هدى الكافي: الإسلام السياسي في العصر الرقمي... أدوات جديدة وجوهر ثابت

هدى الكافي: الإسلام السياسي في العصر الرقمي... أدوات جديدة وجوهر ثابت

هدى الكافي: الإسلام السياسي في العصر الرقمي... أدوات جديدة وجوهر ثابت


11/05/2026

 

حوار/ رامي شفيق

في سياق التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم في كل لحظة، وما يرافقها من تصاعد لخطابات التطرف والتشدد، وتزامن ذلك مع بروز جماعات وتنظيمات إرهابية تمارس القتل والتخريب بشكل عابر للحدود، يكتسب الحديث عن آليات التفكير النقدي ودوره في متانة بنية المجتمعات وتحصين الأفراد أهمية مضاعفة؛ بغية تمكين الدول من بناء سياجات أمان تمنحها القدرة على العبور بمواطنيها ومجتمعاتها بسلام نحو العقود القادمة.

في هذا الحوار، التقت (حفريات) الأستاذة هدى الكافي، سعيًا إلى تفكيك العلاقة المعقّدة بين إيديولوجيا الإسلام السياسي، وضعف المناعة الفكرية، ودور المؤسسات التربوية في بناء وعي قادر على المواجهة. ويسلّط الحوار الضوء على جملة من الأبعاد النفسية والاجتماعية التي تستغلها هذه التيارات، ويقارب سبل التصدي لها من خلال التربية والفكر.

ترى هدى الكافي، المفتشة العامة بوزارة التربية التونسية وأستاذة مبّرزة "حاصلة على ماجستير" في الفلسفة، في حوارها مع (حفريات)، أنّ خطورة إيديولوجيا الإسلام السياسي لا تنحصر في مضمونها، بل في قدرتها على اختزال الإنسان داخل هوية مغلقة، وتحويل الدين إلى أداة للهيمنة. وتشير إلى أنّ هذه الإيديولوجيا طوّرت أدواتها لتواكب العصر الرقمي، مستهدفة هشاشة الشباب النفسية والمعرفية عبر خطاب مبسّط وعاطفي. وتؤكد أنّ انتشار الفكر المتشدد لا يرتبط فقط بقوة مروّجيه، بل بضعف التفكير العلمي لدى المتلقين، وهو ما يجعل من التربية على الشك المنهجي وطلب الدليل ضرورة ملحّة لبناء عقل نقدي مقاوم.

وتشدّد الباحثة التونسية لـ (حفريات) في هذا الحوار على أنّ المدرسة تمثّل خط الدفاع الأول ضد التطرف، لكنّها تفقد هذا الدور حين تنحصر في التلقين بدل تنمية مهارات السؤال والحوار. وتوضّح أنّ الخطاب المتشدد يستثمر في مشاعر الخوف والانتماء لتعويض غياب التفكير النقدي، مستهدفًا أفرادًا يعانون من هشاشة نفسية أو إحباط اجتماعي. ومن هنا تدعو إلى إصلاح تربوي شامل يقوم على إدماج الفلسفة والتفكير النقدي منذ المراحل المبكرة، وتعزيز الثقافة العلمية والإعلامية، بما يسهم في بناء جيل قادر على الفهم، والمساءلة، واتخاذ مواقف واعية ومسؤولة.

نص الحوار:

كيف ترين خطر إيديولوجيا الإسلام السياسي في الشرق الأوسط اليوم، وهل تغيّرت أدواتها في التأثير على المجتمعات مقارنة بالماضي؟

ـ أعتقد أنّ خطر إيديولوجيا الإسلام السياسي لا يكمن فقط في مضمونها العقائدي أو السياسي، بل في قدرتها على اختزال الإنسان في هوية واحدة مغلقة، وعلى تحويل الدين من مجال روحي وأخلاقي مفتوح إلى أداة للهيمنة على العقول والضمائر. لقد تغيّرت أدوات التأثير اليوم بشكل واضح؛ فلم تعد هذه الإيديولوجيا تعتمد فقط على الخطب المباشرة أو التنظيمات التقليدية، بل أصبحت تتحرّك داخل الفضاء الرقمي، عبر الصور القصيرة، والمقاطع العاطفية، والخطابات المبسّطة التي تستهدف الهشاشة النفسية والمعرفية لدى الشباب. إنّها لم تتخلَّ عن جوهرها، لكنّها طوّرت وسائلها.

وهذا ما يجعل خطر الإسلام السياسي مستدامًا، فضلًا عن كونه عابرًا للجغرافيا، ويحتاج دومًا إلى فعل مقاومة وممارسات واعية ومستنيرة، لتشييد جداريات مُجابهة تتّصف بالإيجابية.

إلى أيّ مدى يسهم غياب التفكير العلمي والمنطقي في خلق بيئة خصبة لانتشار هذه الإيديولوجيات بين الشباب؟

ـ إنّ غياب التفكير العلمي والمنطقي يترك فراغًا خطيرًا داخل الوعي. فعندما لا يتعلم الشاب كيف يميّز بين الحجة والانفعال، بين البرهان والشعار، بين الحقيقة والتلاعب، يصبح أكثر قابلية لتصديق الخطابات الجاهزة. 

لعله من  الضروري ملاحظة أنّ  الفكر المتشدد لا ينتشر فقط بسبب قوة أصحابه، بل بسبب ضعف المناعة العقلية لدى المتلقين. لذلك أرى أنّ التفكير العلمي ليس مجرد معرفة بالتجارب أو القوانين، بل هو تربية على الشك المنهجي، وعلى طلب الدليل، وعلى مقاومة التفسيرات السهلة للعالم.

وبالتالي على المجتمعات أن تهتم بذواتها وبأجيال الشباب في بنيتها الديموغرافية وتعمل على تأسيسها بشكل واعٍ ومستدام، لتجعل منها صمام أمان لمواجهة مخاطر المستقبل المتعددة.

هل يمكن اعتبار ضعف منظومات التعليم أحد العوامل الأساسية التي تسمح بإعادة إنتاج هذه التنظيمات عبر أجيال جديدة؟

ـ نعم، بكل تأكيد. حين تكتفي المدرسة بالتلقين والحفظ، فإنّها قد تنتج تلاميذ قادرين على استرجاع المعلومات، لكنّها لا تملك في هذا السياق القدرة على إنتاج عقول قادرة على مساءلتها. وهذا الضعف لا يتعلق فقط بالمناهج، بل بطريقة التدريس، وبالعلاقة بين الأستاذ والتلميذ، وبغياب فضاءات الحوار داخل المؤسسة التربوية. إنّ المدرسة التي لا تعلّم الطفل أن يسأل، وأن يعترض، وأن يفكر مع الآخرين، تتركه لاحقًا فريسة سهلة لكل خطاب يدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة.

إذًا، يستقر في تقديري أنّ المدرسة والمؤسسات التربوية تُعدّ مجالًا حيويّا لممارسة فعل المقاومة ضد الأفكار الظلامية، كما أنّها تمثل مختبرًا حيويًا ضد الجمود العقلي والتصورات المسبقة.

كيف يتم توظيف الخطاب الديني أو العاطفي لتعويض غياب التفكير النقدي لدى الأفراد وجذبهم نحو هذه التيارات؟

ـ يتم ذلك عبر استثمار الخوف، والشعور بالذنب، والحاجة إلى الانتماء. فالخطاب المتشدد غالبًا لا يبدأ بالعنف، بل يبدأ بوعد نفسي: وعد بالطهارة، باليقين، بالانتماء إلى جماعة مختارة، وبامتلاك معنى نهائي للحياة. وحين يكون الفرد فاقدًا لأدوات النقد، فإنّه لا يرى في هذا الخطاب خطرًا، بل يراه خلاصًا. هنا تكمن خطورته: إنّه لا يخاطب العقل أوّلًا، بل يخاطب الجرح الداخلي، ثم يغلّفه بلغة دينية تمنحه شرعية زائفة.

ومن هنا تكمن خطورة توظيف الخطاب الديني لتمرير مقولات جماعات الإسلام السياسي، وعبورها من خلال نفسيات ممزقة أو طريدة. 

برأيك، ما العلاقة بين الإحباط الاجتماعي والاقتصادي وبين قابلية الشباب للانخراط في تنظيمات ذات طابع إيديولوجي متشدد؟

ـ إنّ الإحباط الاجتماعي والاقتصادي لا يفسّر وحده التطرف، لكنّه يخلق قابلية نفسية له. الشاب الذي يشعر بأنّه مهمّش، غير مرئي، بلا أفق، قد يبحث عن معنى بديل يمنحه شعورًا بالقوة والاعتراف. التنظيمات المتشددة تدرك ذلك جيدًا، ولذلك تقدّم له هوية جاهزة، وعدوًا جاهزًا، ورسالة جاهزة. إنّها تحوّل الإحباط إلى غضب، والغضب إلى انتماء إيديولوجي، لذلك لا يمكن مقاومة التطرف بالفكر وحده، بل لا بدّ أيضًا من عدالة اجتماعية، ومن سياسات تمنح الشباب أفقًا حقيقيًا للحياة.

هل تمثل مبادرات تبسيط الفلسفة مثل "مشروع الفلسفة الموجهة للأطفال"   وسيلة فعالة لبناء وعي نقدي يحصّن الأجيال الجديدة ضد الفكر المتطرف؟

ـ نعم، إذا فُهم التبسيط لا بوصفه تسطيحًا للفكر، بل بوصفه مدخلًا ذكيًا إلى تعلّم السؤال. الطفل لا يحتاج إلى فلسفة معقّدة، لكنّه يحتاج إلى أن يُؤخذ تفكيره مأخذ الجد. مبادرات مثل "الفلسفة الموجهة للأطفال" يمكن أن تكون مهمة لأنّها تعلّم الطفل أن يسأل: لماذا؟ كيف أعرف؟ هل يمكن أن يكون رأيي خاطئًا؟ ماذا يعتقد الآخر؟ هذه الأسئلة البسيطة ظاهريًا هي بداية بناء عقل مقاوم للتعصب. فالتطرف يبدأ حيث ينتهي السؤال.

 ما أهمّ الأدوات الفكرية والتربوية التي تقترحينها لمواجهة هذه الظاهرة وبناء جيل قادر على التفكير الحر والمستقل؟

ـ أوّل أداة هي إصلاح المدرسة من الداخل، حتى تصبح فضاءً للحوار لا مجرد فضاء للامتحان. ثانيًا، إدماج التفكير النقدي والفلسفة الموجهة للأطفال منذ السنوات الأولى، لا باعتبارها مادة إضافية، بل باعتبارها روحًا تربوية تعبر كل المواد. ثالثًا، تدريب المربين على إدارة النقاش، وعلى احترام صوت الطفل، وعلى تحويل الاختلاف إلى فرصة للتفكير لا إلى سبب للإقصاء.

وأرى ضرورة تعزيز الثقافة العلمية، والتربية الإعلامية والرقمية، لأنّ جزءًا كبيرًا من التلاعب اليوم يحدث عبر الصورة والمنصة والخوارزمية. نحن بحاجة إلى جيل يعرف كيف يقرأ خطابًا، وكيف يفكك صورة، وكيف يميز بين المعرفة والدعاية. مواجهة التطرف لا تكون بخطاب مضاد فقط، بل ببناء عقل حر، قادر على الشك، والحوار، والاختيار المسؤول. الفلسفة هنا ليست ترفًا ثقافيًا، بل ضرورة حضارية.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية