هل تعيد الصين تشكيل العالم اليوم؟

الصين

هل تعيد الصين تشكيل العالم اليوم؟

مشاهدة

26/02/2018

في أيلول (سبتمبر) من العام 2013، وأثناء زيارة له إلى كازاخستان، أعلن الرئيس الصيني شي جين بينغ عن إطلاق مبادرة اقتصادية جديدة، سرعان ما تبيّن أنّها ستكون أكبر المبادرات الاقتصادية في القرن الحادي والعشرين، والألفية الجديدة، حملت الاسم "حزام واحد.. طريق واحد"، واشتهرت لاحقاً باسم "طريق الحرير الجديد".
بين الأمس واليوم
طريق الحرير الجديد ليست طريقاً واحدة، وإنّما هي مجموعة من الطرق والسكك البرية والخطوط البحرية المترابطة، تربط أقصى شرق آسيا بإفريقيا وشمال أوروبا، مروراً بوسط آسيا، وشرق أوروبا، ومنطقة الشرق الأوسط، وتنتقل عبر هذه الخطوط البضائع؛ حيث تهدف هذه المبادرة الكبرى إلى إحياء طريقي الحرير البحري (الحزام)، والبري (الطريق)، اللذين كانا يربطان الصين بالعالم.
تطمح الصين إلى رفع حجم التبادلات عبر طريق الحرير لنحو 2.5 ترليون دولار خلال 10 سنوات، وقد وصل عدد الدول المشاركة حتى الآن إلى 65 دولة، تمثل 60% من سكان العالم.

الدول باللون البرتقالي التي انضمت إلى المبادرة الصينية الجديدة

طريق الحرير الجديد، يحيلنا بالضرورة إلى طريق الحرير القديم، الذي يعود تاريخه إلى أكثر من ألفي عام، وكان أيضاً عبارة عن مجموعة من الطرق البرية والبحرية المترابطة، ازدهرت التجارة عبرها منذ العصور القديمة والوسيطة، حتى تضاءل دورها منذ نهاية القرن الخامس عشر بسبب الكشوفات الجغرافية، التي وفّرت طرقاً أسهل وأسرع لنقل البضائع آنذاك.
وكان طريق الحرير القديم يمتد على مسافة تزيد على 8000 كم، براً وبحراً، عبر قارات العالم القديم، وقد اقترن اسمه بالحرير؛ حيث كان الحرير الصيني يمثل نسبة كبيرة من التجارة عبره، ولتمييزه عن "طريق البخور"، الذي كان يربط بين سواحل المحيط الهندي.

خطوط سير القوافل والسفن في طريق الحرير القديم

أكثر من ألف مشروع
وبالعودة إلى طريق الحرير الجديد، أو "مبادرة حزام واحد، طريق واحد"، فإنّ هذه المبادرة تتمثل بالأساس في ضخ استثمارات بمليارات الدولارات في البنى التحتية، ويشمل ذلك أعمال بناء وتوسعة موانئ جديدة وقديمة، وسككاً حديدية، وخطوط أنابيب للنفط والغاز؛ حيث تتضمن المبادرة نحو ألف مشروع ستنفذ تدريجياً، تربط الدول التي يمر بها الطريق.

وصول أول قطار بضائع من الصين إلى بريطانيا مطلع 2017 بعد رحالة لم تستغرق أكثر من أسبوعين

وقد حرصت الصين بعد عام على إطلاق مبادرتها إلى إخراجها من إطارها النظري إلى التنفيذي، فبادرت في تشرين الأول (أكتوبر) من العام 2014 إلى تأسيس بنك الاستثمار الآسيوي للبنية التحتية، ورصدت له 50 مليار دولار، وسرعان ما تجاوز رأسمال البنك 100 مليار دولار بعد مساهمة بعض الدول فيه بما في ذلك دول عربية.
وفي أيار (مايو) من العام 2017، تعهّد الرئيس الصيني بتخصيص 124 مليار دولار لمشروع طريق الحرير الجديد.
تم إنجاز والبدء بعدد من مشاريع البنى التحتية حتى الآن، ومن أهمها مشروع سكة حديد داخل جمهورية روسيا الاتحادية، يصل ما بين موسكو وقازان، ومن المقرر أن يتم افتتاحه العام 2020، ويبلغ طول السكة 770 كم.

صرّح القائمون على مشروع "نيوم" السعودي أنّه يقع ضمن خطوط طريق الحرير الجديد

بالإضافة إلى الانتهاء من تجهيز بوابة خورغوس، مركز الشحن على الحدود الصينية القازانية؛ حيث من المفترض أن يتعامل مع مليون حاوية سنوياً.
كما تم الانتهاء من خط سكة حديد طهران؛ حيث وصل أول قطار من الصين إلى طهران في شباط (فبراير) 2016.
ومن أكبر المشاريع التي بدأ العمل بها هو الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني، وتبلغ تكلفته 46 مليار دولار، ويربط بين الصين وميناء غوادر الباكستاني؛ إذ يهدف إلى تصدير البضائع التي يتم تصنيعها في المناطق الغربية من الصين عبر طرق أسرع. ويشكل هذا الطريق تحولاً مهماً في طرق التجارة؛ حيث سيؤدي إلى تجاوز الصين عقدة مضيق "مالقا" بين ماليزيا واندونيسيا، والذي تحاول الولايات المتحدة خنق التنين الصيني من خلال تواجدها العسكري فيه. وقد أثار المشروع قلق الهند لما يؤدي له من التقارب والاعتماد المتبادل بين الجارين؛ الصين والباكستان، كما أثار قلق إمارة دبي؛ حيث يهدد بمنافسة موانئها القريبة.

الممر الصيني الباكستاني

ترحيب عربي
تتمتع منطقة الشرق الأوسط بأهمية كبيرة في طريق الحرير الجديد، باعتبارها تقاطعاً وممراً إجبارياً، وحلقة وصل بين القارات الثلاث، ولما تحتويه من مصادر الطاقة وكذلك كونها سوقاً استهلاكياً كبيراً للبضائع الصينية.
وقد رحبت عدد من الدول العربية بهذا المشروع، كالمملكة العربية السعودية؛ إذ أبدت رغبتها في دمج المشروع مع رؤية 2030 التي أطلقها الملك سلمان العام 2016، لا سيما أنّ الصين ثاني أكبر شريك اقتصادي للسعودية، كما ويوفر المشروع طرقاً أسرع للنفط السعودي للصين التي تعد المستورد الأكبر له، بالإضافة إلى تضمّنه مشاريع لبناء السكك الحديدية داخل المملكة العربية السعودية.
كما صرّح القائمون على مشروع "نيوم" السعودي المعلن عنه مؤخراً، أنّه يقع ضمن خطوط طريق الحرير الجديد، وبالتحديد في نقطة التقاء القارة الآسيوية بالافريقية.

يتقاطع مشروع نيوم مع مشروع طريق الحرير الصيني حيث يقع في نقطة التقاء القارتين الآسيوية والافريقية

قلب الموازين
تؤكد الصين أنّ مشروعها لا يمكن اعتباره من قبيل الهيمنة كما تروج لذلك عدد من الدول الغربية، وإنّما هو عروض للشراكة والتعاون بين الدول، حيث تعتمد الصين مخاطبة العالم بمنطق الربح المتبادل، أو ما يعرف بمبدأ (Win - Win). ولكن المؤكد أنّ هذا المشروع يساهم في إعادة رسم خارطة القوى والتوازنات الدولية على نحو كبير؛ حيث يشكل تهديداً للدول الصناعية الغربية، فهو ينافسها على أسواقها ويخرجها من مناطق نفوذها.

شكّكت الدول الأوروبية بغايات طريق الحرير الجديد ملمحة إلى أنّ للصين أهدافاً سياسية من وراء إعادة إحيائه

وتتصدر الهند الدول المخالفة لهذا المشروع، وذلك لأسباب سياسية بحتة، فالطريق يمر بمنطقة كشمير المتنازع عليها، والهند ترى أنّ هذا الطريق الذي يمر في شمالها قد يبعدها أيضا عن الحركة التجارية، كما شكّكت الدول الأوروبية بالهدف من وراء "طريق الحرير الجديد"، ملمحة إلى أنّ للصين أهدافاً سياسية من وراء إعادة إحيائه.
وعموماً، ما يزال المشروع مبادرة وفكرة تحت التطوير والتشكل، ولم يتحول إلى مشروع ناجز بعد، ولكن يبدو أنه يسير وفق الطريقة الصينية، بطيء ولكن مؤكد.


آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية