مِن نبش كتب القبور إلى فخ الحيرة‎

مِن نبش كتب القبور إلى فخ الحيرة‎

مشاهدة

27/02/2020

ابن رجب، هو أحد  كبار علماء السلف، الحافظ العلامة؛ زين الدين عبد الرحمن بن أحمد البغدادي الدمشقي الحنبلي، ولد في بغداد، عام 736 هـ، ومات عام 795 هـ، وقد تنقل بين بغداد ودمشق ومكة، كان إماماً في علم الحديث وفي الإسناد والعلل والفقه، وألّف مذكرة عنونها بـ "فضل علم السلف على علم الخلف".

اقرأ أيضاً: كيف زيّفت الجماعات الإسلامية وعينا بالتراث؟
وكان كتابه، واحداً من الكتب التي دخلت مجال الجدل، ليس بنفسها، وإنما بموضوعها ومضمونها ورسائلها واشتمالاتها من الأفكار والقيم والتوجيه والإرشاد، وهو موضوع كبير وواسع، عنوانه تصنيف العلوم، فقد كتب علماء كبار في هذا الشأن، وأولوه عناية واهتماماً كبيرين، فمنهم مثل ابن رجب، الذي جعل الأفضلية في العلم والتعلم للسلف، مُعتبراً هذا الحد هو المقياس لتقرير قيمة العلم أو ضرورته، وقاعدة ابن رجب لذلك؛ أنّ مقاصد الخلق هي في الدين وحده، ولمّا كانت علوم السلف كلها أو جُلّها، في أمور الدين، فهي المقدمة على ما سواها، وما عداها من العلوم يمكن الاستغناء عنه.

اعتبر أبو حامد الغزالي مقاصد الخلق مجموعة في الدين والدنيا معاً، حيث لا نظام للدين إلا بنظام الدنيا

ولكن، ثمة من لم يخضع لهذا القياس، وأوجد عناوين بديلة للتصنيف، ومنهم "أبو حامد الغزالي"، الذي قال؛ "إنّ مقاصد الخلق مجموعة في الدين والدنيا معاً، ولا نظام للدين إلا بنظام الدنيا، ولا ينتظم أمر الدنيا إلا بأعمال الآدميين"، فقد قدّم الغزالي، رحمه الله، كلاماً كثيراً حول العلوم المحمودة والمذمومة، وعلوم الأصول وعلوم الفروع، ولم يكن يقصد بعلوم الأصول علوم الدين فحسب، بل جعل الزراعة والسياسة والحياكة، مثلاً، علوماً من علوم الأصول، من حيث إنّها علوم لا يستغنى عنها، فعلوم الدين من أجل الدين، وعلوم الزراعة من أجل المطعم، وعلوم البناء من أجل المسكن، وعلوم الحياكة من أجل الملبس، وعلوم السياسة من أجل التأليف والاجتماع والتعاون في أسباب المعيشة وضبطها.
لقد ذهب الغزالي، رحمه الله، إلى قول بالغ الأهمية، وهو "الاغترار بالعلوم"، التي اعتبرها أصحابها علوماً لا تصح علوم الدين إلا بها، مُقدماً شواهد على هذا الاغترار، فقال؛ "وفرقة أخرى اشتغلوا بعلوم النحو واللغة والشعر وغريب اللغة واغتروا بها، وزعموا أنّهم قد غفر لهم، وأنهم من عماد الأمة، إذ إنّ قوام الدين بالكتاب والسنة وقوام الكتاب والسنة بعلم اللغة والنحو، فأفنى هؤلاء أعمارهم في دقائق النحو وفي صناعة الشعر وفي غريب اللغة ومثلهم كمن يفني جميع العمر في تعلم الخط وتصحيح الحروف وتحسينها، ويزعم أنّ العلوم لا يمكن حفظها إلا بالكتابة، ولو عقل لعلم أنه يكفيه أن يتعلم أصل الخط والباقي زيادة على الكفاية".

اقرأ أيضاً: الحداثيون والتراثيون.. هل الجميع بريء من مشكلاتنا؟
واعتبر الغزالي أنّ العلوم التي جعلها أصحابها وسيلة للوصول إلى علوم الشرع ومتعلقة بها، اغتر بها أصحابها، وأما علوم الطب والحساب والصناعات والفلسفة وما يصنف على أنه ليس من علوم الشرع، فكان الغرور بها أقل.
وهنا تكمن معضلة تصنيف العلوم لدى العرب، حيث إنّ ما اعتبروه علماً شرعياً أو متصلاً بعلم شرعي، جرى الاغترار به، حتى سدت التصانيف والمؤلفات والرسائل عين الشمس، في المقابل، فإنّ إنتاج العرب من المصنفات العقلية وعلوم أصول الحياة؛ من الطب والحساب والصناعات، قليل ولا يكاد يذكر، وإن ذكر، فمن باب فضول القول.

جعل ابن رجب الأفضلية في العلم والتعلّم للسلف، مُعتبراً هذا الحد هو المقياس لتقرير قيمة العلم أو ضرورته

ونختم بقول الغزالي؛ "وظن من يظن أنّ العلوم العقلية مناقضة للعلوم الشرعية، وأنّ الجمع بينهما غير ممكن، هو ظن صادر عن عمى في عين البصيرة".
أمّا "أبو نصر الفارابي"، الذي لُقّبَ بالمعلم الثاني، فجعل العلوم في كتابه "إحصاء العلوم"، 5 أقسام؛ علم اللسان وعلم المنطق وعلم النحو وعلم التعاليم والعلم الطبيعي الإلهي، ولا مجال للخوض فيها، إلا أنّه في هذا التصنيف لم يحسب حساب المفاضلة بينها، إلا من باب بيان فائدتها ومنفعتها.

اقرأ أيضاً: التراث كان يحكم حتى الحملة الفرنسية.. فما الذي حدث؟
ولابن خلدون قول مهم في هذا السياق، فقد قسّم العلوم إلى علوم مقصودة بالذات؛ كالشرعيات من التفسير والفقه والحديث وعلم الكلام، والطبيعيات من الفلسفة، وعلوم آلية، وهي وسيلة لهذه العلوم، كالعربية للشرعيات والمنطق للفلسفة، وقياساً عليه، فإنّ الطب الذي يُبقي الجسم قادراً على الحياة والعبادة؛ هو علم وسيلة أيضاً، المهم هنا أنّ قول ابن خلدون هو؛ "لأن المتعلمين اهتمامهم بالعلوم المقصودة أكثر من اهتمامهم بوسائلها، فإذا قطعوا العمر في تحصيل الوسائل فمتى يظفرون بالمقاصد".

اقرأ أيضاً: ما التراث؟ وكيف هي علاقتنا به؟
لقد ذهب العرب مذاهب شتى في تصنيف العلوم؛ بين أصلٍ وفرع، مقصد ووسيلة، شرعي وغير شرعي، لكنّ السمة التي غلبت على وعي الناس والمتدينين تحديداً، أنّ العلوم الشرعية هي أشرف العلوم وأفضلها، وفي هذا إقرار كامل، لكن الاغترار بالطلب للعلوم الشرعية وأدواتها ووسائلها وفروعها؛ قد خلق هوة كبيرة بين علوم الدين وعلوم الدنيا على مستوى العالم العربي والإسلامي، فتقدمنا في التصنيف والتأليف، في الفقه والأصول والتفسير والنكاح والجماع والاغتسال وأحوال القيامة والقبور.. وغير ذلك الكثير، وتأخرنا في علوم بات العالم لا يقوم إلا عليها ولا تستوي الحياة إلا بها.

قسّم الفارابي العلوم إلى 5 أقسام؛ علم اللسان وعلم المنطق وعلم النحو وعلم التعاليم والعلم الطبيعي الإلهي

أزعم أنّ العرب القدماء من العلماء والمؤلفين، لم يصنفوا العلوم على قاعدة الاحتكار والاغترار بالشرعي منها على حساب الدنيوي، لكنّ الفهم والتأويل والاستيعاب لما كتبوه وصنفوه لم يصل غايته، ربما خاف السلف على الدين في عصورهم المتأخرة، أن يستشكل في النفوس أو تختلط فيه الأفهام، فصنفوا فيه ومن أجله، لكنّ خطأ الخلف هو التموضع معرفياً خلف علوم حصنها أصحابها بأحكام الشرع والدين خوفاً على الدين، ضاربين عرض الحائط بعلوم العصر والحاجة إليها وضرورتها، وعدم محاكمتها على أسس السلف، الذين لم يرفضوها بقدر ما خافوا منها.
وكما قال أحد السلف "أكثر كَتَبَة الحديث في هذا الزمان بعيد عن حفظه، خالٍ من معرفة فقهه، لا يفرقون بين معلَّل وصحيح ولا يميزون بين معدَّل ومجروح، ولا يسألون عن لفظ أشكل عليهم رسمه ولا يبحثون عن معنى خفي عنهم علمه"، وربما جاز هذا القول في زماننا أكثر من جوازه في زمان كاتبه، فهذا عصر الحيرة؛ معرفياً وعلمياً وثقافياً، في فضاء واسع ومزدحم بعلوم ساهمنا فيها بنبش كتب النكاح والقبور أكثر من مساهمتنا في صناعة إبرة.


الصفحة الرئيسية