هل لبنان مهدّد بالاختفاء؟

هل لبنان مهدّد بالاختفاء؟

مشاهدة

14/09/2020

ترجمة: مدني قصري

مع الأخذ في الاعتبار الإمكانات الثقافية والفنية للبنان، والتي يجب أن تضاف إليها الثروة البشرية للسكان ونوعية التعليم الجامعي، فإنّ المجتمع اللبناني لديه كل شيء حتى يستعيد توازنه، ولكن من الضروري الإسراع في إنهاء الانحرافات التي لوحظت في الطبقة الحاكمة. هذا ما يؤكده الصحفي المتخصص في شؤون الشرق الأوسط، كزافييه بارون.

لا يملك لبنان وسائل الانتعاش من تلقاء نفسه، فالأزمة عميقة للغاية؛ فهو لا يستطيع الاعتماد على طبقة سياسية تواصل تلاعباتها السياسية التقليدية، بينما تمرّ البلاد بمأساة كبيرة

يمر لبنان، بعد قرن من ولادته، بواحدة من أسوأ المحن، لأنّ النظام السياسي مسدود، والبلد يمر بأزمة اجتماعية واقتصادية ومالية عميقة، وقسم كبير من السكان فقدَ كلّ الثقة في طبقته الحاكمة. الدولة في حالة سيئة، ويعيش نصف السكان الآن تحت خط الفقر. ومع ذلك، فإنّ هذا البلد، من نواح كثيرة، استثناءٌ ملحوظ في منطقة تكتنفها صراعات متعددة.

لقد عرفت البلاد إلى حد كبير كيف تمارس التعايش بين الطوائف، وتمكنت من تجهيز نفسها بمنظمة سياسية تسمح لجميع الأطراف بالعيش جنباً إلى جنب، على الرغم من أن هذا النظام، وعمره قرنان من الزمان، يُظهر اليوم حدودَه، لأنه انحرف وتم تضليله، وسمح على مدى ثلاثين عاماً لطبقة سياسية بأكملها بخدمة مصالحها الخاصة قبل مصالح المواطنين. فهل لبنان مهدّد بالاختفاء أمام الشرور التي تحدق به، والتي لا يعرف القادة أو لا يريدون الردّ عليها؟ لقد أظهر التاريخ الطويل والحافل بالأحداث لهذه المنطقة أن لبنان يستطيع التغلب على الصعوبات ، لكن الوضع الحالي يُجهد ويضني قوّةَ البلاد.

اقرأ أيضاً: كيف نفسّر سياسات حزب الله في ضوء علاقته بالاقتصاد السياسي للبنان والشيعة؟

فالسكان الذين ما زالوا يتظاهرون، يُظهرون بأي حال من الأحوال، أنهم يهتمون ببلدهم، ويريدون رؤيته وهو يولَد أقوى من جديد. ومع ذلك، فإنّ الخطر كبير في أنه إذا لم يتم تطبيق معالجةٍ نشطة (اجتماعية واقتصادية ومالية على وجه الخصوص)، وإذا استمرت الطبقة السياسية في عدم اكتراثها بمصير السكان، وإذا لم يتم وضع حدّ سريع للانتهاكات الجسيمة التي لوحظت في حوكمة البلاد (الفساد والمحسوبية والنظام المصرفي وتنظيم الحياة اليومية)، فإنّ لبنان سيغرق في وضع يعرّض تماسك البلاد للخطر، مع المخاطر التي ينطوي عليها ذلك على السلم الأهلي.

اقرأ أيضاً: تركيا وإيران تنظمان اقتسامهما لمناطق النفوذ من العراق إلى سوريا ولبنان

أضف إلى ذلك أنّ ضعف لبنان في السنوات الأخيرة قد كلف ثمناً باهظاً انعكس سلباً على إشعاع البلد الذي كان في الشرق الأوسط بوتقة الإبداع الثقافي من جميع جوانبه، مع حرية نبرة غير مألوفة في أي مكان آخر في المنطقة. فهذا تقليد طويل انطلق خلال حركة النهضة العربية في نهاية القرن التاسع عشر، عندما كانت الإمبراطورية العثمانية تلفظ أنفاسها الأخيرة. واليوم، تعيش دورُ السينما والمسارح والمكتبات في وضعٍ صعب، رغم أنّ الفنانين اللبنانيين يواصلون الترويج للثقافة اللبنانية في العالم.

الصحافة اللبنانية، التي كانت تُقرأ على نطاق واسع، وكانت مطلوبة في جميع أنحاء الشرق الأوسط، نراها تكافح اليوم من أجل البقاء. لا شك أنه، بالنظر إلى الإمكانات الثقافية والفنية التي يمتلكها البلد، والتي يجب أن تضاف إليها الثروة البشرية للسكان، والتكوين الجامعي والمهني الذي توفره الجامعات والمعاهد المختلفة، يجب على المجتمع اللبناني أن يستعيد مكانته في المنطقة، ولكن شريطة أن يعود الاستقرار إلى البلاد، وإلا فإنّ آفة الهجرة التي تستمر في إفقار رأس المال البشري في البلاد ستستمر، ومعها سيستمر الشباب اللبناني، اليائس من عدم القدرة على التعبير عن مواهبهم في بلدهم، في التطلع إلى الخارج.

اقرأ أيضاً: لبنان.. واقعٌ معقّد واستحقاقاتٌ لا تنتظر

ومع ذلك، يجب ألا نتجاهل القدرة التي أظهرها اللبنانيون مراراً وتكراراً على الصمود في وجه الصعوبات، حتى في أسوأ الأوقات. إنّ ديناميكية الشباب اللبناني وظهور المجتمع المدني الذي يطوّر أعمال التضامن، ويهدف إلى إصلاح النظام السياسي والاجتماعي الذي يحكم البلاد، عواملُ تُظهر مدى عدم استسلام هذا المجتمع. بعد الانفجار الذي وقع في 4 آب ) أغسطس) في مرفأ بيروت، والذي خلف 180 قتيلاً، ودماراً في المدينة، بدأ السكان على الفور بالعمل وسط الأنقاض في مواجهة إهمال السلطة، والحال أنّ الجمعيات هي التي نظمت نجاة وبقاء السكان المتضررين، مع المساعدات الدولية التي أرسِلت إلى لبنان.

اقرأ أيضاً: لبنان بين العطار الفرنسي ودهر السلطة

لا يملك لبنان وسائل الانتعاش من تلقاء نفسه، فالأزمة عميقة للغاية وتطال الحياة الوطنية كافة. فهو لا يستطيع الاعتماد على طبقة سياسية تواصل تلاعباتها السياسية التقليدية، بينما تمرّ البلاد بمأساة كبيرة. لذا، فبدلاً من إحداث صدمة، فقد أعقبت انفجارَ الميناء أسابيعُ من المناقشات السياسية بين الأحزاب، فيما تفتقر الدولة المنكوبة إلى حكومة. جاء الزخم في الواقع من فرنسا، وهي صديقة تقليدية وحليفة للبلد الذي أنشأته قبل قرن من الزمان. كان من الأجدى أن يستولي الشعورُ بضرورة العجلة على العالم السياسي اللبناني، ولكن بما أنّ الأمر لم يكن كذلك، فإنّ الضغط الذي مارسه إيمانويل ماكرون جعل من الممكن دفع عجلة البحث عن حل للأزمة.

اقرأ أيضاً: لاجئون فلسطينيون في لبنان لـ "حفريات": الهجرة سبيلنا للكرامة

لم تكن هذه المهمة خالية من الانتقادات من جانب أولئك الذين وصفوها بأنها تدخّل في شؤون البلاد، ومن أولئك الذين توقّعوا تدخلاً أكثر قوّة. يمكن القول إنّ وضع اليد على اللعبة السياسية اللبنانية المعقّدة كانت جريئة، والنتيجة غير مؤكدة، لكن هل كان يُعقل السماح للبلاد بالغرق من دون أمل. لقد تبيّن أنه لا يمكن لأي دولة غير فرنسا أن تتدخل، بحكم علاقاتها التاريخية، ولأنها الدولة الوحيدة القادرة على مخاطبة جميع الأطراف اللبنانية، بما في ذلك الذين تُدينهم.

 بالنسبة للسكان المتظاهرين في الشوارع، لم يُلبِّ التدخل كل التوقعات، خاصة أنّ الرئيس الفرنسي يتناقش مع طبقة سياسية يُطالب السكان أصلا برحيلها، ولأنه أهمل مسألة تنظيم سريع للانتخابات التشريعية التي ينتظرها المتظاهرون بفارغ الصبر. ومع ذلك، ففي مواجهة رفض حزب الله تنظيم مثل هذه الانتخابات التي تخاطر بفقدان أغلبيته الحالية في البرلمان، لم يستطع إيمانويل ماكرون المخاطرة بصدامٍ لم يكن ليُغيّر الوضع على أي حال.

علينا أن ننتظر التطورات في الأسابيع المقبلة، لنرى ما إذا كان حزب الله سيفي بوعده، أم إذا كان الأمر يتعلق فقط بمجرد أقوال ظرفية مرتبطة بزيارة الرئيس الفرنسي

لأنّ تعافي الوضع يدور بشكل خاص حول حزب الله، الحزب الشيعي، السياسي والعسكري، الذي يمتلك بشكل غير قانوني ميليشيا قويّة مسلحة من قبل النظام الإيراني، والذي يتمتّع بقدرات تفوق قدرات الجيش الوطني.

 لقد تبنّى حزب الله نبرةً أكثر تصالحية في الأيام الأخيرة، مدّعيا أنه مستعد لإصلاحات عميقة، وقد أظهر نفسه منفتحًا على نظام سياسي غير طائفي. وقد تعهّد حزب الله أمام الرئيس الفرنسي بتسهيل تشكيل حكومة من الفنيين لن يطالب فيها بعد الآن بتولي الوزارات. أي أنه يضع مصالح اللبنانيين فوق مصالح تحالفه مع إيران. لكن هذا عكس ما فَعله حتى الآن، وعلينا أن ننتظر التطورات في الأسابيع المقبلة، لنرى ما إذا كان حزب الله سيفي بوعده، أم إذا كان الأمر يتعلق فقط بمجرد أقوال ظرفية مرتبطة بزيارة الرئيس الفرنسي.

مصدر الترجمة عن الفرنسية:

lefigaro.fr

الصفحة الرئيسية