
جمال دملج
لم يعد السؤال في لبنان مقتصرًا على ما إذا كانت الدولة قادرة على إعلان قرارات تتعلق بحصرية السلاح وفرض سلطتها على كامل أراضيها، بل بات يتعلق بقدرتها على تنفيذ تلك القرارات عندما تصطدم بمصالح جهة تمتلك نفوذًا سياسيًا وعسكريًا يتجاوز حدود العمل الحزبي التقليدي. ومن هنا، تكتسب قضية شحنة المتفجرات التي ضُبطت في ضهر البيدر أهمية تتجاوز تفاصيلها الأمنية والقضائية، لتتحول إلى اختبار جديد لمدى جدية الدولة في استعادة صلاحياتها.
فقد ادعى مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية، القاضي كلود غانم، على ثلاثة عشر شخصًا يُنسبون إلى حزب الله، في قضية نقل شاحنة المتفجرات التي أوقفتها القوى الأمنية على حاجز ضهر البيدر. وشمل الادعاء ثمانية أشخاص معروفين بالأسماء، بينهم موقوفان، وخمسة آخرين عُرفوا بألقابهم، وذلك بجرائم تتصل بأمن الدولة الداخلي، ومخالفة قرارات الحكومة، وحيازة الأسلحة والمتفجرات، وتأليف جمعيات غير مشروعة تستهدف النيل من سلطة الدولة وهيبتها.
وعلى الرغم من أنّ هذه الخطوة لا تعني أنّ القضاء أصدر أحكامًا نهائية، ولا أنّ المسؤولية الجنائية ثبتت على المدعى عليهم، فإنّ التحقيق لا يزال في بداياته، وقرينة البراءة تظل حقًا قانونيًا لا يجوز تجاوزه. لكنها تعني، في المقابل، أنّ الملف انتقل من دائرة الجدل السياسي والإعلامي إلى مسار قضائي رسمي، وأنّ على المؤسسات المعنية أن تثبت قدرتها على استكماله بعيدًا عن الضغوط والاعتبارات الحزبية.
من المتفجرات إلى سؤال السيادة
تتضاعف دلالات القضية بالنظر إلى موقف حزب الله نفسه، فقد أعلن النائب حسن فضل الله أنّ السيارة وحمولتها تعودان إلى "المقاومة"، وطالب بالإفراج عن الموقوفين واستعادة السيارة ومحتوياتها. وهذا الموقف يضع الدولة أمام سؤالٍ لا يمكن الالتفاف عليه: إذا كانت جهة سياسية تعلن ملكيتها لشحنة متفجرات ضبطتها القوى الأمنية، فمن يملك صلاحية تحديد طبيعة هذه الحمولة ووجهتها والجهة التي يحق لها حيازتها؟
ولا يتعلق الأمر هنا بتوصيفٍ سياسي أو بسجال حول مفهوم المقاومة، بل بقاعدةٍ قانونية يفترض أن تكون واضحة في أي دولة: حيازة الأسلحة والمتفجرات ونقلها واستخدامها تخضع للقانون وللمؤسسات المختصة، لا لإقرار أي تنظيم أو تفسيره الخاص لصلاحياته. وإذا كانت هناك مبررات قانونية لوجود تلك المواد أو نقلها، فمكان إثباتها هو التحقيق والقضاء، لا البيانات السياسية ولا المطالبات باستعادة المضبوطات قبل انتهاء الإجراءات.
المحكمة العسكرية أم المجلس العدلي؟
أما الخلاف حول إحالة القضية إلى المجلس العدلي، فيكشف جانبًا آخر من الأزمة، فالأطراف المعارضة لحزب الله، وفي مقدمتها القوات اللبنانية ووزير العدل عادل نصار، طالبت بإحالة الملف إلى هذه الهيئة القضائية، بالنظر إلى خطورة الجرائم المحتملة وما قد تنطوي عليه من مساس بأمن الدولة.
في المقابل، حذّر حزب الله من هذا الخيار، فيما قررت الحكومة مواصلة التحقيق من دون قيود أو سقف إلا سقف القانون، وتأجيل البت في طلب الإحالة إلى المجلس العدلي إلى مرحلة لاحقة. وقد اختار القضاء في هذه المرحلة السير عبر المحكمة العسكرية، بإحالة المدعى عليهم والملف إلى قاضي التحقيق العسكري الأول، غادة أبوعلوان، لاستكمال التحقيق واتخاذ الإجراءات اللازمة.
لكن جوهر المسألة لا ينبغي أن يتحول إلى منافسة سياسية بين مرجعيتين قضائيتين، ولا إلى اعتبار أنّ اختيار المحكمة العسكرية يعني التساهل تلقائيًا، أو أنّ الإحالة إلى المجلس العدلي تضمن وحدها تحقيق العدالة. المعيار الحقيقي هو استقلال التحقيق، وقدرته على كشف الوقائع وتحديد المسؤوليات، مهما بلغت حساسية الأسماء أو الجهات التي قد تقود إليها النتائج.
اختبار الحكومة يبدأ الآن
لقد سبق للحكومة اللبنانية أن اتخذت قرارات تتعلق بحصرية السلاح بيد الدولة وحظر الأنشطة العسكرية والأمنية الخارجة عن سلطتها. وحظيت هذه القرارات بتأييد داخلي وعربي ودولي، في حين ظل الموقف الإيراني مختلفًا، بالنظر إلى ارتباط حزب الله باستراتيجية طهران الإقليمية. غير أنّ صدور القرارات لا يكفي لإثبات فاعليتها؛ فالدولة تُقاس بقدرتها على تحويل قراراتها إلى إجراءات قابلة للتنفيذ والمساءلة.
من هنا، لا يجوز أن تنتهي قضية ضهر البيدر عند حدود الأشخاص الذين أوقفوا أو الأسماء التي وردت في الادعاء الأولي. المطلوب هو معرفة مصدر المتفجرات، ووجهتها، والغرض من نقلها، والجهات التي تقف وراء العملية، وما إذا كانت هناك شبكات أو مسؤوليات أخرى مرتبطة بها.
كما أنّ الحكومة مطالبة بأن تحمي عمل المؤسسات القضائية والأمنية من أي محاولة للضغط أو الترهيب، وأن تتيح لها استكمال مهماتها وفق القانون. فالتراجع تحت وطأة النفوذ السياسي سيحوّل القرارات الرسمية إلى مجرد إعلانات، بينما المضي في التحقيق بشفافية سيؤكد أنّ القانون لا يتغير بتغير هوية المدعى عليهم.
المواجهة مع منطق الدولة الموازية
هل بدأت إذًا المواجهة الجدية بين الشرعية اللبنانية وحزب الله؟ ربما يكون من المبكر إعلان ذلك، فما جرى حتى الآن خطوة قضائية مهمة، لكنه لا يكفي وحده لإثبات انتقال الدولة إلى مواجهة سياسية أو أمنية شاملة مع الحزب، غير أنّ دلالته تكمن في أنه يضع مبدأ حصرية السلطة أمام امتحان عملي، ويُلزم الدولة بأن تبرهن أنّ قراراتها ليست قابلة للتطبيق على الضعفاء وحدهم.
وليس المطلوب من لبنان أن يفتح مواجهة داخلية جديدة، ولا أن يستبدل منطق السلاح بمنطق الانتقام. المطلوب أن يحسم، عبر مؤسساته الدستورية والقضائية، مسألة الجهة التي تملك حق حمل السلاح وتحديد وجهته واتخاذ قرار الحرب والسلم.
وإذا استطاعت الدولة متابعة قضية ضهر البيدر حتى كشف كامل ملابساتها، من دون استثناءات أو تسويات تفرّغ القانون من مضمونه، فستكون قد خطت خطوة فعلية نحو استعادة سلطتها. أما إذا توقفت التحقيقات عند حدود الموقوفين، أو اصطدمت بحواجز النفوذ السياسي، فسيكون ذلك دليلًا جديدًا على أنّ الطريق إلى الدولة لا يزال أطول بكثير مما توحي به القرارات الحكومية.
وهنا يصحّ القول إنّ المواجهة الحقيقية، في نهاية المطاف، ليست بين الدولة ومكوّن من مكوّنات المجتمع اللبناني، بل بين منطق الدولة الواحدة ومنطق السلطة الموازية. والسؤال الذي ينتظر اللبنانيون جوابًا عنه هو: هل تملك الحكومة الإرادة والقدرة على تنفيذ ما قررته، أم أنّ حصرية السلاح ستظل وعدًا مؤجلًا؟
ميدل إيست أونلاين

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8%D9%8A%D9%8A%D9%86_1_3.jpg.webp?itok=th-l7rXm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86_181_0.jpg.webp?itok=7ROQAYjw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D9%83%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86_5_4_0_1.jpg.webp?itok=Fy0ksBJy)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/b8c5f945-37bc-40dd-b65b-6fc5e94ae967_1_3.png.webp?itok=Bo4y7bND)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_53_0_1_0.jpg.webp?itok=TftrDQ0F)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%88%D9%86%D8%B3%201_4_3_2.png.webp?itok=0JH89OJe)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B41_1.jpg.webp?itok=XaqXO8ey)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8_31.jpg.webp?itok=ARGpqJ1L)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%86%D9%87%D8%B6%D8%A91.jpg.webp?itok=-awBS3MS)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B40_2.jpg.webp?itok=h-BqKSyo)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%84%D8%B9%D8%A7%D8%A8_3.jpg.webp?itok=t9lBWJnB)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%A7%D9%83%D9%85%D9%8A%D8%A90.jpg.webp?itok=HldHn2Z_)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%861_7.jpeg.webp?itok=K8Lv-QOz)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%B1%D9%831_1.png.webp?itok=95lw6ge3)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%B1%D8%AF%D9%86.png.webp?itok=HVlsID-q)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86-%D8%AC1_1_15.jpg.webp?itok=Ga6cwSOY)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B3%D8%AC%D8%AF_0.png.webp?itok=km0ltUK9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Screenshot%202026-10-29%20105658.png.webp?itok=KHsHX29B)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%82%D9%84_4.jpg.webp?itok=492DLhgK)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D8%A72_1.png.webp?itok=YYGzHrYP)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_136.jpg.webp?itok=CrSbMw9-)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86-%D8%AC1_1_13.jpg.webp?itok=BSEQt7fN)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%D9%8A_7.jpg.webp?itok=wRDX_4Wm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86_21.jpg.webp?itok=7QoqemGI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%84%D9%81_2_4_1_1.jpg.webp?itok=V8hLmgWo)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_57_3_0_0_0_4_9.jpg.webp?itok=iP0-4sjy)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_51.jpg.webp?itok=ismhmetI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)