالجلد في حال تمّ ضبطهم يحتسون الخمر برفقة مسلمين، وهو قرار تمّ إصداره في السودان بعد تنصيب الرئيس السابق، جعفر النميري، عام 1983، واستمرّ العمل به بعد تولي البشير زمام السلطة".

السودانيات يحصدن الغنائم

غرّد وزير العدل السودانيّ، نصرالدين عبد الباري، قبل إقرار التعديلات بأيام، عبر حسابه على تويتر، قائلاً: "المفوضية المؤسسة بموجب القانون المجاز سوف تقود عملية شاملة وعميقة لإصلاح المنظومة الحقوقية والعدلية، التي تعرضت خلال السنوات العجاف لحكم النظام البائد لخراب لم يسبق له مثيل في تاريخ السودان، أما قانون التعديلات المتنوعة فيُجري إصلاحات في قوانين متعددة لجعلها متسقة مع مبادئ حقوق الإنسان وحرياته الأساسية الواردة في الوثيقة الدستورية، وهو بذلك يمثل خطوة كبيرة نحو تحقيق ركن من أركان شعار ثورة ديسمبر الظافرة، ألا وهو الحرية"، لكنّ التعليقات المسيئة من فلول نظام الإخوان المسلمين، انهالت على الوزير الشاب، الذي لم يتجاوز الـ 34 ربيعاً، ووجهت له اتهامات صريحة بنشر الفجور والفسق والانقضاض على شريعة الله، وكثرت تلك الاتهامات عقب إقراره بتجريم الختان، وأحقية المرأة في اصطحاب أطفالها خارج البلاد، دون الحاجة إلى إذن الأب، كما أقرّ تعديلات على المواد الخاصة بعقوبة الزنا وتوافر شروطها وأركانها، دفعت فلول المؤتمر الوطني، لإطلاق أسهم التكفير على الوزير نفسه.

وتعدّ السودان أحد أكثر الدول العربية التي تنتشر فيها جريمة ختان الإناث؛ إذ تتجاوز نسبتها 65 % بحسب إحصائية منظمة الصحة العالمية، إلّا أن التشريع الجديد، أقرّ بتجريمها وعقوبة لا تقل عن ثلاثة أعوام لمرتكبها، فيما يعدّ أول انتصار للنساء على جريمة طال أمد السكوت عنها.

اقرأ أيضاً: هل يعبر السودان المرحلة الانتقالية ويطوي صفحة الدم؟

 وبحسب تصريح عضو اتحاد المهنيين السودانيين والناشطة في المجال المدني، أماني جعفر لـ "حفريات" فإنّ ما قام به وزير العدل "يعدّ خطوة ممتازة على طريق بناء الدولة الجديدة، لا سيما أنّها تقوم على المواءمة بين الوثائق والقوانين الدولية، والقوانين التي تنظم حياة السودانيين، وتمحو القوانين القمعية التي سنّتها قوى الظلامية (عصابة المؤتمر الوطني)، والتي بموجبها كمّمت الأفواه وسجنت الشرفاء وقتلت مناضلين كثيرين؛ لذلك استقبل السودانيون تلك القرارات بسعادة بالغة، ورأوا أنّها روح الإصلاح السياسي الذي يجب أن تقوم عليه دولتهم الجديدة".
اقرأ أيضاً: السودان..ما قصة مجزرة العليفون التي نبشت قبورها بعد 22 عاماً؟

لكنّ حملات الهجوم على وزير العدل، بخصوص القرارات الجديدة، تنذر بوجود بعض العقبات في تنفيذ القانون، وهو ما توقّعه عبد الباري الذي أعرب في لقائه التلفزيوني، عن أمله بأن تؤدي النيابة دوراً مهماً في ذلك، وهذا ما أقرّت به أماني جعفر: "بالطبع هناك صعوبات ستواجهها الدولة الجديدة في إنفاذ القانون، لكنّ الآمال معلقة على الطليعة الثورية، وعلى المرأة التي انتزعت بتلك القرارات جزءاً ضئيلاً من حقوقها المسلوبة منذ عقود".


الصفحة الرئيسية