هل يشعل سد النهضة الإثيوبي أول حرب على المياه في العالم؟

13237
عدد القراءات

2018-05-10

هذا أكبر سد طاقة مائية في أفريقيا، ويفترض أن ينتج أكثر 6400 غيغاواط من الطاقة الكهربائية لدعم النمو الاقتصادي الإثيوبي وحركة التصنيع السريعة. واليوم، يقدر أنّ الطلب على الكهرباء يرتفع 30 في المئة سنوياً في إثيوبيا. هكذا كتب مراسل صحيفة "لوفيغارو" الفرنسية، تانغي بيرتيمييه، في تقرير نشر الشهر الماضي، وتساءل فيه: هل تندلع حرب على مياه النيل؟
"سد النهضة الإثيوبي" يشيّد، كما هو معلوم، على النيل الأزرق في إثيوبيا غير بعيد من الحدود مع السودان. وفي هذا الموقع، الذي حدده الأمريكيون في الخمسينات، تنجلي ضخامة السد: فهو يمتد على طول 1800 متر، وعلوه 175 متراً، وقدرة خزن المياه فيه تبلغ 74 بليون متر مكعب.
ولا يشير الانفجار السكاني المنتظر في البلد هذا- وعدد سكانه اليوم 100 مليون نسمة- إلى احتمال تراجع حركة الطلب على الكهرباء، كما يشير التقرير الذي نشرت ترجمته صحيفة "الحياة". ولكن والحق يقال، ليس السد هذا في ميزان الحكومة الإثيوبية استثماراً بنيوياً فحسب، فالحزب الحاكم القومي والنافذ، "الجبهة الثورية الديموقراطية الشعبية الإثيوبية"، حمل لواء المشروع.

إثيوبيا: السد قضية شبه وجودية
وحين إعلان بدء تشييده في آذار (مارس) 2011، أنزل رئيس الوزراء يومها، مليس زيناوي، السد منزلة شبه وجودية حيوية، وأعلن أنّ الأمة ستتكبد كلفة المشروع الضخمة- 2.8 بليون دولار- صوناً لاستقلال البلاد وسيادتها. ودعا الإثيوبيون كلهم إلى المساهمة في المشروع الكبير، وقبول خفض رواتبهم والاقتطاع منها لتمويل السد. وتقرض المصارف الصينية إثيوبيا 1.6 بليون دولار لشراء معدات تشييد السد.

الحل العسكري مستبعد اليوم على رغم أن السادات أعلن في 1978 أن مسألة المياه قد تحمله على شن حرب

ولُزّم المشروع، ومجمل قيمته 4.5 بليون دولار، إلى شركة إيطالية. وحملت المنظمات غير الحكومية عدداً من الدول والمؤسسات المالية الدولية الكبيرة على رفض منح إثيوبيا قروضاً لتمويل السد، في وقت تشح الدراسات حول أثره البيئي ومتانته وثباته. وإلى المخاوف البيئية المشروعة، كان دور التوترات الإقليمية الناجمة عن تشييد السد، بارزاً في نأي الجهات المانحة عن المشروع. وإلى اليوم، شُيِّد أكثر من 70 في المئة من السد هذا، وقد يُملأ بالمياه بدءاً من العام الجاري. وعلى رغم أن المشروع هذا يوصف بـ "الفرعوني"، لا تستسيغه مصر ولا تنظر إليه بعين الرضى.

يشيّد على النيل الأزرق في إثيوبيا غير بعيد من الحدود مع السودان

النيل يلبي 97 في المئة من حاجات المصريين

ويذكّر تانغي بيرتيمييه بأنّ "مصر هبة النيل"، على ما كتب المؤرخ الإغريقي هيرودوتس في الزمن الغابر. فالنهر هذا يلبي 97 في المئة من حاجات المصريين إلى المياه. وعليه، أي تغيير، ولو كان طفيفاً، في مجرى النيل تترتب عليه نتائج ضخمة ودراماتيكية. وترى القاهرة أنّ التغيرات التي قد تنجم عن سد النهضة تهدد نموها الاقتصادي وأمنها الغذائي المتعثر. وكرر وزير المياه والري المصري في شباط (فبراير) في السودان اللازمة المصرية القائلة إن تدني دفق المياه الواصلة إلى مصر 2 في المئة، يكبدها خسارة 200 ألف فدان من الأراضي المزروعة. والفدان الواحد يؤمن غذاء عائلة يبلغ متوسطها 5 أشخاص. وعليه، قد يخسر مليون نسمة مواردهم الغذائية. ويرى باحثون مصريون أن مثل هذه الصدمة قد يخلف اضطرابات سياسية.
وأعلن وزير الخارجية المصري سامح شكري، الإثنين الماضي، أنّ اجتماعاً فنياً عُقد مؤخراً في أديس أبابا، وضم وزراء الري وخبراء من مصر وإثيوبيا والسودان، فشل في كسر الجمود الذي يعتري المفاوضات المتعلقة بأزمة سد النهضة الإثيوبي.
وقال شكري في مؤتمر صحفي مع نظيره الأوغندي سام كوتيسا في القاهرة الإثنين الماضي: "فيما يتعلق بالجولة الأخيرة للجنة الفنية التي عقدت في أديس بابا.. تحدثت مع وزير الري الذي شارك في هذا الاجتماع وما وصل لي بأنه لم يتم تجاوز التعثر الذي ينتاب هذا المسار على مدى ما يزيد عن سنة تقريباً".

في وقت ترى إثيوبيا أنّ السد هذا هو مسألة سيادية، ترى مصر أنه مسألة أمن قومي وعزة قومية

وبحسب شكري، فإن إثيوبيا والسودان ما يزالان يتحفّظان على التقرير المبدئي الذي أعده المكتب الاستشاري المتعاقد معه لإجراء الدراسات الفنية الخاصة بآثار سد النهضة.
وقال شكري: "هناك دائماً من قبل مصر استعداد ورغبة وكان هناك طرح لعدد من الأطروحات التي قد تؤدي إلى كسر هذا الجمود...الموضوع علمي، موضوع غير قابل للتأويل السياسي، ويجب الاعتماد على العلم والقبول بما يتم استخلاصه بوسائل علمية موضوعية بعيداً عن التحيز".
وكان شكري قد طالب أواخر الشهر الماضي بالإسراع بمفاوضات سد النهضة، بعد مرور أكثر من ثلاث سنوات على توقيع الدول الثلاث على إعلان المبادئ الخاص باستخدام مياه النيل الأزرق الذي يقام عليه السد.

ونص الإعلان الذي وقع في آذار (مارس) 2015 على ألا تعمل أي من الدول الثلاث على إلحاق ضرر كبير بإحداها أو اثنتين منها وأن تخفف هذا الضرر أو تنهيه إذا وقع بالفعل.
ومن المقرر، وفق شكري، أن تعقد الدول الثلاث اجتماعاً في 15 من الشهر الجاري، يضم وزراء الخارجية ووزراء الموارد المائية والري ورؤساء أجهزة المخابرات.
وفشل اجتماع مماثل عقد في الخرطوم في السادس من الشهر الماضي في الوصول إلى اتفاق حول الدراسات الفنية الخاصة بالسد والآثار المترتبة على إقامته.
مصر: السد مسألة أمن قومي
وفي وقت ترى إثيوبيا أنّ السد هذا هو مسألة سيادية، ترى مصر أنه مسألة أمن قومي وعزة قومية. فهي لطالما اعتبرت أنّ النيل يعود إليها، على رغم أنّ في وسع 7 دول المطالبة بحقوقها في أطول نهر في العالم، وهو الممتد على طول 6700 كلم. والملفت، وفق "لوفيغارو" أنّ مصر لم ترد على إعلان بدء العمل في سد النهضة. فهي كانت في خضم ثورة، وكان شاغل الحكومة تحديات الوضع السياسي، ولم تعترض على السد ولا سعت إلى تجييش داعميها. واليوم، تتمسك القاهرة باتفاق 1959 الذي يمنح مصر 55.5 بليون متر مكعب من المياه. ومع مرور الأعوام، وجدت القاهرة نفسها أمام أمر واقع مرير، وهي أمام خيارين: إما حل يبرم في مفاوضات دقيقة، وإما عملية عسكرية ثقيلة.
ويرى الخبراء أنّ الحل العسكري مستبعد اليوم، على رغم أن أنور السادات أعلن في 1978 أن مسألة المياه قد تحمله على شن حرب، وكان كلامه في مثابة تهديد للرئيس الإثيوبي حينها الذي كان يسعى إلى بناء سد على بحيرة تانا. ولكن اليوم، لا مؤشرات إلى صدام عسكري، على رغم أنّ التوترات لم تخمد، ولم تخبُ. ففي حزيران (يونيو) 2013، عقد اجتماع "وراء الأبواب المغلقة" لتناول مسألة السد مع الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي. غير أن الاجتماع هذا بُث مباشرة على التلفزيون، وسمع الناس على الملأ سياسيين يدعون إلى إرسال جنود إلى إثيوبيا- قوات خاصة أو تسليح متمردين محليين- ووصف هؤلاء المشروع بالمؤامرة الأمريكية والصهيونية. واضطرت القاهرة إلى الاعتذار، إثر موجة من الاستياء والاحتجاج على التلويح بحل عسكري.

لا شك في أنّ كعب أخيل سد النهضة هو أثره البيئي. فالنظام الإثيوبي يتستر على أثر السد في البيئة

وساهم وصول عبدالفتاح السيسي إلى سدة السلطة بعد أيام من الفضيحة هذه، في الحد من أضرار الاجتماع "السري". فالرئيس الجديد التزم التهدئة. وفي 2015، أُبرم اتفاق ثلاثي مع السودان وإثيوبيا. ولكنه لم ينته إلى شيء ملموس، ومع الوقت، خلصت القاهرة إلى أنه لم يكن في محله. وإلى اليوم، تتواصل المفاوضات، من دون أن تحرز تقدماً، ولكن جدران السد الإسمنتية تنتصب في الأثناء وترتفع أكثر فأكثر. ويبدو أن مصر تخوض معركة ديبلوماسية وتسعى إلى إرجاء موعد ملء خزان السد.
إثيوبيا تراهن على ارتفاع مستوى مياه السد
ولا تبدد إثيوبيا الغموض الذي يلف نواياها، وتراهن على ارتفاع مستوى مياه البحيرة ارتفاعاً سريعاً في 4 سنوات على أقل تقدير. بينما تقترح القاهرة إرجاء موعد ملء الخزان إلى ثماني سنوات أو عقد كامل، وتقول إنّ وتيرة أسرع في ملئه تخلف مخاطر متعاظمة على دول المنبع. لذا، تبحث عن حلفاء لها في المنطقة. ولكن طوق العزلة عليها مُحكم. فحليفها التقليدي، السودان، يميل إلى إثيوبيا. وتأمل الخرطوم وشركاتها في تنظيم السد دفق النهر من أجل تيسير عملية الري. وتريد السودان، كذلك، الاستفادة من فائض الإنتاج الكهربائي الذي تعد به أديس أبابا. ويبدو أن اتفاق 1959، على رغم أنه يعطي حصة وازنة من مياه النيل إلى السودان (18 في المئة)، لا يعتد به أمام بريق وعود الكهرباء في وقت تدعم دول مبادرة حوض النيل إثيوبيا.
وتعود المبادرة هذه إلى 1999، وهي تجمع 9 دول، ولكن مصر على رغم مشاركتها في المبادرة هذه، تقاطعها. والقاهرة تستند إلى معاهدة أسبق، معاهدة 1929. وحينها، تولت بريطانيا العظمى، القوة الاستعمارية، المفاوضة على المعاهدة هذه، فوقعت معظم الدول عليها. ولكن مع استقلالها، تخففت الدول هذه، أوغندا وكينيا على وجه التحديد، من الوعود البريطانية. ولا يخفى لدى أوغندا وكينيا أنّ مشكلة المياه، في ذروة النمو السكاني، حيوية. ويتوقع أن يبلغ عدد سكان حوض النيل في 2030 ضعفي ما كان عليه في العام 2000 (300 مليون نسمة). ولا تخفي دول مبادرة حوض النيل (السودان، وإثيوبيا، وكينيا، وأوغندا، ورواندا، وبوروندي، وتنزانيا، وجمهورية الكونغو الديموقراطية) انزعاجها من تطوير مصر أحادياً بنى تحتية خاصة بها على مجرى النهر، وعلى وجه التحديد سد أسوان في 1970. واليوم، أديس أبابا في موقع قوة، وتدعو إلى إدارة "منطقية" أو "عقلانية" للمياه، وتقول إنّ 80 في المئة من مياه النيل تتحدر من أراضيها. فإثيوبيا تزعم أن وزنها راجح في النيل، ولا تتستر على طموحاتها. وعدد سكانها يفوق اليوم عدد سكان مصر، واقتصادها أكثر دينامية. لذا، تحلم أديس أبابا بالارتقاء الى مصاف القوة الإقليمية الجديدة. وهذا الموقف أو الحلم يخرج مصر عن طورها.

تسلط الاحتجاجات الضوء على احتمال إخلاله بالنظام المائي في منطقة تشح فيها المياه

تغيير قواعد اللعبة

تقول راوية توفيق، وهي أكاديمية مصرية تعمل في ألمانيا: "يجري حالياً تغيير قواعد اللعبة تماماً. هناك نظام جديد يبدأ إرساؤه في المنطقة برمتها". وتضيف في تصريح لـ "بي بي سي" أنّ "إثيوبيا لأول مرة تجمع بين القوة المادية، باعتبارها دولة منبع، يمكنها بطريقة أو بأخرى التحكم في تدفقات النهر، وكذلك القوة الاقتصادية، بكونها قادرة على بناء سد اعتماداً على مواردها المحلية".
ولا شك في أنّ كعب أخيل سد النهضة هو أثره البيئي. فالنظام الإثيوبي يتستر على أثر السد في البيئة. وتعلن أديس أبابا أنها أجرت دراسات كثيرة عن أثره البيئي، ولكن الدراسات هذه سرية إلى حد بعيد. وتدور أسئلة كثيرة، ولو كانت تقنية، على متانة السد أو حجمه. وتسلط الاحتجاجات المقلقة الضوء على احتمال إخلاله بالنظام المائي الهش في منطقة تشح فيها المياه. وفي 2012، أبدت منظمة "أنترناشنل ريفرز" غير الحكومية القلق في تقرير مثير للجدل عن أثر سد النهضة في المناخ، في وقت يقول القائمون على المشروع هذا إنه، على خلاف ما يقال، يساهم في تقليص نسبة تبديد المياه، وخصوصاً في سد أسوان حيث نسبة تبخر المياه تبلغ 10 في المئة سنوياً. فمصر تستخدم 85 في المئة من الموارد المائية في القطاع الزراعي، وتبدد كميات كبيرة من المياه. ويرجح ديبلوماسي أن مثل هذا الاستخدام "المنفلت من عقال القيود والحساب للمياه هو أبرز مشكلة. وإذا لم تعالج المشكلة هذه، لم تنج المنطقة كلها من براثن التوتر".

اقرأ المزيد...

الوسوم: