
عندما أعلنت الولايات المتحدة في 13 كانون الثاني (يناير) 2026 إدراج جماعة الإخوان المسلمين في مصر، إلى جانب فرعيها في الأردن ولبنان، في قوائم الإرهاب، بدا القرار بالنسبة إلى الكثيرين تتويجًا لمسار بدأ قبل أكثر من عقد. وبعد ستة أشهر فقط، أضيف اسم محمود الإبياري، الأمين العام للتنظيم الدولي، إلى قوائم العقوبات الأمريكية، في أول استهداف مباشر لأعلى مسؤول إداري في الشبكة الدولية للجماعة. وبين القرارين، اتضح أنّ المقاربة الأمريكية لم تعد تقتصر على ملاحقة الأذرع المسلحة أو الشخصيات المتهمة بدعم العنف، وإنّما امتدت إلى البنية التنظيمية التي تدير الجماعة عبر الحدود.
عقد من الملاحقة الدولية
غير أنّ هذه القرارات لم تكن سوى الحلقة الأخيرة في سلسلة طويلة من الإجراءات الدولية. فمنذ كانون الأول (ديسمبر) 2013 صنفت مصر جماعة الإخوان تنظيمًا إرهابيًا، وأتبعت ذلك بحل التنظيم والتحفظ على مئات الكيانات الاقتصادية والجمعيات والمدارس والمستشفيات المرتبطة به عبر لجنة حصر وإدارة أموال الجماعة. وفي آذار (مارس) 2014 أدرجت السعودية الجماعة في قائمتها للتنظيمات الإرهابية، ثم لحقتها الإمارات والبحرين بإجراءات مماثلة، لتنتقل المواجهة من الإطار الأمني المحلي إلى نطاق إقليمي أوسع.
منحت فرنسا أجهزتها صلاحيات أوسع لمراقبة الجمعيات وتمويلها بعد إقرار قانون "تعزيز مبادئ الجمهورية".
أمّا في أوروبا، فقد اتخذت المواجهة شكلًا مختلفًا. فبريطانيا لم تذهب إلى تصنيف الجماعة تنظيمًا إرهابيًا، لكنّها أجرت عام 2015 مراجعة حكومية شاملة انتهت إلى أنّ الارتباط بجماعة الإخوان أو الترويج لإيديولوجيتها يمثل عاملًا يجب أخذه في الاعتبار عند تقييم قضايا التطرف والأمن القومي. وفي النمسا أطلقت السلطات عملية "لوكسور" في تشرين الثاني (نوفمبر) 2020، مستهدفة شبكات وشخصيات مرتبطة بالإسلام السياسي، بينما منحت فرنسا أجهزتها صلاحيات أوسع لمراقبة الجمعيات وتمويلها بعد إقرار قانون "تعزيز مبادئ الجمهورية" عام 2021. أمّا الأردن، فقد أنهى في نيسان (أبريل) 2025 الوجود القانوني للجماعة بحظر أنشطتها ومصادرة مقارها بعد اتهامات تتعلق بتهديد الأمن الوطني.
ويكشف هذا التسلسل الزمني أنّ العقوبات لم تعد قرارات منفصلة تصدرها دولة بعينها، بل أصبحت جزءًا من بيئة دولية أكثر تشددًا في التعامل مع التنظيمات العابرة للحدود. فمن الولايات المتحدة إلى أوروبا، ومن الشرق الأوسط إلى المؤسسات المالية الدولية، اتسعت دوائر الرقابة القانونية والمالية بصورة لم تعرفها الجماعة منذ تأسيسها عام 1928.
ويبرز المسار الأمريكي بوصفه المثال الأكثر وضوحًا على هذا التحول. ففي كانون الثاني (يناير) 2021 فرضت واشنطن عقوبات على قيادات من حركة "حسم"، بينهم يحيى موسى وعلاء السماحي، باعتبار الحركة تنظيمًا إرهابيًا مسؤولًا عن هجمات داخل مصر. وبعد خمس سنوات فقط انتقلت العقوبات إلى مستوى مختلف باستهداف قيادات التنظيم الدولي نفسه، وهو تطور يعكس تغيرًا في رؤية المؤسسات الأمريكية لطبيعة العلاقة بين الجماعة وبنيتها التنظيمية الدولية.
التنظيم الذي خرج من موجة الضغوط بين 2013 و2026 ليس هو التنظيم الذي دخلها؛ إذ أصبح أقلّ مركزية.
لكنّ السؤال الجوهري لا يتعلق بعدد القرارات أو الأسماء المدرجة في قوائم العقوبات، وإنّما بحصيلتها الفعلية. فبعد أكثر من عشر سنوات من الإدراجات والحظر والملاحقات، ما الذي تغير داخل جماعة الإخوان؟ وهل نجحت هذه الإجراءات في إضعاف التنظيم بالفعل، أم أنّها دفعت الجماعة فقط إلى تغيير أساليب عملها؟
الإجابة العملية تشير إلى أنّ العقوبات حققت نتائج ملموسة، لكنّها لم تحقق النتيجة النهائية التي سعت إليها بعض الحكومات. فمن الناحية التنظيمية، فقدت جماعة الإخوان كثيرًا من مقومات النموذج الذي بنته طوال عقود. فالتنظيم الذي كان يعتمد على قيادة مركزية، وشبكات مالية مستقرة، ومؤسسات معلنة، وجد نفسه مضطرًا إلى العمل في بيئة أكثر تعقيدًا، تتداخل فيها القيود القانونية مع الرقابة المالية والتعاون الأمني بين الدول.
المال... الحلقة الأكثر استهدافًا
ويظهر الأثر الأكبر في ملف التمويل، فمنذ عام 2012 أصدرت مجموعة العمل المالي FATF -هيئة حكومية دولية أُنشئت عام 1989 بمبادرة من قمة مجموعة الدول السبع (G7)، وتتولى وضع المعايير الدولية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وتمويل انتشار أسلحة الدمار الشامل- تحديثات متتالية لمعايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، توسعت بموجبها التزامات البنوك والمؤسسات المالية في تطبيق إجراءات "اعرف عميلك" ومراقبة التحويلات الدولية والإبلاغ عن المعاملات المشبوهة. ورغم أنّ هذه المعايير لا تستهدف جماعة الإخوان تحديدًا، فإنّها ضيقت المساحة المتاحة أمام أيّ شبكة تعتمد على التحويلات العابرة للحدود أو على الجمعيات والمنظمات غير الربحية في إدارة مواردها المالية. وأصبحت المؤسسات المصرفية أكثر تحفظًا فى التعامل مع الكيانات التى قد يترتب على التعامل معها مخاطر قانونية أو تنظيمية، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على تكلفة إدارة الأموال وحركتها.
ودفعت العقوبات الجماعة إلى خسارة جزء من بيئاتها التقليدية. ففي تركيا، التي مثلت بعد عام 2013 مركزًا رئيسيًا لعدد من قيادات الإخوان ومنصاتهم الإعلامية، فرضت التحولات السياسية والإقليمية منذ عام 2021 قيودًا متزايدة على النشاط الإعلامي للجماعة، وأوقفت أو عدلت بعض القنوات والمنصات خطابها، واضطر عدد من الإعلاميين والقيادات إلى الانتقال نحو عواصم أخرى في أوروبا أو خارجها. ولم يكن هذا الانتقال قرارًا تنظيميًا بقدر ما كان استجابة لواقع سياسي جديد فرضته حسابات الدول المضيفة.
فرضت التحولات السياسية والإقليمية منذ عام 2021 قيودًا متزايدة على النشاط الإعلامي للجماعة.
ويقدّم الأردن نموذجًا أكثر وضوحًا لنتائج المواجهة القانونية. فبعد سنوات من الجدل حول الوضع القانوني للجماعة، أعلنت الحكومة الأردنية في نيسان (أبريل) 2025 حظر جميع أنشطتها ومصادرة مقارها وأموالها ومنع الانتساب إليها. وأغلق القرار صفحة امتدت لعقود من العمل العلني، لكنّه لم يؤدِ إلى اختفاء الشبكات الاجتماعية أو الإعلامية المرتبطة بالجماعة، وهو ما يعكس الفارق بين إنهاء الكيان القانوني وإنهاء البنية التنظيمية أو الفكرية.
توسع الجماعة في استخدام المنصات الرقمية
فى المقابل، أظهرت الجماعة قدرة واضحة على إعادة ترتيب أدواتها. فبدلًا من الاعتماد على مؤسسة مركزية واحدة، توسعت في استخدام المنصات الرقمية، وازداد حضورها عبر تطبيقات مثل "تيليجرام"، بينما ظهرت مجموعات إعلامية ومبادرات تعمل بصورة أكثر استقلالًا، وهو ما جعل استهداف مؤسسة أو إغلاق مقر لا يعني بالضرورة توقف النشاط. لقد تغير شكل التنظيم أكثر ممّا انتهى وجوده.
وربما تكمن المفارقة في أنّ العقوبات غيرت طريقة عمل الإخوان أكثر ممّا أنهت وجودهم. فالتنظيم الذي خرج من موجة الضغوط بين 2013 و2026 ليس هو التنظيم الذي دخلها؛ إذ أصبح أقل مركزية، وأكثر اعتمادًا على الشبكات المرنة، وأوسع استخدامًا للأدوات الرقمية. ولذلك فإنّ تقييم نجاح العقوبات ينبغى ألّا يقاس بعدد الأسماء المدرجة في قوائم الإرهاب، بل بمدى قدرتها على تقليص النفوذ الفعلي للجماعة ومنعها من إعادة إنتاج نفسها في صور جديدة، وهو سؤال سيظل مفتوحًا أمام صناع القرار خلال السنوات المقبلة.
فالعقوبات نجحت في إضعاف جماعة الإخوان، لكنّها لم تنجح في إنهائها. وبين هاتين النتيجتين تكمن الحقيقة التي كشفتها السنوات الممتدة من 2013 إلى 2026: أنّ المواجهة مع التنظيمات العابرة للحدود لم تعد معركة لإسقاط تنظيم، بقدر ما أصبحت سباقًا مستمرًا بين قدرة الدول على تطوير أدواتها، وقدرة هذه التنظيمات على إعادة تشكيل نفسها كلما تغيرت قواعد اللعبة.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/05erlanger-superJumbo_0_0.jpg.webp?itok=-Tza18-v)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A_0_0_0_0.jpg.webp?itok=uJwkIJTA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8%D9%8A%D9%8A%D9%86_1_1.jpg.webp?itok=GITWNTHB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85_6_0_0_1_13_1_9.jpg.webp?itok=h5nc3PPx)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1000009697_0.jpg.webp?itok=JAIdHlpn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/454117_0.jpeg.webp?itok=ATRUKXbk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%88%D9%83%D9%84%20%D9%83%D8%B1%D9%85%D8%A7%D9%86%20%D8%AA%D8%AB%D9%8A%D8%B1%20%D9%85%D9%88%D8%AC%D8%A9%20%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%87%D8%AC%D8%A7%D9%86%20%D8%B9%D8%A8%D8%B1%20%D9%85%D9%88%D8%A7%D9%82%D8%B9%20%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%88%D8%A7%D8%B5%D9%84_0_0.jpg.webp?itok=-CP5rEqg)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_7_6_1.jpg.webp?itok=EtF2Zx6c)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/banna_9.jpg.webp?itok=7S1FOv5R)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_132_0_0_1_0.jpg.webp?itok=VZoZrpeR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A1_3_0_0_1.jpg.webp?itok=Le9yHjtD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/p5eBdKuvCLSeRkZOCHy4RYdCf6uEJ74ZewUOBrt6ckaacdMqpAi0w72HxxhAReOxHVqFCfNdbWC7oOaukx7_3I6UNDYpi_wtnRBocHrpEfHX2Fr2zNCD8t6ZEDEWs0-izLaNchlwIFztEXaech-DDzsNSXJUdxQk477vnouRDjeEG_d68RvcxI1sSIVL8XY1%20%281%29.jpg.webp?itok=OUOfR5gf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%A7_4_0_7_2.jpg.webp?itok=_dHBi_th)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%8A%D9%86%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D9%88%D9%87%D8%A7%D8%AA_1_8.jpg.webp?itok=rmi9eOjM)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/SNGZDFKJ2_9prgp7ql5B9129WyEmpUs-UKOADbixh_qXbiwowHq7ChMr4jRIS6ihFHxzpIG5kfBpOIdHtWgE9m_iB76kRJO-dkOJS_-G1Iqb3tVRXr2dpiBX0FqgsSuimkVnRsISBSGXXWdzCkaaX6BtrWdxUWEIJ8T5Te3-UXE7d85VNOKRdK7TVnjNv257.jpg.webp?itok=aZkbWm9D)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%8A%D8%B7%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7_11_1_10_2.jpg.webp?itok=IJzNphMU)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Q-eEQo-e5nHXh59BLAedIfYizSVuYuBTHRnfkZIx0Ui0qPldAUkbYNlWNh-4ozUox4mLdLugSTxOsQfowMzKHUshN15Ei793Wvn1gSOWT-0xpdHmYFueGYwY3n3gNQHlR1hbix8gX3y1CWx8ak1YOzJNu9PvgfmuKpoAb2KqHTuSpO4X20wtYu14wkKPlTEk%20%281%29.jpg.webp?itok=JB132jr9)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/cAxNXFonRdm5D_UzgtB6_froUEIOgm-gU3c94jT_V4OWU4eRQdztMPRWajcDXKngGxNCwGWguH5boGy-cIEcodFHKpUMgjvE9kr3MC_-6b5e_WAF50l7Zc-4hB9nkTTZCCWlJLRgFIgTEgOdVhJ_cxSmVZuhoWI54DrR5HPU3nmExuwojvcT2SgfA86PMfoq%20%281%29.jpg.webp?itok=Q-8ycNYU)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86_101_0_0_0.jpg.webp?itok=urBiYFyt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%B7%D8%A8_10_1_9.jpg.webp?itok=rD4NPNs8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/zHbVWfETFiJSZxbfHcBlWjcL9E61mEz1IkrAU5YATtBKQPF6Zh_HTjITn7JGMESGy_yk-BTRJUBrKnJCBLPmOiUUj1OHT9bCjvmNRauM-oyj3dxl-jdYEh8Qa9KS8wBHyBywBR2LPn56xv6dNBCxAhd90F8LeQAsl9u0PAPYpSnEgRpeSusFJ0WEyW_TQYS-.jpg.webp?itok=IcfUx6sJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

