هذا ما تنبئنا به فيديوهات ضرب الأطفال!

هذا ما تنبئنا به فيديوهات ضرب الأطفال!

مشاهدة

09/10/2019

الفظاعة التي احتواها مقطع فيديو انتشر على منصات التواصل الاجتماعي مؤخّراً، لأب يعنّف طفلته التي لم تتجاوز السنة، أظهرت على جانبها الآخر حجم التعاطف الذي أبداه الناس اتجاه الطفلة المعنّفة؛ فقد أيقظ العنف الممارس في المشهد، حسّاً إنسانياً مشتركاً عند فئاتٍ اجتماعية متباينة، أجمعت على إدانة وتجريم هذا الفعل، فلم يخرج هذه المرّة أحدٌ ليبرّر أو يؤيّد الفعل، أو الذهاب إلى اعتباره أمراً خاصاً لا يجوز التدخل فيه، ومناشدة السلطات والمنظمات المعنيّة لأخذ دورها في التعامل مع هذه الحادثة، كانت دليلاً على أنّ الجميع رأوا أنفسهم معنيّين بالأمر.

اقرأ أيضاً: هل تكون الطفلة جنى آخر من يتعرض للعنف الوحشي في مصر؟
فالكثير من المواقع التي نشرت الخبر، أكدت أنّ موجة السخط ومناشدات رواد منصات التواصل ساهمت في إلقاء القبض على الفاعل، إنّه حقاً لأمرٌ يدعو للتفاؤل، ولكن هل انتصارنا لهذه الطفلة يخوّلنا أن نعود هانئين إلى نشاطاتنا المعتادة، وكأننا نعيش في عالمٍ يعمّه السلام؟ أو كأنّ هذا الحدث لم يكن إلا استئنائياً، قمنا بمعالجته وانتهى الأمر؟ أم أنّنا نشبه من غرف من البحر دلواً وظنّ أنّه أنقصه؟ هذه التساؤلات ليست من باب التقليل من الأصوات التي ارتفعت وندّدت بالحادثة، إنّها دعوة لقراءة المشكلة من أكثر من زاوية.

العنف هو العنف مهما كانت درجته ولكن ضروب التأديب في مجتمعاتنا تجعل من القانون الحليفَ الأهمَّ للكم المتمثل بالعرف العام

ما شاهدناه في مقطع الفيديو، هو نتيجة جانبية لثقافة يغذي جذورها العنف، وهذا قد يجعلنا جميعاً دون استثناء نحمل وزر ما حدث ووزر ما يحدث وما سيحدث. في الحقيقة ما أثار استياء قسمٍ كبيرٍ منّا ليس العنف بحد ذاته، وإنما الدرجة والشدة التي ظهر بهما، فأحد الساخطين الذي استفزه مقطع الفيديو يقول: "أنا أعنّف أطفالي عندما يخطئون، ولكن لا يمكنني مقارنة صفعة على الوجه بما شاهدته من توحش"، هذا الاعتراف أماط اللثام عن التناقض الذي يحكم نظام تربيتنا.
يبدو أنّ العنف في مجتمعاتنا مقبول ومبرّر، طالما هو في درجاتٍ معيّنة ويخدم غرضاً معيناً، ولكن هل بإمكان أيٍّ منّا وضع حدٍّ للعنف، يتوقف عنده ولا يتجاوزه؟ لا أعتقد ذلك، فليس العنف في المحصّلة سوى غيابٍ للوعي وتهميش للحبّ، وهذا ما يتناقض مع الفهم السليم للتربية جملةً وتفصيلاً، فأيّ صورةٍ يتجلّى بها العنف، تشكّل انتهاكاً لكرامة الفرد وإنسانيته، ومن لم يفكر بحجم الأذية التي يمكن أن تخلّفها صفعة على وجه طفل، لم يخطُ بعد خطوته الأولى إلى فهم التربية.

اقرأ أيضاً: متى تحمي تركيا النساء من العنف؟
القول المأثور: "من يسرق البيضة كمن يسرق الجمل" ينظر إلى الكمّ باعتباره هامشياً، ففي النتيجة نحن أمام سارقٍ، أكان بيضةً أم جملاً، وهذا ما ينطبق على العنف تماماً إذا ما قلبنا المقدمة والنتيجة؛ فالعنف هو العنف مهما كانت درجته، طالما سينتج عنه ضحيّة، ولكن ضروب التأديب التي تقرها القوانين في مجتعاتنا "ما ينزله بالأطفال آباؤهم وأساتذتهم على نحو ما يبيحه العرف العام"، تجعل من القانون الحليفَ الأهمَّ للكم المتمثل بالعرف العام، فحين تُهمَل الأذيّة النفسية المتعلقة بالطفل في بنوده، أو يتم تجاهلها، هذا لأن قوانيننا في جوانبها العميقة تحرس العنف.
في كثير من الأحيان نهزأ من القوانين الغربية التي تنص على حماية الطفل وتجنيبه كافة أنواع الأذى؛ الجسدي والنفسي، وقد يذهب بنا الأمر إلى التهكم عليها والاستهجان منها، خاصةً أمام خبر أنّ "طفلاً بإمكانه إيداع والديه السجن، إذا ما تم تعنيفه من قبلهما"، أو ما نسمعه بعد موجة اللجوء إلى الدول الأوروبية بأنّ "أسراً تُحرم من أطفالها بسبب تعنيفها لهم"، إنّ هذا التهكم وهذا الاستهجان هما من ساهما بتغييب قوانين حماية الطفل عن مجتمعاتنا، وأتاحا للأب في مقطع الفيديو أن يقوم بكل هذا العنف اتجاه طفلته، وما جعلنا نحظى بكل الألم أثناء مشاهدتنا له.

اقرأ أيضاً: ماذا تعرف عن أول معاهدة دولية بشأن العنف والتحرش في العمل؟
لقد خطا العالم في القرن الواحد والعشرين خطوات هائلة، ولكن ما من أحد يعرف إلى أين يمكن أن نصل مع هذه الخطوات "فهل يُعقل أننا في القرن الواحد والعشرين ويحدث كل هذا؟"، الجملة التي تتردد على لسان الكثيرين، هي استنكارُ للامنطق الذي يحكمنا، فبدل أن نحظى بتناسبٍ طرديٍّ بين ما وصل إليه العالم من إنجازات واكتشافات علمية واختراعات، وبين الرفاه الإنساني، وجدنا أنفسنا في سباقٍ مع العنف.

يبدو أنّ العنف في مجتمعاتنا مقبول ومبرّر طالما هو في درجاتٍ معيّنة ويخدم غرضاً معيناً

هذا السباق الذي داس خضرة أطفالنا، يتضح في رسالة "هنرييتا فور" المديرة التنفيذية لليونيسف في الذكرى الثلاثين لاتفاقية حقوق الطفل، من خلال تفنيدها للإنجازات التي حققتها المنظمة خلال ثلاثة عقود، والمعوقات المستقبلية التي ستتعثر بها الطفولة، وعلى الرغم من أنّها رسالة دافئة ومؤثرة وتحلّق على جناحي الأمل، إلا أنّها تحمل في طياتها ضآلة ما قُدّم لأطفال الأمس، وفداحة ما ينتظر أطفال اليوم.
فرسالتها التي انتهت بقولها "مثلما ارتقى أطفال عام 1989 ليصبحوا قادة اليوم، فأنتم يا أطفال ويافعي عام 2019 قادة المستقبل وأنتم مصدر إلهامنا"، فإن كان هذا الكلام يحمل في تضاعيفه نوايا طيبة، ولكنه يثير أكثر من تساؤل، فمن قصدت بقادة اليوم؟ هل هم القادة السياسيون الذين يجرّون شعوبهم والعالم إلى الهلاك؟ أم القادة الاقتصاديون، مبتكرو النزوع الاستهلاكي الذي أفرغ الإنسان من محتواه وساهم في تسطحيه؟ أم مدّعو الدين وزعماء الطوائف وعبيد المال؟ إلى أين ارتقى بنا هؤلاء القادة، بالفعل لقد نجحوا في قيادة العالم وتقدمه، ولكنه تقدُّم باتجاه الهاوية.
وفيما يتعلّق بأطفال 2019، قادة المستقبل، أيّ مستقبلٍ ينتظرهم لقيادته؟ ففي ضوء العنف الممنهج الذي يدير العالم ويقتسمه، لا شيء سوى أنّ الجميع يتقن كل ما يفعله، ولكن في الحقيقة لا أحد يعرف ما يفعل، أو يبالي بما يفعل، الجميع سيدحرج كرة العنف ذاتها، فحيثما يزدهر العنف، العملة الرائجة في مجتمعاتنا اليوم، يدفع الأطفال الضريبة الأغلى، إنهم يدفعون طفولتهم، وبالتأكيد سيدفع هذا العالم الظلامَ والبرد ثمناً لانتهاكها.

الصفحة الرئيسية