هل ظلمت السينما المصرية النساء؟

هل ظلمت السينما المصرية النساء؟

مشاهدة

06/03/2018

الرهانات التي حملها الفن السابع لجهة إشاعة الجمال، لم تأت بالنتائج المتوقعة، لجهة إنصاف النساء، فبدت "سينما الرجل" ظالمة للنساء ومبشّرة بعهد ذكوري مستبد.

فرغم المشكلات الاجتماعية الكبيرة التي تعاني منها المرأة في العديد من المجتمعات، إلّا أنّ السينما، ولعقود طويلة، استخدمت المرأة أداة لجذب المشاهد لهذا الجسد الأنثوي وسيلة إغراء، ولم تتطرّق لأبعد من ذلك.

في مقابل "سينما الرجل"، انبثق مصطلح "سينما المرأة" ويعني العمل السينمائي الذي يتناول أحاسيس المرأة ومشاعرها، انفعالاتها وتطلعاتها، ويتناول القضية المحورية التي تعاني منها النساء في العالم، وهي قضية التهميش.

سلعة رائجة

"الرجل يمثّل، أمّا المرأة فتظهر" قالها المخرج العالمي مارتن سكورسيزي.

وباعتبار السينما مرآة للمجتمع وظلّاً للشعوب، فإنّ تناول السينما لقضايا المرأة كان انعكاساً واضحاً لنظرة المجتمع إليها، التي اقتصرت على كونها مجرد أداة وبضاعة لترويج المنتج السينمائي، فتظهر المرأة في مشاهد الإغراء، أو مشاهد استعراضية، في إشارة لدور المرأة في السينما الذي يُعدّ ثانوياً، كما هو دورها في المجتمع، وهو ما رسّخته السينما العربية (المصرية بخاصة) والعالمية، على حد سواء عبر عقود، وفق ما خلصت إليه نتائج رسالة ماجستير للباحثة "إحسان عبد المجيد"، ناقشت فيها تناول السينما المصرية لقضايا المرأة، مركّزة على قصور الأفلام السينمائية في طرح صور المرأة وتجسيدها، وحصرها في نماذج متشابهة هدفها دائماً مداعبة غرائز الجمهور وإثارته، مثل: المرأة الراقصة، واللعوب، والمستهترة، غياب قضايا المرأة الكادحة، والتركيز على المرأة العصرية، دون التعرض للأبعاد الإنسانية الحقيقية لواقعها المرير، وتسطيح دور المرأة في الحياة.

سينما المرأة مصطلح  في مقابل سينما الرجل يتناول القضية المحورية التي تعاني منها النساء وهي التهميش

تميزّت كلّ حقبة زمنية بإنتاج سينمائي يُحاكي طبيعة الظروف الاجتماعية التي تمرّ بها البلاد، التي ترصد أوضاع النساء، وهذا ما أكّدته الكاتبة ماجدة خير الله؛ حيث أوضحت بأنه "منذ نشأة السينما، كان وما زال للمرأة دور أساسي بها، سواء على مستوى السينما العالمية بشكل عام، أو على مستوى السينما المصرية، بشكل خاص، هذا ما يدفعنا إلى التساؤل: هل نجحت السينما في توظيف العنصر النسائي لعرض مشكلات المرأة، الشخصية والاجتماعية، والأخذ بيدها، والإفادة منها ومن نشاطها، سواء في الريف أو الحضر؟

وللإجابة عن هذا السؤال؛ ينبغي لنا رصد التحولات المختلفة في السينما واتجاهاتها، ورصدها لمختلف مشكلات المرأة، وهذا التغيّر يأتي انعكاساً لتغير اجتماعي على أرض الواقع، صاحبه تغيّر في منظور السينما للمرأة وتناول قضاياها، وأكبر تحوّل شهدته السينما في مصر الذي صاحب ثورة يوليو؛ حيث انفتحت النساء على كلّ جوانب الحياة، وهو ما ناقشته السينما بشكل تقدمي سابق لعصره، مثل فيلم "مراتي مدير عام"، والعديد من أفلام حقبة الستينيات".

تظهر المرأة في مشاهد إغراء أو استعراضية في إشارة لدور المرأة في السينما الذي يُعدّ ثانوياً كما في المجتمع

انقلاب نسائي

"كرهت أن يكون التعامل معي لمجرد أنّني شكل أو صورة جميلة، لقد كرهت حبّهم لجمالي، وعدم احترامهم لعقلي، فقرّرت أن أحطم قيودي، وأقف خلف الكاميرا أعبّر عن المرأة". كلمات غاضبة أطلقتها المخرجة الألمانية "ماي زيترلنج"، أحد أشهر المخرجات في أوروبا، لتعبّر عن غضبها تجاه تلك النظرة الدونية التي ينظر بها المجتمع إلى المرأة، حتى على الشاشة.

أفقدت تلك النظرة السينما رسالتها في تغيير المجتمع؛ بل عملت على ترسيخ تلك النظرة الدونية للمرأة، ومن هنا ظهر جيل جديد من النساء المدافعات عن أنفسهن عبر الشاشة، وتمكين جديد للنساء في مجال ظنّ كثيرين أنّه حكر على الرّجال، فكانت عشرينيات القرن الماضي، ثورة نسائية سينمائية من الدرجة الأولى؛ حيث ظهر جيل جديد من المخرجات النساء في أوروبا، ومصر.

في مطلع عشرينيات القرن الماضي، اقتحمت المخرجة المصرية، عزيزة أمير، مجال السينما، ونافست الرجال، وأطلّت على العالم بفيلمها الأوّل "ليلى"، عام 1927؛ ففتحت الباب أمام آسيا داغر، وفاطمة رشدي، والأجيال التالية. لكن ظلّ عدد المخرجات في مصر، حتى مطلع السبعينيات، لا يتجاوز 12 مخرجة، إلى جانب 130 مخرج من الرّجال.

المخرجة المصرية، كاملة أبو ذكري

كاملة أبو ذكري

وقدّمت المخرجة المصرية، كاملة أبو ذكري، أعمالاً عديدة تناقش قضايا المرأة المصرية، كان آخرها فيلم "يوم للستات"، و"سجن النساء"، أوضحت فيهما أنّ المخرجات في مصر والوطن العربي يواجهن تحديات كبيرة في سبيل إنجاز أعمالهن: "لا يُغامر المنتجون، بتقديم مخرجات لأسباب اجتماعية متخلّفة، تتضمن نظرة الرجل الشرقي للمرأة عموماً، بالتالي، رفضه العمل تحت إمرة "مخرجة"، وهو ما يعرّضه للسخرية، وهذه نظرة الرجل الفنان، فما بالنا بعامة الناس".

70% من أفلام السينما المصرية، قدمت صورة دونية للمرأة، وجعلتها حاملة الخراب للعالم وجالبة العار

حتى وإن وجِدت الفرصة لدى المخرجات لرصد قضايا المرأة، فبأيّة طريقة يُعالجنها؟ هذا ما تساءل عنه الناقد الراحل سمير فريد، في كتابه "المخرجات في السينما العربية"، الذي أرّخ فيه للصراع الذي تواجهه المرأة في مجال السينما، سواء على الشاشة أو خلف الكاميرا، وقدّم مقارنة موضوعية، بين المخرجات الأوائل اللواتي استطعن مزاحمة الرجال، والتعبير عن المرأة بعيون نسائية، وعصر جديد، تناقش فيه المخرجات والممثلات قضايا المرأة بنظرة ذكورية، قد يكون الرجل أكثر إنصافاً منها".

المرأة لم تنصف نفسها

التقدمية التي تميّزت بها الأفلام في مستهل القرن العشرين أعقبت حراكاً اجتماعياً قوياً؛ حيث انتهت الحرب العالمية الأولى، ونشأت حركات التحرّر الاجتماعي، في مختلف بلدان العالم الثالث، وفي مصر برز الاتحاد النسائي، ورائدته هدى شعراوي التي عزّزت قوة النساء، وفتحت أمامهنّ أفقاً جديداً للتحليق، بعيداً عن تنميط المجتمع لهنّ، إلّا أنّ الطابع الذكوري ظلّ مسيطراً على الإنتاج السينمائي، سواء على الشاشة، أو خلف الكاميرا.

الكاتبة سناء البيسي، أكّدت أنّ المرأة لم تستطع إنصاف نفسها، حتى أنّ بعض المخرجين الرّجال استطاعوا ذلك، أكثر من النساء أنفسهنّ "70% من أفلام السينما المصرية، جعلت المرأة حاملة الخراب للعالم، جالبة العار، رغم تواجد أفلام لمخرجين رجال، عبّرت عن المرأة بشكل مركّبٍ وفنّي جمالي، مثل: يوسف شاهين، وبركات وعلي بدرخان، إلّا أنّ هناك من نظر للمرأة بشكل تقليدي جداً؛ بل تجاوزيّ في كثير من الأحيان".

أهمّ الجوائز الفنية العالمية "الأوسكار"، لم تحصل عليها مخرجة حتى عام 2008

غياب عن الأوسكار

لم يقتصر تغييب الدور الفعّال للمرأة على السينما في الإنتاج فقط؛ بل حتى الجوائز الممنوحة للنساء، طغى عليها نوع من التمييز الجندري، فأهمّ الجوائز الفنية العالمية "الأوسكار"، لم تحصل عليها مخرجة حتى عام 2008، حتى استطاعت كاثرين بيجلو اقتناص جائزة الأوسكار عن أفضل مخرج وأفضل فيلم، وذلك عن فيلمها "The Hurt Locker".

ربّما استطعنا إرجاء السبب في ذلك إلى ما قاله المخرج سعد أردش في أحد لقاءاته: "المرأة تسحب البساط من تحت أقدام الرجل رويداً، فهي تصعد بسرعة، كاتبة ومخرجة وممثلة، وهو ما يدفع الرجال للغيرة على مكانتهم الاجتماعية، فكرّسوا فكرة المرأة كجسد، يصدرونها لشاشات السينما، ولا يستطيعون تحمّل سباق حقيقي بينهم وبين النساء، ولا زال أمامنا أشواط حتى نستطيع التغلب على تلك الحرب الخفية الأزلية بين الرجال والنساء".

تعددت أنماط الإنتاج السينمائي الذي قدّمته السينما العربية، لاسيما المصرية، والعالمية عن المرأة، طبقاً للتحولات الاجتماعية والسياسية لكلّ مرحلة، لكن يظلّ هناك قاسم مشترك بين كلّ المراحل، وهي تلك العوائق التي توضع في طريق النساء، واحتكار الشاشة للرّجال، وما يقدّمونه من صور ترسّخ المفاهيم المتجذّرة في المجتمع عن المرأة، وتفتقد القدرة على صنع صدام مجتمعي، ربّما يأتي بثماره في عالم يعجز عن إنصاف المرأة حتى عبر الخيال.

الصفحة الرئيسية