هل ندرك حقاً الفرق بين التطرف والاعتدال؟‎

هل ندرك حقاً الفرق بين التطرف والاعتدال؟‎

مشاهدة

14/09/2019

يتكامل هذا المقال مع مقال "الاعتدال والتطرف: هل نعاني أزمة لغوية؟" محاولاً أن يتقدم خطوة إلى الأمام، وهي اقتراح مفاهيم عملية وتطبيقية قياسية لمنظومة الاعتدال والتطرف، وأن يجادل في علاقة جماعات الإسلام السياسي "السلمية" بالاعتدال والتطرف.

ما يلائم العلاقة بين الناس في تنوعهم واختلافهم الديني والثقافي والاجتماعي هو العيش معاً

في الإنتاج الفكري والعلمي (الغربي بالطبع) تستخدم مفاهيم التسامح أو المسامحة والتصالح أو المصالحة والتعايش أو العيش معاً والاعتدال والقسوة والتطرف للدلالة على معانٍ وتطبيقات مختلفة، وليس على سبيل المترادفات اللغوية. وعلى سبيل المثال فإنّ استخدام التسامح في سياق العلاقة الطيبة بين أهل الأديان ينشئ لبساً؛ بل ويعتبره البعض إساءة، وكثيراً ما سمعت اعتراضات من المسيحيين على استخدام المصطلح لوصف العلاقة بين المسلمين والمسيحيين؛ ذلك أنّ التسامح متصل بالعفو والمسامحة بحق المسيء وليس التواصل الاجتماعي أو العيش معاً، أو التعايش في ظل التنوع والاختلاف؛ فالتسامح يكون رداً على الإساءة. وأما الاختلاف والتنوع فيدار وينظم بالعيش معاً مختلفين ومتنوعين ومتقبلين لبعضنا بعضاً على أساس من التقبل والتفاعل بمعنى تبادل المعرفة والمهارات وأساليب الحياة والأفكار والثقافات،..  والواقع أنّ ما يلائم العلاقة بين الناس في تنوعهم واختلافهم الديني والثقافي والاجتماعي هو "العيش معاً" بمعنى التفاعل والتقبّل المتبادل دون شعور بالخطأ أو المسامحة.

التطرف بما هو أيديولوجيا يستند إلى قيم استبدادية لأنّه يرفض المختلف والآخر

نجد في مادة التطرف في قواميس اللغة العربية: تَطَرَّفت الناقة؛ أَي رَعَتْ أَطرافَ المرعى ولم تَخْتَلِطْ بالنوق، وفي الحديث النبوي "كان لا يَتَطَرَّفُ من البَوْلِ" أَي لا يَتباعَدُ من الطرَف: الناحية. وتَطَرَّف الشيءُ: صار طرَفاً. وتَطَرَّفَتِ الشمسُ: دَنَت للغروب؛ قال الشاعر: دَنا وقَرْنُ الشمس قد تَطَرَّفا.
وفي قاموس أكسفورد يأتي التطرف بمعنى الزيادة، وهو معنى ملائم لفهم التطرف، وربما يشبه أو يقابل مفهوم الغلوّ في التراث العربي والإسلامي، وفي القرآن الكريم "قل يا أهل الكتاب لا تغلو في دينكم" بمعنى الزيادة في الدين والتشدد على نحو غير صحيح، ويأتي الغلوّ في اللغة والتراث بمعنى مجاوزة الحد والإفراط، والحقد والكراهية "ونزعنا ما في صدورهم من غلّ"، والقيود "غلت أيديهم" وسوء الخلق، ومنه أيضاً الغلاء في الأسعار بمعنى الزيادة فيها، وغلت الدابة في سيرها؛ أي جاوزت حسن السير، وقال ذو الرمّة الشاعر: 
فما زالَ يَغْلُو حُبُّ مَيَّة عنْدَنا  ويَزْدادُ حتى لم نَجِدْ ما نَزِيدُها
ومن التعريفات التطبيقية للتطرف (مثل إعلان برشلونة) الأيديولوجيا أو الأفكار التي تعبر عن تطلعات سياسية أو اجتماعية أو دينية ترفض الوضع القائم، وحين يستخدم أصحاب هذه الأيديولوجيا العنف لأجل التغيير أو لتحقيق أفكارهم وتطلعاتهم يصبح هذا التطرف عنيفاً أو إرهابياً.

اقرأ أيضاً: الاعتدال والتطرف: هل نعاني أزمة لغوية؟
لكن، وفي جميع الأحوال فإنّ التطرف بما هو أيديولوجيا يستند إلى قيم استبدادية، ذلك أنّه يرفض المختلف والآخر، وفي ذلك فإنّه يولّد العنف والكراهية، وفي هذا التعريف تندرج (بالمفهوم الغربي طبعاً) الحركات والجماعات اليمينية واليسارية، والتي تتبنى أفكاراً ومطالب سياسية أو قومية أو دينية أو اجتماعية أو طبقية أو جنسانية (الجندر).
ويعرف خطاب الكراهية بالدعوة إلى الانحياز والتفضيل أو العداء والنفور على أساس الجنسية أو العرق أو الدين أو الإعاقة أو اللون أو أسلوب الحياة، وينبغي اعتبار خطاب الكراهية عمليات دعائية وعقائدية للحركات المتطرفة العنيفة

ينبغي اعتبار خطاب الكراهية عمليات دعائية وعقائدية للحركات المتطرفة العنيفة لإضفاء الشرعية على أيديولوجياتها العنيفة

من أجل إضفاء الشرعية على أيديولوجياتها العنيفة. وتُعرف جرائم الكراهية باعتبارها أعمالاً إجرامية تحرضها دوافع تعصبية والتي تحصل عندما يستهدف مرتكب الجريمة ضحية بسبب انتمائها إلى فئة اجتماعية معينة كالجنس أو الانتماء العرقي أو الإعاقة أو اللغة أو الدين أو الهوية.
ويمكن اقتراح تعريف التطرف الديني بأنّه فهم أو تطبيق الدين على نحو يتعدى الفرد والعلاقة بين الإنسان بما هو فرد وبين السماء، ورفض مبدأ أنّ الإنسان قادر وحده على معرفة وتنظيم حياته وتمييز الحق والخير والجمال، والعجز عن الاعتراف باحتمال خطأ الذات وصواب الآخر.

اقرأ أيضاً: اعتدال يجتث الغلو.. الإمارات تستعرض تجربتها في مكافحة التطرف بقمة أقدر
وعلى نحو عملي فإنّ التطرف الديني يعني ويشمل الدعوة إلى أو التطبيق العملي لتنظيم حياة الناس، وفهم عالمهم المشهود وفق الاعتقاد بأنّ ثمة حقاً نزل من السماء لأجل ذلك، وفرض أحكام وتطبيقات وقوانين وتشريعات وأنظمة عمل وحياة في تنظيم شؤون الناس والمجتمعات والدول على أنّها من الدين، ومحاسبتهم على عدم تطبيقها، وفرض اعتقادات وممارسات دينية على الناس أو محاسبتهم عليها وإكراههم على الترك أو الاعتقاد بمسائل دينية، وفرض محتوى ديني على الناس في المدارس والجامعات والمعابد ووسائل الإعلام، وتطبيق أو الدعوة إلى نظام ديني للحكم أو الاقتصاد أو البنوك أو التعليم أو الإعلام أو سائر شؤون الحياة  العملية والمشهودة، وتنظيم وتطبيق الأحوال الشخصية والمواريث والعقوبات وشؤون الأسرة بناء على أحكام وتعاليم دينية على نحو يتناقض مع المواطنة، والتمييز بين المواطنين على أساس الدين في الحقوق والمكاسب والتشريعات، والتدخل في تنظيم الشؤون الدينية والمعابد والتعليم الديني ومحاسبة المختلفين دينياً أو إكراه المواطنين والمقيمين على التزامات دينية أو تمييزية أو سلوكية مستمدة من الدين. وبناء مشاعر وأفكار ومعتقدات تمييزية سواء في التفضيل والانحياز أو الكراهية والاشمئزاز والرفض على أسس دينية، ومحاسبة الناس خارج القانون والمؤسسات القضائية وإيقاع الأذى والرعب، واستخدام العنف ضد أفراد أو مؤسسات أو جماعات.. وفي هذه الحالة يكون التطرف إرهاباً.

لا يمكن تمييز التطرف والاعتدال إلا في بيئة من الحرية التي تنظم الأفكار والاتجاهات والسياسات

سيكون تعريف الاعتدال مستمداً من تصورنا للتطرف، وفي اللغة فإنّ الاعتدال من العدل، وهو الصواب والاستقامة والحسن الجميل، وفي معجم لسان العرب: "كلُّ ما تَناسَبَ فقد اعْتَدَل؛ وكلُّ ما أَقَمْته فقد عَدَلْته."
وفي قاموس أكسفورد يأتي الاعتدال بمعنى تجنب الفائض أو التطرف، لا سيما في سلوك المرء أو آرائه  السياسية، وتقليل التطرف أو العنف، وفي ذلك فإنّ الاعتدال هو الأفكار والمواقف المستمدة من اجتهادات إنسانية وحرة، ليست يقينية، وتؤمن بتعدد الصواب واحتمالاته، ومظنة خطأ الذات وصواب الآخر. هكذا ولسوء حظنا؛ فإنه لا يمكن تمييز التطرف والاعتدال إلا في بيئة من الحرية التي تنظم الأفكار والاتجاهات والسياسات.
فالاعتدال منظومة واسعة، بعضها واضح وأكثرها خفيّ، مستمدة من "النسبية وعدم اليقين" التي تشكل العقل الحرّ والناقد والمتقبل للآراء والأفكار والمستعد للتغيير والمراجعة؛ لذلك فإنّ أفضل النصوص والأفكار المعتدلة والتنويرية إذا قدمت على أساس من الوصاية واحتكار الصواب والتعصب، فإنّها ستنشئ أيضاً الكراهية والتطرف، فلا فائدة أو أهمية لأن تُفرض أجمل الأفكار والمعاني على الناس فرضاً، أو تُلقن للتلاميذ بوصاية على عقولهم وضمائرهم وأرواحهم؛ الاعتدال -ببساطة- هو محصلة للحريات والإبداع.

الصفحة الرئيسية