هل باتت ليبيا حلم أردوغان الأخير؟

هل باتت ليبيا حلم أردوغان الأخير؟

مشاهدة

06/01/2020

ترجمة: مدني قصري


لم تستطع القوى الغربية التي تعرضت للهجوم والانتقاد بسبب عدم توقّعها لعواقب تدخلها العسكري في ليبيا ضدّ نظام القذافي، عام 2011، فِعلَ أيّ شيء لمنع تفاقم الوضع عام 2014، ويتضح تصعيد العنف أوّلاً، في مواجهة الميليشيات المتصارعة، للسيطرة على مطار طرابلس والسيطرة على الموارد النفطية في المنطقة الشرقية...؛ حيث كانت المواجهات بين المتمردين تزداد عنفاً وتفاقماً يوماً بعد يوم.

اقرأ أيضاً: هكذا يمكن تفسير دور تركيا المتنامي في الصراع الليبي
مرّة أخرى إذاً؛ اتخذت الحرب بُعداً دولياً في ليبيا، وعندئذ قررت تركيا مواصلة الدفاع عن مصالحها الاقتصادية، وعن وجود مواطنيها المنبثقين عن الماضي العثماني في هذه الأرض.
تركيا العثمانية تعزز نفوذها في ليبيا‎

إدراج الصراع عبر الزمن
ما تزال تركيا، الحاضرة تاريخياً في طرابلس، تُركّز في أعقاب سقوط القذافي، على جميع مواطنيها وأنشطتها الاقتصادية في هذه المنطقة الغربية من ليبيا، الواقعة في قبضة الميليشيات، وتطوّر فروعاً قريبة من داعش، خاصة في مدينتي مصراتة وسرت.

قررت مصراتة المعقل الرئيس للكراغلة بدعم من تركيا الاعتراف بقوة فايز السراج مقابل الحصول على مناصب حكومية

عام 2016؛ قرّر المجتمع الدولي دعم إنشاء حكومة وحدة وطنية معترف بها من قبل كلّ من طرابلس وطبرق، وقادرة على محاربة داعش وحركة الهجرة.
انطلاقاً من تونس، وبدعم من الولايات المتحدة وفرنسا والمملكة المتحدة وإيطاليا وألمانيا، فرض هذا التحالف، بقيادة فايز السراج، بصعوبة أخيراً، في طرابلس وجميع أنحاء غرب البلاد، ولكنّه يعاني من أجل السيطرة على الجيوب المتمردة وعلى الجهاديين في مصراتة ثم سرت، رغم المساعدات العسكرية الغربية.
هذا الضعف دفع مرّة أخرى المجلس التشريعي، الذي ما يزال لاجئاً في طبرق، إلى تأجيل تصويته على الثقة بحكومة الاتحاد الوطني ورفضه أخيراً، بعد إصدار تشريعه الخاص به، وسكّ عملته الخاصة، بقيادة المشير حفتر.
الكراغلة الأتراك يدعمون السراج
فيما يواصل تنظيم داعش تعزيز قوّته، من خلال توسيع نطاق وجوده في جميع أنحاء خليج سرت، قررت مدينة مصراتة، المعقل الرئيس لـ "الكراغلة" الأتراك، بدعم من تركيا، في النهاية، الاعتراف بقوة فايز السراج، مقابل الحصول على مناصب حكومية، وبعد تعزيز هذا التجمع، المدعوم من القوات الخاصة البريطانية على أرض الواقع، تمكّن التحالف أخيراً من استعادة مدينة سرت، التي يأمل في أن يستأنف منها استغلال وبيع النفط من خلال البحر المتوسط، مع طرد الجهاديين نحو الأراضي.

اقرأ أيضاً: هكذا تؤجّج تركيا القتال في ليبيا
ما تزال حكومة الاتحاد الوطني، المهدّدة من جديد من قبل قوة الميليشيات في طرابلس، تعاني من أجل فرض سيطرتها، رغم الدعم التكتيكي والسياسي الذي تتلقاه من قبل الغربيين؛ حيث أصبحت قواتها منهكة بسبب هذا الصراع المستمر من أجل السيطرة على الأراضي.
لعبة مصراتة المزدوجة
ويتضح أنّ مصراتة، ثالث أكبر مدينة في البلاد، تلعب لعبة مزدوجة من خلال دعم الميليشيات المتمردة المعارضة لفايز السراج في طرابلس، مع توحيد صفوفها مع قواته في قتال القبائل وقوات المشير حفتر في جنوب البلاد، وحول المنشآت النفطية التي تكاد تكون جميعها تحت سيطرة طبرق.

اقرأ أيضاً: هذا ما فعله الإخوان في ليبيا
هذه السيطرة على قطاع الطاقة من قبل الرجل القوي الجديد في شرق البلاد دفعته إلى التوقيع على وقف إطلاق النار الأول، في أيار (مايو) 2017، مع فايز السراج، في أعقاب أول لقاء بينهما، تمّ تنظيمه في الإمارات العربية المتحدة، لكن تمّ انتهاك هذه الاتفاقية من قبل مصراتة، التي استمرت في تتبع أهدافها على نحو متزايد، من خلال الهجوم على موقع قوات حفتر المتقدمة عند البوابة الصحراوية بالقرب من سبها، جنوب البلاد.
عودة مؤقته للهدوء
مع إدانتها لهذه الخيانة من قبل حليفها، لم تستطع حكومة الاتحاد الوطني، مع ذلك، منع استئناف الأعمال القتالية والهجوم المضاد من قبل قوات حفتر التي استولت في النهاية على مدينة بنغازي في الشرق، العاصمة القديمة لبرقة.
وفي الوقت الذي عيّنت فيه الأمم المتحدة مبعوثاً خاصاً جديداً، في أواخر حزيران (يونيو)، اتفق قادة الجانبين على الاجتماع مرّة أخرى، في فرنسا هذه المرة، للاتفاق على معاهدة سلام جديدة ومشروع دستور جديد، وعاد كل منهما إلى معسكره، وبدا أنّ الهدوء قد عاد أخيراً إلى ليبيا.
أردوغان يدعم السراج مقابل الحصول على مناصب حكومية للكراغلة الأتراك

انقسامات في سلطة السراج
إذا كان التهديد الإرهابي قد ضعف، فهو مع ذلك ما يزال قائماً، وما يزال يعتمد بشكل خاص على الموارد المرتبطة بالتحكم في طرق الهجرة إلى أوروبا، وبشكل خاص إيطاليا، ومع استمرار اعتمادها على السراج بقدر اعتمادها على الميليشيات، تشهد سلطة السراج انقسامات داخلية مهمّة تمنعه من اتباع سياسة متماسكة بالنظر إلى صلات بعض هذه الجماعات مع المهربين وحتى مع الجهاديين.

تركيا التي رأت طموحاتها تتلاشى في سوريا لا ترغب في أن ترى إستراتيجيتها الجيوسياسية تتراجع مرة أخرى في ليبيا

في المقابل؛ يفرض معسكر المشير حفتر، الأكثر قوة وانضباطاً، سيطرته في المخيال العام، كقوة وحيدة قادرة على استعادة الاستقرار في البلاد، في مواجهة نقاط الضعف في حكومة الاتحاد الوطني، بدأت القوى الدولية، التي سئمت من هذا الصراع الذي لا ينتهي أبداً، في دعم معركة الجيش الوطني الليبي، تحسباً للانتخابات الرئاسية المقرر إجراؤها في نهاية عام 2018، عقب الاجتماع النهائي للمقاتلين في باريس، في أيار (مايو) من العام نفسه.
بدافع القلق والانشغال من هذا التدخل السياسي الأجنبي، الذي يبدو أنه بدأ يغيّر معسكره، استأنفت الميليشيات القتال في طرابلس، وحول المنشآت النفطية، وحتى يثبت شرعيته في أعين المجتمع الدولي، التزم المشير حفتر، بدعم من فرنسا، في غزو جنوب ليبيا؛ حيث يلجأ الجهاديون في الصحراء، ومع استغلاله لهذا الغزو للسيطرة على قبائل المنطقة، استولى الجيش الوطني الليبي أيضاً على حقل النفط الرئيس في البلاد.
ورغم اجتماع جديد حول الانتخابات بين المعسكرين المتصارعين، عُقد في أبو ظبي في أواخر شباط (فبراير) 2019، بدت حكومة طبرق، بدعم من روسيا، إضافة إلى الولايات المتحدة وفرنسا ومصر والإمارات العربية المتحدة، وكأنّها تتجه نحو نصر حاسم في الصراع، من خلال الاقتراب من طرابلس.

اقرأ أيضاً: ليبيا.. أزمة شديدة التشابك تستعصي على الحل
تمّ الإعلان عن هذا الهجوم كنهاية محتملة للنزاع في ليبيا، التي أصبحت أراضيها بين أيدي رجل واحد قادر على توحيد المنطقة، كما كان الحال قبل "الربيع العربي"؛ لذلك، تُذكّر هذه الإمكانية بنهاية الثورة المضادة في مصر عام 2013.

 

أنقرة تقوّي دعمها العسكري لحكومة الاتحاد الوطني
والحال أنّ هذا الحلّ لعودة المياه إلى مجراها الطبيعي لا يرضي لاعباً رئيساً آخر في المنطقة يدعم المتمردين، بمن فيهم الإسلاميون: تركيا؛ فحكومة تركيا التي أصبحت أكثر من أي وقت معزولة دبلوماسيا في الشرق الأدنى والشرق الأوسط، والتي رأت طموحاتها تتلاشى في سوريا، لا ترغب في أن ترى إستراتيجيتها الجيوسياسية تتراجع مرة أخرى في ليبيا.
في الوقت الذي تتصاعد فيه التوترات بالفعل مع القاهرة بشأن قضايا الغاز في البحر المتوسط..، قررت أنقرة مؤخراً زيادة دعمها العسكري لحكومة الاتحاد الوطنية.

اقرأ أيضاً: ليبيا... أطماع وأوجاع
هذا التدخل الجاري يتضح من خلال وجود المعدات والمستشارين العسكريين الأتراك إلى جانب القوات العسكرية الموالية لفايز السراج، ويجعل من ليبيا مثالاً جديداً للحرب بالوكالة، في هذا الجزء من العالم. ويشير هذا النوع من الصراع إلى حرب تبدو في ظاهرها حرباً أهلية بين الفصائل من نفس البلد على أراضيها الوطنية، ولكنّها تطيع في الواقع المصالح الخاصة للقوى الأجنبية التي تمول وتسلح وتدعم كل هذه الفصائل المتصارعة، وشوهد هذا النوع من الصراع خلال الحرب الباردة مع حروب كوريا (1950-1953)، وفيتنام (1955-1975)، وأفغانستان (1979-1989).
القوة العسكرية التركية إلى جانب حكومة طرابلس تغيّر المعطيات
وهكذا، ففي ليبيا، ليست القبائل في الصحراء الجنوبية هي التي تواجه الميليشيات الموالية لائتلاف فايز السراج، التي تواجه هي نفسها قوات الجيش الوطني الليبي، ولكن بطريقة ما مجموع القوى الأجنبية التي تدعم هذه المعسكرات التي تحاول إضعاف بعضها من خلال هذا الصدام؛ فإذا كان الإجماع الدولي الذي بدا سائداً لبضعة أسابيع حول معسكر المشير حفتر قد استطاع أن يُنكِر هذا التوجه الحالي للعلاقات الدولية، فإنّ الحقيقة هي أن فرض القوة العسكرية التركية إلى جانب حكومة الاتحاد الوطني في طرابلس قد غيّر المعطيات، كما دفع القوى الأخرى إلى الكشف عن أهمية دورها في الصراع.

اقرأ أيضاً: لأهداف إيديولوجية واقتصادية، أردوغان يزيد من تدخله في ليبيا
مؤخراً، بعد أن قادت هجوماً مضاداً ناجحاً ضدّ موقع الجيش الوطني الليبي، قامت القوات الموالية لحكومة الاتحاد الوطني، بمساعدة تركيا، بتأجيل المخرج المنتظر من بقية المجتمع الدولي، وبالتالي أثبتت حدود القوة العسكرية للمارشال حفتر.
لقد ردّت قوات هذا الأخير على هذا الهجوم بقصف جديد حول العاصمة، تعرض خلاله مركز لإيواء المهاجرين، الذين نقلتهم السلطات البحرية الأوروبية إلى ليبيا، لخسائر تسببت في مقتل العديد من الأشخاص.

 

حزب العدالة والتنمية يدافع عن المحافظة العثمانية السابقة
نشأت ليبيا عن طريق دمج ثلاثة كيانات مختلفة في أعقاب الاستعمار الإيطالي، وتم توحيدها من قبل أسرة السنوسي، ثم تحت حكم العقيد القذافي، عقب الاستقلال، الذي تمّ الحصول عليه عام 1951، بعد وفاة هذا "القائد" الأخير، ما من قوة ظهرت قادرة على استئناف دور ركيزة الأمة، فظهر من جديد الانقسام الإقليمي الذي سبق توحيد ليبيا على خرائط القتال والمعارك المختلفة، وبالاستناد إلى العقيدة "العثمانية الجديدة" التي تحركه منذ وصولها إلى السلطة في تركيا، عام 2002، بدأ حزب العدالة والتنمية يدافع عن المحافظة العثمانية السابقة، ومصالح مواطنيه المقيمين فيها.

اقرأ أيضاً: كيف يمكن قراءة الدورين المصري والتركي في ليبيا؟
هذه الإستراتيجية التركية التي تدافع عن هذا النموذج الحضاري على الساحة الدولية منذ عام 2011، تجسدت أيضاً في سوريا ومصر، قبل أن تصاب بخيبات الأمل الأخيرة؛ لذلك برزت ليبيا كاحتمال أخير في أعين حكومة رجب طيب أردوغان، لإظهار جدوى سياساتها الجغرافية المطبقة على "الربيع العربي".
وبتحدّيها لعزلتها من قبل القوى الغربية (الولايات المتحدة وفرنسا وروسيا)، والإقليمية (مصر والسعودية والإمارات العربية المتحدة)، يبدو أنّ تركيا الآن تراهن على مسرح المواجهة هذا لفرض قوتها؛ فهي إذ تتلقى الدعم للمرة الأولى من قبل الشرعية الدولية التي تجسدها الأمم المتحدة، تشارك أنقرة في ساحة المعركة، كما تثبت ذلك استعادة المعسكر التابع للمشير حفتر في غريان، كجزء من معركة طرابلس، ويشير انتصار معسكر الحلفاء الموالي لتركيا إلى حدود المشروع الذي تدعمه الآن معظم القوى الكبرى، والذي قد ينبئ بخطر وضع الأزمة الليبية على المدى الزمني الطويل.


المصدر:  lesclesdumoyenorient

الصفحة الرئيسية