
في مقال سابق تناولتُ محاولة جماعة الإخوان اختراق "جيلZ " عبر محاكاة شكلية لحراك شهدته الساحة المغربية، فقد افترضوا أنّ لديهم المقدرة على استثمار السيولة الفكرية والتنظيمية لدى هذا الجيل، ودعونا نطلق عليهم الاسم الذي يفضلونه "چين زاي". انطلقت الفكرة من أنّ السمات العامة لـ "چين زاي" هي الميل للاعتراض، ورفض السلطات التقليدية، وأنّ حساسيتهم تجاه الخطاب الإعلامي الرسمي قد تكون مدخلًا للجماعة والنفوذ إلى تجمعات شبابية، وأن يتمكنوا من دفع "چين زاي" للحراك نحو نقطة الفوضى والاحتجاج، ووسط الفوضى لن يكون أمام التيار الشبابي سوى الإخوان بوصفهم البديل أو الحل. وتكون فرصتهم للعودة إلى المشهد المصري، إمّا بالحراك وإمّا بتجنيد من يصلح منهم للتنظيم الذي يعاني من نقص حاد في الشباب.
الإخوان وسرقة الكيانات عادة قديمة
ساعد على قبول هذه الفكرة داخل التنظيم أنّ تجارب الجماعة عبر التاريخ لسرقة شباب وجمعيات أخرى نجحت في تقوية جماعة الإخوان وانتشارها، فقد استولى حسن البنا، في بداية ظهور الإخوان، على جمعيات إسلامية بأعضائها سواء بالحيلة أو بالإغراء المالي، مثل جمعية الحضارة التي أسسها عبد الرحمن الساعاتي مع آخرين واستولى عليها وعليهم، وجمعية نهضة السيدات المصريات التي أسستها لبيبة أحمد، فأقنعها أن تضم جمعيتها إلى جمعيته، وأن تكون هي رائدة العمل النسوي في الإخوان، وعندما استولى على الجمعية وعلى أفرادها، تركت لبيبة الإخوان في صمت، ثم تكرر الأمر في جيل السبعينات عندما ظهرت حركة إسلامية بين شباب الجامعات المصرية، تسلل الإخوان إليهم وسرقوا عناصرهم وأقنعوهم بالبيعة للإخوان وللمرشد.
وقبيل أحداث كانون الثاني (يناير) 2011 تسلل شباب الإخوان وسط التجمعات الشبابية لتوجيه الغضب وتسريب وجهة نظر الجماعة للشباب على اعتبار أنّها وجهة نظرهم، التي تصبّ في النهاية لصالح الإخوان، سواء كنت منتمياً أو من عاصري الليمون، أي الذين يقبلون الإخوان على مضض.
فشل الجماعة في اختراق "چين زاي"
غير أنّ الواقع هذه المرة جاء كاشفًا ومغايرًا، فجميع محاولات الإخوان لاستقطاب "چين زاي" باءت بالفشل، ولم تُثمر جهودهم عن أيّ حراك ذي دلالة، فلا تجنيد تمّ، ولا تعبئة حصلت، ولا موجة غضب اشتعلت، ولا انخراطات في مسارات معارضة ميدانية وقعت، فقط ضوضاء إخوانية ليس لها أثر.
فشل الإخوان هنا لا يكمن في ضعف أدواتهم ولا لضعف خطة الاختراق، بل في سوء فهم طبيعة الجيل نفسه، فالجيل الحالي لا ينتظر وصاية، ولا يبحث عن جماعة تُفكّر نيابةً عنه، ولا يرى في الفوضى قيمة بحدّ ذاتها، ولا في الاعتراض غاية نهائية، ومن ثمّ فإنّ محاولة إعادة المحاولة مع "چين زاي" لم تكن سوى وهم إخواني بحت، لم يفهم الإخوان، شبابهم وشيوخهم، أنّ الجيل الحالي لن يسمح لهم بإعادة إنتاج الجماعة ولا أفكارها ولا خطابها، مهما أعيد تغليفه، لم يفهموا أنّ "چين زاي" لا يتحرك بالشعارات، ولا يُقاد بالتعبئة، ولا يدخل معارك لا يرى فيها معنى لحياته ولا أفقًا لمستقبله.
هذا الجيل يرفض التنظيمات من الأساس، لأنّه تشكّل في فضاء مفتوح، ويشكك في كل سلطة، ويرفض الوصاية مهما تلونت بالدين أو السياسة أو حتى الوطنية، جيل لا يثق في الأسرار، ولا في البيعات، ولا في الطاعة العمياء.
أمّا الإخوان، فمهما بدّلوا لغتهم وتخففوا ظاهريًا من إيديولوجيتهم، فإنّهم يظلون تنظيمًا هرميًا، ومؤخرًا تنظيمًا متكلسًا، يحرك أتباعه بعد غرس مبدأ السمع والطاعة والانضباط القسري، وهو تناقض جذري مع جيل أهمّ سماته الفردانية والتقلب، كما أنّه يغيّر موقفه أسرع ممّا يغيّر صورته الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي، جيل ينسحب من أيّ إطار يشعره بالاختناق، ويعمل خارج أيّ التزام تنظيمي صارم.
"چين زاي" لا يحمل أيّ عقدة نوستالجيا تجاه الإخوان، ولا يرى فيهم مشروعًا مؤجّلًا أو فرصة ضائعة، هذا جيل لم يعايش الجماعة بوصفها ضحية، بل ورث صورتها كقوة فشلت في الحكم، وأغرقت المجتمع في استقطاب حاد، وربطت الدين بالسياسة على نحو كارثي دفع ثمنه الجميع، جماعة تورطت في العنف والإرهاب، جماعة أصغر قادتها قارب السبعين من عمره، هم يرون الجماعة صفحة قديمة طواها الزمن.
ومن الأسباب الأكيدة لفشل استقطاب الإخوان لـ "چين زاي" أنّ الجماعة لعبت على وتر الغضب الذي يجتاح هذا الجيل، لكنّها لم تدرك بشكل كافٍ أنّ الغضب وحده لن يحركهم، فهم ليسوا بالسذاجة التي تجعلهم ينخرطون في مسار بلا أفق، ولن يقبلوا التضحية دون تصور واضح، ولن ينزلوا إلى الشارع من أجل شعارات فضفاضة أو مظلومية مزعومة، وهنا Plot twist أو "التويستة" التي لم يفهمها الإخوان، فهذا الجيل ليس من التسعينيات، حيث أجيال التعبئة العاطفية، هذا الجيل تربى ذاتيًا على تفكيك الخطاب، وفضح التلاعب، وكشف البروباغندا، وفهم منطق الخوارزميات قبل منطق الشعارات، جيل غير معنيّ أصلًا بقضية الإخوان، وهم أساسًا يرون أنّ الجماعة ليست خطرًا ولا أملًا.
لا أحد لديه الاستعداد لدفع ثمن الفوضى
أهمّ أسباب فشل الإخوان أنّهم حاولوا العودة على حساب هذا الجيل، وخاطبوه بشباب في مثل سنهم لكن بعقلية تنظيمية عتيقة، لم يفهم الإخوان بعد أنّ المجتمع ككل، ومن ضمنهم "جين زاي"، يرفضون الجماعة، فالجميع غير مستعد لدفع ثمن الفوضى مرة أخرى، فالوعي الجمعي تطور، وتجارب الإقليم أصبحت حاضرة لا بوصفها ثورات ناقصة، بل كدروس مكتملة في الخراب، وأصبح يقيّم الأحداث بماذا كانت النتيجة؟ ومن دفع الثمن؟ هذا الجيل أصبح يعرف الإجابات، ولن ينخدع بالشعارات الدينية أو الوطنية مرة أخرى.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D9%86_1_0.jpg.webp?itok=NCzTOlr5)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/images_9_0_0.jpg.webp?itok=x5bNgfDs)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/344281-293240_0_0_0_2_1_0_0.jpg.webp?itok=TDvTeKmh)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/IMG_6670_0_1_7.jpeg.webp?itok=8RV_dWnL)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%8688_0_3_1_7_16.jpg.webp?itok=5xAFcRln)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%88%D9%8A%D8%AA_12_0_0_0_0.jpg.webp?itok=A-z0ubez)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%AA%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7_16_0.jpg.webp?itok=cBqOpkeR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_105_1.jpg.webp?itok=YFMYYJ6o)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/hq720_1.jpg.webp?itok=K5jtD8NN)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A72_1_0_2.jpg.webp?itok=jfkTcgP5)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%88%D8%AB%D9%8A%D9%88%D9%86%20%D9%8A%D9%85%D9%86_0_0.jpg.webp?itok=qYITRVsk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/45441_1_1616298792.jpg.webp?itok=21c-OiEa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D9%84%D8%A7%D9%8A%D8%A9_3_2_2.jpg.webp?itok=yJg8j5Rq)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/66442868058220260615035806586.jpg.webp?itok=b4jj-erZ)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/b6b06990-51e8-4db4-b177-dfee67f75ab5.png.webp?itok=30a_eE-o)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/aadbeb50-0699-4359-8d4e-8951106bf7e5.jpg.webp?itok=wnuQsws2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_21_0_0.jpg.webp?itok=myU5DPhU)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)