هل عارض الفقهاء اختطاف السياسة للدين؟

هل عارض الفقهاء اختطاف السياسة للدين؟

مشاهدة

16/02/2020

من ضمن ما قاله شيخ الأزهر في حواره مع رئيس جامعة القاهرة الدكتور محمد عثمان الخشت في ختام مؤتمر الأزهر العالمي للتجديد في الفكر الإسلامي في 28 كانون الثاني (يناير) الماضي، أنّ السياسة تختطف الدين، وضرب مثلاً بالحروب الصليبية من ناحية، وبالتوظيف الصهيوني للتوراة في قيام "دولة اسرائيل"، ولكن الإمام لم يتطرق إلى هذا الأمر عبر تاريخ الإسلام بمباركة الفقهاء ومؤازرتهم، والسؤال: ألم يمارس الإمام -وهو صاحب سلطة روحية- السياسة؟ ألم يمارس أصحاب السلطة الروحية بالأزهر السياسة عبر تاريخهم؟ وكيف اختطفت السياسة الدين عبر التاريخ الحضاري للإسلام؟

اقرأ أيضاً: حوار الطيب والخشت.. أي إصلاح ديني نريد؟
في البدء نقول إنّ فضيلة الإمام منذ أن جاء إلى مشيخة الأزهر في العام 2010 لم يقف دوره على حدود سلطته الروحية، بل وقبل ذلك وأثناء تولّيه رئاسة جامعة الأزهر في العام 2006 وقف بحزم ضد طلاب الإخوان حين قاموا بعمل عرض عسكري في المدينة الجامعية رافضاً اختطاف الجماعة للجامعة، وتصدى لتوغل السلفيين داخل الأزهر، وكان الشيخ الطيب عضواً في لجنة السياسات في الحزب الوطني -وهو رئيس جامعة الأزهر- بما يعني مباركته للسلطة الزمنية في تلك الفترة، واستقال منها فور تولّيه مشيخة الأزهر.

قال فضيلة الإمام إنّ السياسة تختطف الدين، فماذا فعل الأزهر تجاه بعض رموزه حين نادوا بفصلهما؟

وبعد مرور عقد كامل على تولّيه مشيخة الأزهر، كان للإمام فيه دور مركزي في الأحداث التي عصفت بمصر منذ كانون الثاني (يناير) 2011، تعرض الشيخ لضغوط جعلته يقدم استقالته للمشير طنطاوي في شباط (فبراير) 2011 الذي رفضها بدوره مؤكداً له أنّ البلاد تمرّ بمرحلة صعبة.
ويقول الأستاذ حلمي النمنم في كتابه (الأزهر: الشيخ والمشيخة) إنّ التيارات العلمانية والليبرالية قد رَجَته التدخل في الجدل الدائر ليوقف جموح السلفيين، واتجه الجميع إلى الأزهر ابتداء من محمد بديع مرشد الإخوان حتى نجيب ساويرس رئيس حزب المصريين الأحرار، واجتمعت التيارات السياسية بالأزهر، والتي انتهت بإعلان شيخ الأزهر (وثيقة الأزهر) في حزيران (يونيو) 2011، وقد تخوّف بعض المثقفين من الدور السياسي الذي يلعبه الأزهر، وأنّ المؤسسات الدينية لا شأن لها بالسياسة، وأنّ الدور السياسي للأزهر يفتح الباب أمام قيام دولة دينية.
وخلال تولّي الإخوان حكم مصر كان الشيخ هو الشوكة التي تقف في حلق الإخوان ضد رغبتهم في اختطاف الأزهر والسيطرة عليه، وحين ثار الشعب على حكم الإخوان في 30 حزيران (يونيو) 2013، خرج الإمام ليطلب من سلطة الإخوان ضرورة إجراء انتخابات مبكرة درءاً للضرر، وحقناً للصراع الدائر.

اقرأ أيضاً: هل الحاجة ملحّة إلى تجديد العلوم الإسلامية؟
ولما لبي وزير الدفاع، آنذاك، عبد الفتاح السيسي رغبة الجماهير في بيان 3 تموز (يوليو) 2013، كان الإمام والبابا تواضرس في خلفية إلقاء وزير الدفاع للبيان، بما يعني مؤازرة السلطة الروحية لدى المسلمين والمسيحيين لقرار وزير الدفاع، نزولاً على رغبة حشود الشعب المصري التي نزلت تطالب بخلع الإخوان من السلطة، وقد أحبّه المصريون، وقدّروا دوره التاريخي الذي زاده مهابة في عيونهم في فترة عصيبة من تاريخ مصر المعاصر.

لعب الأزهر دور سياسياً مهماً خاصة في تاريخ مصر الحديث وهو تاريخ معادل للدور الروحي والديني له

لم يكن موقف الإمام منفصلاً عن الدور السياسي للأزهر عبر تاريخه الحديث، وخاصة في لحظات الخطر التي مرت بها مصر؛ فسيظل التاريخ يذكر للأزهر الدور التاريخي الذي قام به شيخه عبد الله الشرقاوي وعلماء الأزهر وطلابه في مواجهة الحملة الفرنسية علي مصر، حيث قتل ثلاثة عشر عالماً من علماء الأزهر والمئات من طلابه في مواجهة الفرنسيين، ويوثق عبدالعزيز الشناوي في كتابه (تاريخ الجامع الأزهر) هذا الدور الوطني، وبعد ذلك دورهم التاريخي في تنصيب محمد علي حكم مصر العام 1805.
ووقف علماء الأزهر بجانب ثورة عرابي على الخديوي توفيق، وساندوه ضد الإنجليز وكان من نتائج ذلك نفي الإمام محمد عبده إلى بيروت العام 1882، كما خرج علماء الأزهر وطلابه مشاركين جموع المصريين في ثورة 1919، فيحق لنا أن نكتب عن أهمية الدور السياسي الذي لعبه الأزهر خاصة في تاريخ مصر الحديث، وهو تاريخ معادل للدور الروحي والديني له.

اقرأ أيضاً: هل نتنصّل من مسؤوليتنا باسم القضاء والقدر؟‎
ورداً على حديث الإمام عن اختطاف السياسة للدين، نقول له لقد تعلمنا أنّ الإسلام عقيدة وسياسة، وأنّ الإسلام دين لتدبير الجماعة، وليس مجرد دين للحياة الروحية الفردية، ولذا حق لنا أن نتحدث عن اختطاف السياسة للدين عبر تاريخه، فمنذ الصراع السياسي بين علي ومعاوية، رضي الله عنهما، في (الفتنة الكبرى) على السلطة، وُظّف الدين بين المتصارعين، واختطف كل فريق من المتنازعين الإسلام كدين كل برؤيته الخاصة فتفرق المسلمون فرقاً ومذاهب سياسية، ولكنها اصطبغت بالصبغة الدينية لتكسي وجودها قداسة خاصة.

كان لتوحد السلطة الدينية والزمنية آثار وخيمة من العنف والدماء عبر تاريخ الدولة الإسلامية

وحين تولي الأمويون مقاليد الحكم، وظّفوا الديني لاستمرار الحكم في نسل بني أمية، فكان معاوية يقول "لقد جئنا بقضاء الله وقدره، ولو رأى الله أننا لسنا أهلاً له ما ولّانا إياه"، وحين تحدث عن خلافة يزيد ابنه له كان يقول للمسلمين "إن أمر يزيد من قدر من الله"، فوظفت السياسة عقائد المسلمين في الإيمان بالقدر لتبرير مشروعية وجودها، وتبرير استمرار الخلافة في نسل بني أمية.
وأما عن استخدام الأمويين للسيف والعنف فهو تاريخ أسود في قتل حفيد الرسول الحسين بن علي، رضي الله عنهما، وفصل رأسه عن جسده، وقتل معظم نسل علي بن أبى طالب، رضي الله عنه، وقتل عبدالله بن الزبير، رضي الله عنه، وهُدمت الكعبة على يد الحجاج بن يوسف، وأخطر ما فعلته الدولة الأموية هو قتل المعارضين السياسيين لها من أتباع القدرية والجهمية الأوائل، من أمثال سعيد بن جبير، وغيلان الدمشقي، وعمر المقصوص، وجعد بن درهم، ولم تقل السلطة السياسية أنهم كانوا معارضين سياسيين لها، بل أفتى لهم فقهاء العصر بأنّ هؤلاء كَفَرة لأنهم يقولون بخلق القرآن الكريم، فحين خرج خالد بن عبد الله القسري على المنبر يوم عيد الأضحى قال للناس ضحّوا فإني مضحٍّ بالجعد بن درهم الذي زعم أن الله لم يكلم موسى تكليماً وقتله، فكانت السياسة تقتل المعارضين بفتوى الفقهاء ورجال الدين، وكانت السياسة تحتمي بهم.

اقرأ أيضاً: هل أفرغ الفقهاء الشعائر الدينية من بعدها الروحي والاجتماعي؟
وحين سقطت الدولة الأموية على يد العباسيين كانوا يقتلون الأمويين ويُمثلون بجثثهم، وينبشون قبورهم، ومتى استقر الأمر للعباسيين تم اعتماد نمط خلافة جديد، وهو أنّ الخليفة ظلّ الله في الأرض، ودونت كتب الفقه السياسي في الإسلام أنّ "الإمامة هي خلافة رسول الله في سياسة الدنيا وحراسة الدين"، ليصبح لدينا خليفة للمسلمين في يده السلطتان؛ السياسية والروحية، فهو الواسطة بين السماء والأرض، وأضفى الفقهاء على السلطان خصائص السمات الإلهية، ليسود الحكم الثيوقراطي المستبد الذي لا يقبل المعارضة، واعتمد الفقهاء على الموروث الثقافي الفارسي في صياغته، ونَظروا لنمط الحكم الاستبدادي، وصوّروا الخليفة على أنّه من طينة غير طينة البشر، فحين كانت السياسة تختطف الدين لم تفعل ذلك إلا بمباركة الفقهاء وبشرائح من علماء الدين، فلم يكن ثمة انفصال بين إرادة السلطة الزمنية ومساندة السلطة الروحية في ترسيخ الاستبداد والعنف في تاريخ الإسلام.
واضطهدت السياسة العلماء والفلاسفة والمتصوفة وبعض المتكلمين وقتلت ابن المقفع والحلاج والسهروردي، وغيرهم وأحرقت كتب ابن رشد لم تفعل ذلك إلا بمباركة الفقهاء وفتاواهم ضد هؤلاء الذين رأى الفقهاء أنّهم يهددون سلطتهم في المجتمع.

حين كانت السياسة تختطف الدين لم تفعل ذلك إلا بمباركة الفقهاء وبشرائح من علماء الدين

ومن أبرز الوقائع شديدة الدلالة على اتحاد السلطة الزمنية بالسلطة الروحية في الإسلام ما يرويه عبد العزيز الشناوي في كتابه الذي ذكرناه، إذ يقول: في عام 1788 تمرد بعض المماليك بقيادة إبراهيم باشا ومراد باشا، فدعا عابدي باشا الوالي العثماني شيخ الأزهر الشيخ العروسي أن يصدر فتوى من علماء الأزهر تجيز قتل هؤلاء المماليك، فعُقد مجلس علماء الأزهر برئاسة الشيخ العروسي، وأصدروا الفتوى بأنه يجوز قتلهم ويجب على كل مسلم المساعدة"!
وختاماً نقول لفضيلة الإمام وأنت تقول إنّ السياسة تختطف الدين، فماذا فعل الأزهر في بعض رموزه حين نادوا بفصل السلطة الزمنية عن السلطة الروحية؟ ألم تجتمع هيئة كبار العلماء برئاسة شيخ الأزهر لكي تخرج الشيخ علي عبدالرازق من زمرة العلماء، وماذا فعلتم مع خالد محمد خالد حين كتب (من هنا نبدأ) فتصدى بالرد عليه الشيخ محمد الغزالي الذي أفتى بِردّة فرج فودة عن الإسلام مما أحل دمه وقتله على يد أحد المتطرفين.
ومن ثم فحين يقول فضيلة الإمام إنّ السياسة اختطفت الدين نقول له علينا أن نرجع لتاريخ الإسلام حتى نرى كيف ساعد الفقهاء ورجال الدين على هذا الفعل، وكيف كان في توحد السلطة الدينية والزمنية آثار وخيمة من العنف والدماء عبر تاريخ الدولة الإسلامية.

الصفحة الرئيسية