هل يدعم استلهام "الإبراهيمية" حلّ الصراعات؟

هل يدعم استلهام "الإبراهيمية" حلّ الصراعات؟

مشاهدة

02/09/2020

جاء اختيار اسم الاتفاقية الموقعة بين الإمارات وإسرائيل برعاية الولايات المتحدة "اتفاق إبراهيم" على اعتبار أنّ إبراهيم، أبا الأنبياء عليه السلام، هو مظلة القيم الروحية المشتركة بين الأديان التوحيدية الثلاث: الإسلام والمسيحية واليهودية. فالإبراهيمية تعني محورية سيدنا إبراهيم عليه السلام لدى سكان المنطقة من أتباع الديانات السماوية، ومن شأن البحث عن المشترك بينها واستلهامه مجدداً من خلال جهود العلماء في إعادة تأويل النص الديني أن يُعزز فرص السلام والتآخي والتعايش والتعاون، ويقلّص القطيعة والتنافر وعوامل الصراع والشقاق، ويحضّ على إقامة العدل، وعلى رأس ذلك إقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية، ونيل الفلسطينيين استقلالهم وحريتهم من الاحتلال الإسرائيلي، ودعم حق تقريرمصيرهم الوطني.

للعائلة الإبراهيمية في الدين والتاريخ معنيان: أُسرة إبراهيم أبي الأنبياء عليه السلام المكوّنة من ولديه إسماعيل وإسحاق، والأسرة الإبراهيمية التي جاء نبي الله إبراهيم وتشمل الديانات التوحيدية الثلاث

لقد دعمت دولة الإمارات برعاية من "منتدى تعزيز السِلم في المجتمعات المسلمة" إعلان مراكش؛ الذي أصدره المنتدى في كانون الثاني (يناير) 2016 بمدينة مراكش في المملكة المغربية، وذلك بعد اجتماع أكثر من 300 شخصية من علماء المسلمين وممثلي الدول الإسلامية والطوائف الدينية والأديان المختلفة عبر العالم. واعتبر الإعلان خطوة نوعية في تقديم الصورة الحقيقية للإسلام.

وقد دعا إعلان مراكش إلى "المساواة بين جميع البشر بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية". هذا ينسجم مع تجربة دولة الإمارات في تنمية التسامح والعيش المشترك ووضع الأطر القانونية الكفيلة بحمايتها؛ مثل قانون مكافحة التمييز وخطاب الكراهية. وهو من جهة أخرى، جزء أساسي من دعوة الإمارات لتأسيس جبهة سلمية عالمية ضد الكراهية والإسلاموفوبيا، وصياغة تحالف إنساني عابر للدول ضد العنف والتشدد والتحريض، وعدم التساهل في محاربة الإرهاب.

اقرأ أيضاً: "بيت العائلة الإبراهيمية" رسالة تسامح إماراتية

ومع بدايات العام 2019 أصدر ولي عهد أبوظبي، الشيخ محمد بن زايد، توجيهات بتخصيص مساحة أرض في جزيرة السعديات في أبوظبي، وتشييد معلَم حضاري جديد يُطلق عليه اسم "بيت العائلة الإبراهيمية"؛ تخليداً لذكرى الزيارة التاريخية المشتركة في شباط (فبراير) 2019 بين فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، وقداسة البابا فرنسيس، بابا الكنيسة الكاثوليكية، لدولة الإمارات، وإطلاقهما من أبوظبي "وثيقة الأخوة الإنسانية".

العائلة الإبراهيمية

 ويرمز معلم "بيت العائلة الإبراهيمية" إلى حالة التعايش السلمي وواقع التآخي الإنساني الذي تعيشه مختلف الأعراق والجنسيات من أصحاب العقائد والأديان المتعددة في مجتمع الإمارات. كما أنّ هذا المعلَم يستقي نهجه من وثيقة الأخوة الإنسانية، التي بشّرت بعهد جديد للإنسانية، تتقارب فيه الشعوب والطوائف والأديان باختلافاتها وتنوعاتها. وسيكون الصرح الجديد حال اكتماله، أحد المعالم البارزة على مستوى دولة الإمارات والعالم؛ على حدٍّ سواء.

العلاّمة الشيخ عبد الله بن بيه: اليوم الذي ننبذ فيه جميعاً التصورات النمطية ومشاعر الكره لتجمعنا مشاعر الأخوة الإنسانية وحب الخير والصداقة، ذلك اليوم سيكون بحق يوماً مشرقاً في تاريخ الإنسانية

لقد استلهمت دولة الإمارات فكرة "الإبراهيمية" وتشييد "بيت العائلة الإبراهيمية" من قناعتها الراسخة بأنّ هذا هو صُلب المضمون الاعتقادي الواحد لأصحاب الديانات التوحيدية الكبرى الثلاث: الإسلام والمسيحية واليهودية، وهذا ليس معنى دخيلاً؛ بل ورد في القرآن الكريم ما يؤكد ذلك الإعلان الاعتقادي الواحد والشامل: "قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ"-سورة البقرة-الأية 136.

وبحسب باحثين في الإسلاميات (الدكتور رضوان السيد مثلاً) فإنّ للعائلة الإبراهيمية في الدين والتاريخ معنييْن: أُسرة إبراهيم أبي الأنبياء عليه السلام المكوّنة من ولديه إسماعيل وإسحاق، والأسرة الإبراهيمية التي جاء نبي الله إبراهيم وتشمل الديانات التوحيدية الثلاث: اليهودية والمسيحية والإسلام. وفي حين ما يزال اليهود يركّزون على البُعد النَسَبيّ للعائلة باعتبار أنهم وحدهم ينحدرون من إسحاق، فإنّ هذا البُعد بالذات، بحسب رضوان السيّد، تراجع اعتبارُه لدى المسيحيين والمسلمين لصالح البُعد الديني والإنساني للدعوة الإبراهيمية؛ لأنّ المواريث الروحية لإبراهيم عليه السلام هي الأولى بالتقدير.

اقرأ أيضاً: أبوظبي.. بيت العائلة الإبراهيمية

وقد جاء من ضمن مقررات في المجمع الفاتيكاني الثاني (1962-1965) أنّ المسلمين مثل المسيحيين واليهود يعبدون الإله الواحد، وينتسبون إلى إبراهيم، ويمارسون عباداتهم باسم الله الرحمن الرحيم. وتأخرت الكنائس البروتستانتية بعض الشيء، وفضّلت الحديث عن المشتركات دونما ذكر للنَسّب الديني الإبراهيمي، حتى حصل ذلك في تسعينات القرن العشرين.

غرفة العبادة متعددة الأديان

وإلى جانب ست غرف صلاة مخصصة للمسلمين المنتشرة في أنحاء مبنى مطارأبوظبي الدولي، فقد تم التدشين الرسمي لـ"غرفة العبادة متعددة الأديان" في صيف 2019 بالتزامن مع عام التسامح في الإمارات، بناءً على مقارنات معياريّة عالمية، ووفق ما تنص عليه اللوائح والقوانين المعمول بها في دولة الإمارات. وتم تصميم الغرفة، بحسب صحيفة "الاتحاد" الإماراتية، بعد القيام بدراسات مكثفة، أخذت في الاعتبار الشعائر التي تُمارسها مختلف الديانات، بما يسهم في نشر الوعي بين الجاليات الأخرى حول مفهوم التعايش والتسامح بين أفراد المجتمع. وتقول صحيفة "العرب" اللندنية إنها المبادرة الأولى من نوعها في العالم العربي. وقبل ذلك وفي حزيران (يونيو) العام 2017، أقر ولي عهد أبوظبي، الشيخ محمد بن زايد، إطلاق اسم مريم أم عيسى "عليهما السلام" على مسجد الشيخ محمد بن زايد في أبوظبي "ترسيخاً للصلات الإنسانية بين أتباع الديانات والقواسم المشتركة بين الأديان السماوية".

اقرأ أيضاً: "فرنسيس والطيب" وبيت العائلة الإبراهيمية

كما احتضنت أبوظبي نهاية العام 2018 ملتقى تحالف الأديان لأمن المجتمعات الذي ناقش التهديدات التي تتربص بالأطفال في عصر التقنيات الحديثة. وقبل ذلك انتظمت بدبي القمة العالمية للتسامح، التي تعد الحدث الأول من نوعه في العالم؛ حيث بحثت سبل إحلال السلام في العالم وترسيخ أرضية للتعايش بين مختلف الأديان، في ظل تطورات عالمية تتميز بالتوتر وانتشار الصراعات الطائفية والتطرف الذي يرتكز على الأسس العرقية أو الدينية.

 

 وتضيف صحيفة "العرب": شكلت القمة العالمية، التي شارك فيها صنّاع القرار وعلماء دين ومتخصصون في مجالات مختلفة من كل العالم، رسالة تخاطب إقليمي وعالمي موجهة إلى العالم الذي بات بحاجة إلى بث قيم التسامح. وناقشت القمة قضايا التسامح والسلام والتعدد الثقافي بين البشر في كل أنحاء العالم، وهي تكرّس إمكانياتها لإيجاد حلول لإنهاء الانقسامات والتطرف والطائفية.

حلف جديد

وفي 2017، دعا العلاّمة الشيخ عبد الله بن بيه، رئيس منتدى تعزيز السلم، إلى "حلف فضول جديد" للوئام والسلام السعيد بين الأديان، يستلهم جوهر الدين الصحيح في الديانات الإبراهيمية؛ لتحقيق التعايش السعيد بين الشعوب، وعمارة الأرض بقيم الخير والجمال، ونبذ الغلو والتطرف، وتبريد القلوب والعقول، ومسح تداعيات "الإسلاموفوبيا" و"معاداة السامية"، وكل أشكال التنابذ الديني والعرقي، مؤكداً، بحسب صحيفة "البيان" الإماراتية، أنّ "اليوم الذي ننبذ فيه جميعاً التصورات النمطية ومشاعر الكره لتجمعنا مشاعر الأخوة الإنسانية وحب الخير والصداقة، ذلك اليوم سيكون بحق يوماً مشرقاً في تاريخ الإنسانية".

الصفحة الرئيسية