هل تتراجع إسرائيل عن ضمّ أراض في الضفة الغربية؟

هل تتراجع إسرائيل عن ضمّ أراض في الضفة الغربية؟

مشاهدة

21/06/2020

في غمرة الانشغال بتداعيات فيروس كورونا الذي اجتاح العالم بأسره، مسيطراً على تغطيات وسائل الإعلام وحراكات الدول، ثمة خطوة أقل ما توصف به سياسياً بـ "الكارثية"، يجري التحضير لها، وهي ضمّ أراضٍ في الضفة الغربية لسيادة كيان الاحتلال الإسرائيلي، وفق ما يلوّح به ساسته برعاية أمريكية.

برهوم جرايسي: الاحتمال الأقوى من بين الاحتمالات التي تبقى واردة أنّ نتنياهو وفريقه اليميني الاستيطاني سيبدأ بتطبيق تدريجي لمخططه

تتباين القراءات والرؤى؛ إذ ثمة من يرى غموضاً في موقف السلطة الوطنية الفلسطينية التي هدّدت بقلب الطاولة على كلّ الاتفاقات المبرمة مع الجانب الإسرائيلي، والتي بدأت فعلياً بقطع أيّ تواصل مع الاحتلال، بغرض الضغط عليه، ليرى طرف آخر أنّ ثمة غموض يكتنف الموقف الإسرائيلي داخلياً، وأنّ الأمر في معظمه محاولة للتحايل على الأزمات الداخلية الإسرائيلية، وطرف ثالث يرى أنّ الكارثة قد بدأت بالفعل، وأنّه ما من أمل لوقفها ما لم تتخذ الدول العربية والإسلامية موقفاً صارماً غير مسبوق.
وحملت زيارة وزير الخارجية وشؤون المغتربين الأردني أيمن الصفدي لفلسطين، أول من أمس الخميس، واللقاء مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس تأكيدات بأنّ ضم إسرائيل لأراض فلسطينية "خطر غير مسبوق على العملية السلمية" بحسب الصفدي الذي شدّد على أنّ "الضم إن تم سيقتل حل الدولتين، وسينسف كل الأسس التي قامت عليها العملية السلمية، وبالتالي سيحرم كل شعوب المنطقة من حقها في العيش بأمن وسلام واستقرار"، وهو ما أثنى عليه وزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي في اللقاء ذاته، حينما لفت إلى أهمية "حشد أكبر موقف دولي ضد سياسة الضم".
التحضير لضمّ أراضٍ في الضفة الغربية أثار خبراء ومطّلعين على المشهد الفلسطيني التقتهم "حفريات" وراحوا يتصورون السيناريوهات المحتملة.
ثمة من يرى غموضاً في موقف السلطة الفلسطينية التي هدّدت بقلب الطاولة على الاتفاقات مع الاحتلال

موقف السلطة ضبابي حتى اللحظة
يأمّل الكاتب والباحث الفلسطيني، وعضو المجلس الثوري لحركة فتح والمجلس العسكري الأعلى للثورة الفلسطينية، سابقاً، معين الطاهر، خلال حديثه لـ "حفريات"؛ أن "يكون موقف السلطة الوطنية الفلسطينية جديّاً هذه المرة، وألّا تكون هذه مناورة كعشرات القرارات السابقة المتخذة"، مستدركاً بأنّ ثمة "إشكاليات" تتعلق بآليات اتخاذ القرار، وأخرى تتعلق بحديث السلطة عن أنّها تقوم بدراسة الخطة التي ستقوم بالردّ بها على قرار الضمّ، "وهذا يعدّ غريباً؛ لأنّ قرار الضمّ معروف منذ ثلاثة أعوام، ومن الغريب أنّه لم توضَع خطة لمجابهة ذلك حتى اللحظة".

معين الطاهر: المطلوب قرارات جديّة، وأن يكون هنالك متّسع أمام قيادة السلطة لاتخاذ إجراءات حقيقية في مواجهة الضم

يضيف الطاهر: "هناك كذلك ما يستدعي الاستغراب، مثل تتالي التصريحات الفلسطينية التي تستخدم مصطلح التحلل من الاتفاقيات، لكنّنا لم نفهم أيّة اتفاقيات تلك التي سيصار للتحلل منها، وأيّها ما لا يمكن التحلّل منه"، مردفاً: "خرج علينا رئيس الوزراء الفلسطيني، محمد إشتية، ليقول إنّه إذا ما ضمّت إسرائيل الضفة "فسنرد بإلغاء الاعتراف بإسرائيل"، فهل هذا يعني أنّ اتفاقية الاعتراف بإسرائيل غير مشمولة ضمن الاتفاقيات التي تلوّح السلطة بالتحلل منها؟".
لا أحد يفهم شيئاً مما يجري، يقول الطاهر، مكملاً: "هذا يثير الريبة"، ومستدركاً: "رغم هذا أتمنى أن تكون هذه القرارات جديّة، وأن يكون هنالك متّسع من الوقت أمام قيادة السلطة لاتخاذ إجراءات حقيقية في مواجهة الضمّ، وأولها فصل السلطة عن منظمة التحرير الفلسطينية، وإنهاء أيّ دور سياسي للسلطة والإبقاء فقط على الدور الخدماتي، والشروع فوراً بإعادة بناء منظمة التحرير على أسس تمثيلية جديدة، وخلق قيادة موحّدة لمواجهة صفقة القرن".
إن تمّ هذا، يقول الطاهر، "فالسلطة حينها جدية فيما تقول، أما إن لم يتم؛ فلن تستمر طويلاً وستنهار تحت وطأة النضالات الشعبية".
غموض إسرائيلي كذلك
الكاتب والباحث الفلسطيني المختص بالشأن الإسرائيلي، برهوم جرايسي، أبلغ "حفريات" بأنّ "موعد الشروع بفرض ما يسمى "السيادة الإسرائيلية" على المستوطنات وعلى مناطق شاسعة من الضفة المحتلة، ما يزال غامضاً، "رغم إصرار رئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، على بدء إجراءات التشريع، في مطلع تموز (يوليو) المقبل 2020، وهذا نابع من عدم وضوح موقف الإدارة الأمريكية، حتى هذه اللحظة؛ إذ إنّ التقارير الإسرائيلية متضاربة بهذا الشأن".

عملية الضمّ الإسرائيلي بدأ تنفيذ بعض إجراءاتها

يوضح جرايسي: "تدّعي التقارير الإسرائيلية، أنّه في حين أنّ سفير أمريكا لدى إسرائيل، المستوطن المتطرف، ديفيد فريدمان، يضغط على إدارته في البيت الأبيض، لدعم مخطط نتنياهو والجدول الزمني الذي وضعه، ففي المقابل، وبحسب ادعاءات التقارير الإسرائيلية ذاتها؛ فإنّ صهر دونالد ترامب ومستشاره، جارد كوشنير، يلجم الاندفاعة الإسرائيلية نحو الضمّ، بسبب حسابات شرق أوسطية لدى الإدارة الأمريكية الحالية".

د. أحمد عزم : إن لم يتمخّض موقف، عربي ودولي، غير تقليدي؛ فإنّ احتمالات الضمّ كبيرة جداً

من ناحية نتنياهو، كقائد لليمين الاستيطاني المتطرف؛ فهو يريد الإسراع في فرض ما تسمى "السيادة"، قبل الاقتراب من تاريخ الثالث من تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل، يوم الانتخابات الرئاسية والتشريعية الأمريكية، كما يقول جرايسي، معللاً: "إذ يبدو له أنّ فوز ترامب ليس مضموناً، أمام الواقع الذي تعيشه الولايات المتحدة الأمريكية هذه الأيام من أزمة فيروس كورونا، وفشل إدارة ترامب في مواجهتها، وحتى المظاهرات الغاضبة على العنصرية، الدائرة في العديد من الولايات الأمريكية".

من ناحية أخرى؛ فإنّ نتنياهو يفتعل خلافات مزعومة مع قادة عصابات المستوطنين حول مساحات الضم من جهة، وحول ذكر "دولة فلسطينية"، في المؤامرة الصهيو أمريكية، المسماة "صفقة القرن"، كما يقول جرايسي؛ "رغم أنّها كيان مسخ، لا سيادة ولا تواصل جغرافي، محاصرة من الجهات الأربع، لا سيطرة لها على الأجواء، ولا حتى على ما هو في باطن الأرض، من موارد مائية وغيرها".
وما نراه من خلافات وتقاذف بالتصريحات مسرحية وأسطوانة مشروخة، تستخدمها إسرائيل بشكل خاص في العقود الثلاثة الأخيرة، في محاولة بائسة لإلهاء العالم بشؤونها الداخلية، وليس بالقضية الجوهرية الأساس "الاحتلال".

اقرأ أيضاً: هذا موقف الإمارات من ضم مناطق في الضفة والغور الأردني

يرى جرايسي أنّ الاحتمال الأقوى من بين كلّ الاحتمالات التي تبقى واردة؛ أنّ نتنياهو وفريقه اليميني الاستيطاني سيبدأ بتطبيق تدريجي لمخططه، ويكون في المرحلة الأولى فرض ما تسمى "السيادة" على الكتل الاستيطانية الضخمة، الواقعة بغالبيتها، عند الطرف الغربي من الضفة الغربية، فيما يؤجّل لمرحلة لاحقة "ضمّ" سائر المستوطنات، ومنطقة غور الأردن، وهي وحدها تعني 30% من مساحة الضفة المحتلة.

من وجهة نظر جرايسي، ستؤثر عوامل عدة على حراك حكومة الاحتلال، وأولها؛ موقف عربي حازم صارم فعلي، يقنع الإدارة الأمريكية بأنّ للضمّ انعكاسات خطيرة على شبكة العلاقات.

نتنياهو وفريقه اليميني الاستيطاني سيبدأ بتطبيق تدريجي لمخططه
"وحتى الآن، فإنّ الحلبة الإسرائيلية منشغلة ومهتمة بالتهديد الأردني، وبقرار القيادة الفلسطينية فضّ كلّ الاتفاقيات في حال تمّ الضمّ"، مردفاً: "كذلك فإنّ قراراً أوروبياً فعلياً، مثل إعادة النظر في جوانب جدية في شبكة العلاقات التجارية مع إسرائيل، قد يكون له دور مهمّ أيضاً"، مستدركاً "وأمام كلّ هذا، تبقى الساحة الفلسطينية هي الأساس، وشكل ردّ الفعل الشعبي على قرارات الضمّ، وليس فقط على مستوى السلطة الفلسطينية".

اقرأ أيضاً: مقال العتيبة: فن الممكن ورفض الضم وتحذير لإسرائيل

حول النقطة الأخيرة تحديداً، يقول جرايسي: "ردّ فعل السلطة الفلسطينية سيكون شائكاً، على ضوء حالة الانقسام القائمة، فعلى سبيل المثال؛ إذا قررت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية حلّ السلطة، فهل ستعمل بالمثل حركة حماس المسيطرة على قطاع غزة؟ هذا سؤال مركزي إلى جانب أسئلة نابعة من الحالة الفلسطينية المتردية، التي تنعكس سلباً على جاهزية الشعب الفلسطيني للانطلاق بانتفاضة شعبية جماهيرية ضدّ الاحتلال برمته".

"الضمّ" بدأ!
بدوره، يرصد الأكاديمي والكاتب الفلسطيني، أحمد عزم، أنّ عملية الضمّ الإسرائيلي "بدأ تنفيذ بعض إجراءاتها، مثل بدء إرسال فواتير الكهرباء والماء بشكل مباشر للمجالس البلدية والقروية في الأغوار، وإزالة يافطات قام الاحتلال بتركيبها بعد اتفاقيات أوسلو مفادها آنذاك أنّ مناطق معينة هي مناطق فلسطينية، تحت إدارة السلطة الفلسطينية"، مردفاً بأنّه "في كثير من الأحيان تقوم إسرائيل بتنفيذ الشيء ثمّ شرعنته"، أي وضع نصّ قانوني له، وهذا ما يبدو أنه يحصل، كما يرى عزم.
يكمل عزم: "هناك نقاش داخلي إسرائيلي حول؛ "ماذا نضمّ وكيف؟" فهناك فريق يريد ضمّ المستوطنات، وفريق يريد ضمّ الغور، وفريق كبير من المستوطنين يريد أن يشمل الضمّ كلّ الضفة الغربية، وأن يتم إعلان رفض الجزء الوارد في خطة ترامب للسلام، المعلنة نهاية كانون الثاني (يناير) 2020، بشأن احتمال إقامة دولة فلسطينية، بموجب شروط معينة، وبعد أربعة أعوام".

اقرأ أيضاً: السفير الإماراتي في واشنطن يُحذّر من ضم الضفة الغربية.. ماذا قال؟

ويرى عزم أنّه إن لم يتمخّض موقف، عربي ودولي، غير تقليدي؛ فإنّ "احتمالات الضمّ كبيرة جداً، واحتمال تدهور الأوضاع في فلسطين كبيرة أيضاً، فالشعب الفلسطيني لن يقف موقف المتفرج"، مكملاً: "لقد طبّقت السلطة الفلسطينية وبشكل كامل وقف كلّ تنسيق مدني وأمني، بجدية تامة، لدرجة رفض استلام أموال المقاصة، إذا كان الثمن التنسيق لأجل ذلك، حتى إن كان تنسيقاً شكلياً، وتمّ وضع الكثير من الترتيبات لمعالجة تداعيات وقف التنسيق الأمني؛ مثل رفض الاحتلال وصول المرضى من الضفة الغربية وغزة لمستشفيات القدس، كما تمّت ترتيبات مع جهات مثل الصليب الأحمر، ومنظمة الصحة العالمية، ويتم الحديث مع كثير من الدول الشقيقة والصديقة لترتيب شأن المرحلة المقبلة".

الصفحة الرئيسية