هل ستنجح إثيوبيا بإنهاء حالة الحرب مع جارتها إريتريا؟

8896
عدد القراءات

2018-06-12

أعلنت إثيوبيا الخامس من الشهر الجاري أنّها ستطبق بشكل كامل اتفاقية الجزائر التى وقعتها مع إريتريا في العام 2000 وقرار اللجنة الحدودية الإثيوبية-الإريترية التي شُكلت لترسيم الحدود بين البلدين، مما يفتح الطريق أمام تحسين العلاقات بين البلدين، بعد عقدين من حالة الحرب القائمة بينهما.
وكانت اللجنة الدولية قضت في عام 2000 بضم بلدة بادمي المتنازع عليها إلى إريتريا، لكن إثيوبيا رفضت تنفيذ الاتفاق والانسحاب من بامدي، وكان لهذا الأمر عواقب وخيمة على شعب البلدين، بسبب شروع النظامين، منذ فشل الاتفاق، في دخول حرب باردة وصلت إلى دعم وتسليح وإيواء تنظيمات معارضة تعمل على إسقاط النظام في البلد الآخر، وغيرها من السياسات التي ارتكبها نظاما الحكم بحق الشعبيين الجارين.

الشواهد تشير إلى أنّ الجانب الإثيوبي يتحمل الوزر الأكبر في إطالة الأزمة طيلة هذه السنوات

مجمل الشواهد تشير إلى أنّ الجانب الإثيوبي يتحمل الوزر الأكبر في إطالة الأزمة طيلة هذه السنوات، بسبب تسويفها ومماطلتها في تطبيق الاتفاقية. لكن يبدو أنّ رئيس الوزراء الإثيوبي الجديد، أبي أحمد قرر وضع حدٍّ لهذه المماطلة، وأظهر نية باتجاه تنفيذ إصلاحات فعّالة في الداخل الإثيوبي كما في جوارها الإقليمي، فقد كان أبي أحمد قد تعهد في خطبة تنيصبه بتحسين العلاقات مع إريتريا.

وفي سياق آخر، أنهى البرلمان مؤخراً حالة الطوارئ في البلد مبكراً بشهرين بناءً على طلب من رئيس الورزاء، وهي التي  فرضت في آذار (مارس) الماضي بعد استقالة رئيس الوزراء السابق وسط اضطرابات واسعة النطاق.
جذور الصراع بين البلدين
تعود علاقات النظامين في البلدين إلى العقد السابع والثامن من القرن الماضي، حين كانت إثيوبيا تضم إريتريا، وكانت تسعى في حينها الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا إلى نيل استقلالها من إثيوبيا، التي استولى إمبراطورها منينلك تاريخياً عليها، وهو الإمبراطور الذي في عهده توسعت إثيوبيا عشرة أضعاف، وسيطرت على المنخفضات الإريترية والصومالية وساندته القوى الاستعمارية في أطماعه التوسعية. وشرّعت لهم قانونياً حيث ألحق الاستعمار البريطاني إريتريا رسميا بإثيوبيا في عام 1952، ومنطقة أوغادين في عام 1948.

يرى المراقبون أنّ إريتريا ذهبت أبعد من مجرد تدريب المعارضة الإثيوبية إلى التدخل في أنحاء القرن الإفريقي

من جهة أخرى، وفي نفس الوقت، كانت جبهة تحرير شعب التيجراي تحارب من أجل إسقاط نظام الديرغ الشيوعي، وبالتالي ارتبطت الجبهتان بتحالف متين منذ منتصف سبعينيّات القرن المنصرم، وصل في بعض مراحل تطوره إلى اندماج عسكري شبه كامل بين الجبهتين.
ونسجت جبهة التيجراي تحالفات وثيقة مع المكونات العرقية الأخرى التي كانت تحارب النظام العسكري، وبنهاية عام 1989، أثمرت تلك التحالفات عن إنشاء الجبهة الثورية الديمقراطية للشعوب الإثيوبية، المعروفة اختصاراً بـ "EPRDF"، أو "الإهوادق"، وكان من أبرز أعضائها حزب "جبهة تحرير شعب التيجراي، والجبهة الديمقراطية لشعب الأورومو، والحركة الديمقراطية لقومية الأمهرا، والحركة الديمقراطية لشعوب جنوب إثيوبيا. وعند الإطاحة بنظام منغستو في عام 1991، أضحت تلك الأحزاب من أركان النظام الجديد في إثيوبيا، وبالتالي أصبحت من مكونات الائتلاف الذي ما يزال في سدّة السلطة في البلاد حتى اللحظة.
كان الاتفاق بين قادة الطرفين؛ الإيثوبي والإريتري ينص العمل سوية على إسقاط نظام الديرغ ومنح إريتريا استقلالها بعدئذ. وهو ما حصل بعد عامين من سيطرة الجبهة الثورية الديمقراطية للشعب الإثيوبي في البلاد. حيث أصبحت إريتريا دولة مستقلة ذات سيادة في عام 1993.

انتهج النظامان في إريتريا وإثيوبيا سياسات التحريض لإسقاط النظام في البلد الآخر

جمعت الجبهتين الحاكمتين في البلاد علاقاتٌ ودية إلى ذلك الحين، وكلاهما ينتمي الى العرقية التيجراي، بفارق أنّ إثيوبيا لجأت إلى توسيع دائرة الحكم وإنشاء تحالف واسع للحكم، بخلاف حالة إريتريا التي قمعت الجبهة الحاكمة فيها الفاعلين الآخرين وأقصتهم من المشهد، ومنعت أية تعددية سياسية في البلاد بشكل قاطع.

يتطلب تنفيذ اتفاقية الجزائر انسحاب إثيوبيا الكامل من بادمي ويتوقع أن يطلب أبي أحمد شيئاً في المقابل من إريتريا

بدأت المشاكل وعدم الثقة تترسب بين النظامين الصديقين، وتفاقم الخلاف بينهما، على وقع خلاف نزاع حدودي على مدينة بادمي الحدودية، مما أدّى الى نشوب حرب عنيفة في عام 1998، دامت عاماً ونصف العام وأودت بحياة عشرات الآلاف من الجانبين.

فقدت إثيوبيا بهذا العداء مع النظام الحاكم في إريتريا إمكانية الوصول إلى منافذها التقليدية إلى البحر الأحمر على طول الساحل الإريتري، كما خسرت إريتريا أكبر شريك تجاري لها وتراجعت إلى الانعزالية. ولم يكتفِ النظامان بحالة القطيعة هذه، بل انتهجا سياسات التحريض ودعم وتسليح تنظيمات معارضة تعمل على إسقاط النظام في البلد الآخر وإيواء المعارضة المسلحة.

الشريط الحدودي بين إثيوبيا وإيرتريا

ويرى المراقبون أنّ سياسة الحكومة الإريترية ذهبت أبعد من مجرد تدريب المعارضة الإثيوبية، فقد تبنّت سياسات تدخل مناوئة في جميع أنحاء دول القرن الإفريقي، وكنتيجة لذلك تأزمت علاقاتها مع كل دول الجوار في محيطها الإقليمي، كالسودان وجيبوتي والصومال، في فترات متقاربة. بل إن إريتريا اتهمت بتدريب وتزويد جماعات متطرفة مثل "حركة الشباب الإسلامي في الصومال"، مما أدّى في النهاية إلى فرض عقوبات أمميّة عليها في عام 2009.

تفعيل اتفاقية الجزائر

تم توقيع اتفاقية سلام بين البلدين في عام 2000، وعُرفت باسم اتفاقية الجزائر، ونصت الاتفاقية على التحكيم الدولي للبلدة المتنازع عليها، وقضت فيها اللجنة الدولة المعنية لصالح إريتريا، لكن إثيوبيا رفضت تنفيذ الاتفاق. وكانت تنيجة ذلك عقدين من حالة الحرب الباردة مع صدامات دورية على الحدود، كان آخرها في عام 2016 عندما قتل المئات من الجانبين.

اقرأ أيضاً: إثيوبيا: رعب التفكّك ينذر بتغيير خريطة القرن الإفريقي
ومع إعلان رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد بقبول الاتفاقية، وهو عمل كضابط في المخابرات خلال الحرب الإثيوبية-الإريترية في العام 1988، سترسل هذه الخطوة إشارة قوية عن رغبته بإحلال السلام مع إريتريا كما أعرب عنها في خطبة تنصيبه. وتعتبر هذه الخطوة بمثابة فتح الباب أمام تحسين العلاقات بين البلدين اللذين يتقاسمان روابط إثنية ولغوية وثقافية واسعة.

أسياس أفورقي حوّل بلاده إلى جحيم مطبق

يتطلب تنفيذ اتفاقية الجزائر انسحاب إثيوبيا الكامل من بادمي. ويتوقع أن يطلب أبي أحمد شيئاً في المقابل من إريتريا، مثل الوصول إلى مرافئ إريتريا، في سياساته التنموية والاقتصادية. ولا أسياس أفورقي مهتماً بغير خنق الديمقراطية في بلاده، والبقاء في سدة الحكم.

اقرأ المزيد...

الوسوم: