هل عمل العقل السلفي على قمع الترجمة؟

هل عمل العقل السلفي على قمع الترجمة؟

مشاهدة

29/09/2021

رغم تقدُّم وتطوُّر الترجمة في العالم العربي، كَمّاً لا كيفاً، واهتمام عدد لا بأس به من المؤسسات الثقافية الحكومية والأهلية بصناعة الترجمة وتخصصاتها الكثيرة؛ الأدبية والعلمية والتكنولوجية والمعلوماتية، إلا أنّ حقل الترجمة عربياً، يعاني من مشكلات شتَّى، وعثرات متصاعدة، وعقباتٍ كثيرة تحول دون ما يمكن أن نطلق عليه ازدهار الترجمة في العالم العربي، بحيث تمثّل محوراً فاعلاً يمكِّننا من تحقيق تكافؤٍ حضاري وإنساني، بل تكافؤٍ كوني؛ يجعل ما يُسمّى بحوار الحضارات حقيقة، وليس مجرد مصطلحات أو كلمات تلوكها الألسنة دون أن يكون لها حضور قوي، ومظاهر مؤثّرة يتجلّى الحدّ الأدنى منها في احترام ثقافات الآخر، للوصول في نهاية المطاف إلى مشاركته معرفياً ووجدانياً وإنسانياً؛ لتحقيق سلام روحي، وتعاون خلاق، وانفتاح راقٍ، وفهم متبادَل بين شعوب العالم كله، وهذا هو جوهر الترجمة، بعيداً عن صورتها النمطية كوسيلة كلاسيكية لتبادل المعارف والعلوم.

يعاني حقل الترجمة من مشكلات شتّى وعثرات متصاعدة تحول دون ما يمكن أن نطلق عليه ازدهار الترجمة في العالم العربي

ولقصة الترجمة، بوجه عام، جذور موغلة في القِدَم، وقصة الترجمة عربياً ليست بمعزل عن الحضارات الإنسانية؛ منذ الانتقال المعرفي من الرواية والمشافهة إلى التدوين والكتابة، لتأتي الترجمة مرحلة تالية فرضتها ظروف اتساع المحيط العربي، وتمدُّد الدولة الإسلامية وانفتاحها على العالم، خصوصاً في العصر العباسي؛ الذي شهد في عهد الخليفة المأمون (170 - 218) تأسيس دار الحكمة، التي اضطلعت بمهام رسمية وأوامر مباشرة من الخليفة نفسِه؛ لترجمة العلوم والفنون والمعارف اليونانية والفارسية والهندية إلى اللغة العربية، وفق مقاييس وشروط علمية تنبّه إليها السابقون؛ حتى تكون الترجمة معبِّرة عن روح وخصوصية اللغة الأصلية، فتحظى بالقبول والفهم والاستنباط المعرفي المثمر، الأمر الذي جعل من الترجمة في ذلك الوقت صناعة وحرفة وإبداعاً، يوازي إبداع الأصل المترجَم ذاته، فجاءت النهضة الغربية مرتبطة بنهضة الترجمة العربية وازدهارها، وهو أمر لم يجحده الغربيون أنفسهم، فممّا هو معلوم أنّ النهضة الأوروبية التي أخرجت الغرب من حقبة القرون الوسطى المظلمة تدين إلى ترجمة الكتب العربية والكتب اليونانية إلى اللاتينية، من خلال مترجمين عرب ويهود، إلا أنّ الترجمة الآن تواجه مأزق الفاعلية ومواكبة التغيرات العالمية الكبرى، والمساهمة، أفقياً ورأسياً، في بناء الإنسان العربي عقلياً وروحياً وإنسانياً، وتلاقح معارفه على عمومها بالمعارف الأجنبية المختلفة، ولعلّ هذا المأزق حالة مكررة من مأزق قمعها؛ ابتداءً من القرن الخامس الهجري، بعد إقصاء الفكر المعتزلي ومحاصرة العقلانية العربية إبان الانقلابيّن المتوكلي (232- 247) والقادري (380- 422)، بعد ازدهارها في عصر الخليفة المأمون، وهو ازدهار شهد تلاقُحاً بين الفكر العقلي المعتزلي والفكر اليوناني، وهو ما يؤكد أنّ انحطاط صناعة الترجمة بعد ذلك، لا سيما بين القرنين الخامس والثاني عشر للهجرة، كان بسبب سيادة العقل السلفي المتشدد، الذي يرفض الانفتاح على الآخر.

انحطاط صناعة الترجمة بين القرنين الخامس والثاني عشر للهجرة كان بسبب سيادة العقل السلفي المتشدد الذي يرفض الانفتاح على الآخر

ويواجه حقل الترجمة العربية اليوم، عدة مشكلات يتعلق أهمها بمدى قدرة الثقافة العربية بعمومها على التخلّي عن دور المتلقي، والولوج إلى الفاعلية المعرفية؛ التي تمكّن العرب من التعبير عن أنفسهم ووجودهم وهويتهم وثقافتهم بطرق تعبّر عن صورتهم أمام العالم، وتحرير الصورة النمطية المعروفة عنهم من جميع السلبيات التي أضحت جزءاً لا يتجزأ من شخصية الإنسان العربي أمام العالم، ولن يتأتّى ذلك إلا بتكريس الموارد والجهود المختلفة والمساهمات الفكرية اللائقة، من خلال ترجمة المعارف العربية، وقضايا المجتمع العربي إلى لغات مختلفة، لتعريف العالم بالحضارة والثقافة والهوية العربية التي تميّعت وتلاشت بفعل عوامل كثيرة؛ سياسية واجتماعية وثقافية واقتصادية، حيث باتت ترجمة تلك المعارف والقضايا مسألة ضرورية من أجل إنعاش الثقافة العربية، وتصويب الصورة المشوشة التي تلاحق تلك الثقافة، وهذا بالطبع لا يجعلنا نتعامى عن حقيقة أنّ إنتاجنا الثقافي والعلمي لا يؤهلنا إلى تحقيق ذلك الأمر، لكنه يشير إلى ضرورة الاهتمام بتعزيز وتنمية هذا الإنتاج.

الترجمة في الوطن العربي تعاني من أزمة حقيقية تتشابك مع أزمات المثقف العربي خصوصاً وأزمات الثقافة العربية عموماً

ولا نبالغ إذا ذهبنا إلى أنّ الترجمة في الوطن العربي تعاني من أزمة حقيقية تتشابك مع أزمة، بل أزمات المثقف العربي خصوصاً، وأزمات الثقافة العربية عموماً، ولن نستطيع أن نُحمِّل المترجم العربي مسؤولية الأمر؛ فالترجمة ليست صناعة ثقافية سهلة، وليست مجرد عمل آلي يتقنه كل من تفوق في إحدى اللغات، بل هي عمل إبداعي يوازي عمل الكاتب نفسه، إذ إنّ المترجِم يعيد صياغة الإبداع في لغة غير لغته، ما يعني أنّه يضع نصّاً يقترب بشدة من روح النص الأصلي، وهذا ليس ميسوراً إلا للمترجمين المثقفين المؤهلين لغوياً ومعرفياً لإتمام هذا الأمر، وفي المقابل فإنّ مردود الترجمة قليل للغاية، وهذه إحدى أهم المشكلات التي يواجهها حقل الترجمة عربياً، بصرف النظر عن وجود بعض المؤسسات الحكومية أو الأهلية التي تقدِّر جهود المترجمين وإتقانهم، ولا بدّ هنا من الإشارة والإشادة بالمركز القومي للترجمة التابع لوزارة الثقافة المصرية الذي تأسَّس عام 2006، كامتداد للمشروع القومي للترجمة، الذي بدأ نشاطه عام 1996 كأحد لجان المجلس الأعلى للثقافة، فأصدر أكثر من 3000 عنوان مترجم عن 35 لغة عالمية، بالإضافة إلى مشروع "كلمة"، وهو مبادرة كان قد أطلقها الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبو ظبي، عام 2007، بهدف إحياء وتعزيز حركة الترجمة في العالم العربي، فتُرجم من خلاله ما يزيد عن 700 عنوان، عن أكثر من 13 لغة عالمية.

اقرأ أيضاً: ما دلالات رداءة الترجمة العربية لوثيقة "صفقة القرن"؟
لكنّ هذا كله لا يؤسس لصناعة الترجمة في العالم العربي كما ينبغي لها أن تُؤسَّس؛ إذ ليس من المعقول أن يكون متوسط عدد الكتب المترجَمة نحو 4.4 كتاب لكل مليون من سكان الوطن العربي، كما ليس من المعقول ألّا نلتفت إلى أهمية ترجمة ثقافتنا ومعارفنا العقلانية المنفتحة على الآخر باللغات المختلفة؛ لتصحيح صورة العربي أمام العالم.

الصفحة الرئيسية