مَن كان يقود الفلسطينيين في مواجهة الانتداب الإنجليزي؟

3350
عدد القراءات

2018-05-16

خضعت فلسطين كما سائر بلدان المشرق العربي للحكم العثماني على مدى قرون، وهو ما انعكس في غياب أيّ كيان سياسي فلسطيني خاص، وقيادة ممثلة؛ حيث كانت البلاد تُدار من "الباب العالي"، وكان الحاكم المحليّ بمثابة وكيل له. وبعد اندلاع الثورة العربية الكبرى عام 1916، كانت حركة النخب والوجهاء الفلسطينيين جزءاً من هذه الثورة؛ إذ تبنّت مطالب الوحدة والاستقلال العربي، ولكن انتداب بريطانيا على فلسطين بعد مؤتمر الصلح بباريس عام 1919، وصدور وعد بلفور عام 1917، القاضي بإنشاء "وطن قومي" لليهود فيها، جعل للسياق الفلسطيني خصوصيته التي تفاعلت وتطورت عبر تبلور هوية خاصّة بالشعب الفلسطيني، مع تبلور قيادة سياسية خاصة حاملة لها.
العشرينيات: المؤتمرات والجمعيات وتبلور المشروع الوطني الفلسطيني
تبلورت أول أشكال التنظيم السياسي الفلسطيني من خلال حركة المؤتمرات الفلسطينية الوطنية السبعة (عقدت خلال الفترة: 1919 - 1928)، حيث عُقد المؤتمر الأول بالقدس في كانون الأول (ديسمبر) من عام 1919، وترأسه عارف الدجاني، وحمل اسم "المؤتمر العربي الفلسطيني"؛ دلالةً على تقدم الهمّ العربي في حينه على الشأن الفلسطيني؛ حيث كانت الحركة الوطنية الفلسطينية جزءاً من المشروع القومي العربي للوحدة والاستقلال، وكانت فلسطين تسمى "سوريا الجنوبية"، وقد نصّت قرارات المؤتمر على رفض تقسيم سورية، ورفض سلخ فلسطين عنها، إضافة إلى رفض وعد بلفور، ورفض مخططات توطين اليهود في فلسطين. ولكن، ومع وصول السير هربرت صموئيل، وتعيينه في منصب المندوب السامي البريطاني على فلسطين، وهو اليهودي البريطاني صاحب الاتجاه الصهيوني، بدأ الخطر الصهيوني بالتعاظم، وانعكس ذلك في اتجاه الحركة الوطنية نحو المشروع الفلسطيني، وهو ما تُرجِمَ في المؤتمر الفلسطيني الثالث نهاية عام 1920، مع المطالبة بقيام حكومة فلسطينية مستقلة، لتخرج الحركة بذلك من نطاق المساعي القومية العربية؛ حيث تم تشكيل لجنة تنفيذية، وانتخب موسى كاظم الحسيني رئيساً لها.

المؤتمر الفلسطيني الثالث المنعقد في حيفا بتاريخ 14 كانون الأول 1920

كما شهد عقد العشرينيات نشأة العديد من الجمعيات الفلسطينية، والتي اتجهت بدايةً إلى التسمي بـ "العربية"، ولكن السلطات البريطانية طلبت منها التسمي بـ "الإسلامية - المسيحية"؛ حرصاً على إبعادها عن الطابع القومي. وقد تميزت هذه الجمعيات، كما سائر العمل الوطني الفلسطيني في حينه، بالبعد الجهوي والعائلي، ولم تستطع تشكيل هيئات سياسية، وإنما بقيت أشبه بمضافات وأماكن لقاء، وبقيت ممارستها محصورة في إطار "تقديم ورفع العرائض الإحتجاجية".
موسى كاظم الحسيني
كان موسى كاظم الحسيني يعتبر بمثابة أبي الحركة الوطنية الفلسطينية، وهو زعيمها الأول خلال فترة العشرينيات ومرحلة المؤتمرات، وهو عميد عائلة الحسيني، أحد أهم العائلات في القدس، وكان قد تولى منصب رئاسة بلدية القدس عام 1918، قبل أن يعزله الإنجليز من منصبه بعد قيادته مظاهرات عام 1920، وقد انتخب موسى كاظم الحسيني رئيساً للجنة التنفيذية العربية، وظلّ في هذا المنصب حتى وفاته في (27/3/1934)، حيث توفي متأثراً بإصابة ألحقها به جنود الاحتلال البريطاني خلال مظاهرة كبرى في يافا بتاريخ (27/10/1933).

موسى كاظم الحسيني زعيم الحركة الوطنية الفلسطينية في العشرينيات

الحسينية في مواجهة النشاشيبية
وكان آل الحسيني قد تزعموا حركة المعارضة للسياسة البريطانية في مقابل حركة الموالاة التي تزعمها آل النشاشيبي، بالإضافة إلى عائلات فلسطينية أخرى، كآل ارشيد، وآل عبد الهادي، وآل جرار، في جنين، وكانت جميعها عائلات إقطاعية برز دورها منذ العصر العثماني، وقد عين البريطانيون راغب النشاشيبي رئيساً لبلدية القدس عام 1920، بعد إقالة غريمه موسى كاظم الحسيني، وبالمقابل رضوا باستلام أمين الحسيني منصب "مفتي القدس" عام 1921، و"رئيس المجلس الإسلامي الأعلى" عام 1923، وهي المناصب التي كانت خاضعة للإشراف البريطاني، وذلك ضمن تخطيط لإبقاء التنافس بين النشاشيبية والحسينية، وعملاً بالمبدأ السياسي البريطاني الشهير "فرق تَسُدْ".

راغب النشاشيبي عينه الإنجليز رئيساً لبلدية القدس بعد عزل غريمه الحسيني

وجدير بالذكر أنّ معارضة آل الحسيني كانت تتسم بالطابع المهادن؛ حيث كانت تقدم نفسها على أساس دورها في منع الانجرار نحو الثورة، والعمل المسلح، وهو الاتجاه الذي تبلور مع داود الحسيني وعبد القادر الحسيني، وتأسيس "جيش الجهاد المقدس"، ومع عز الدين القسام وتأسيس "العُصبة القسامية" مع تصاعد الأحداث خلال الثلاثينيات.
تشكّل الأحزاب
انكمش دور المؤتمرات والجمعيات وتراجع خلال الثلاثينيات، وذلك مع تبلور الأحزاب، وبروز دور القيادات الفردية، وتصاعد العمل المسلح منذ أحداث ثورة البراق عام 1929.
بعد وفاة زعيم اللجنة التنفيذية موسى كاظم الحسيني عام 1934، تراجع دور حركة المؤتمرات، ونجم عن ذلك تطوّر أنماط وأشكال جديدة من الممارسة والتنظيم السياسي؛ إذ تم الانتقال إلى الشكل الحزبي، وإن كان الطابع والتنافس العائلي قد استمر بالحضور في هذه التنظيمات الجديدة.
وتشكّل "حزب الدفاع الوطني" في كانون الأول (ديسمبر) من العام 1934، وترأسه راغب النشاشيبي، في حين أسس الحسينيون في نيسان (أبريل) من العام ذاته "الحزب العربي الفلسطيني"،  وكان فهمي الحسيني أبرز قادته، كما اتجهت نخب أخرى إلى تأسيس أحزاب أخرى حملت الطابع الأيديولوجي (القومي)، وأهمها "حزب الاستقلال الفلسطيني" الذي كان قد تأسس في آب (أغسطس) من العام 1932. وتولّى محمد عزة دروزة منصب الأمين العام فيه منذ تأسيسه وحتى العام 1947، وكان من بين الأسماء البارزة فيه: عوني عبد الهادي، وأكرم زعيتر، وعجاج نويهض، وحمدي الحسيني، كما يذكر محمد عزة دروزة في مذكراته أن الشيخ عز الدين القسام انضم إلى الحزب من خلال فرعه في حيفا.

أكرم زعيتر (يمين) ومحمد عزة دروزة (يسار).. من أبرز وجوه حزب الاستقلال الفلسطيني

من رفع العرائض إلى رفع السلاح: تطور أشكال الاحتجاج
تطوّرت أساليب الاحتجاج والعمل السياسي الفلسطيني عبر ثلاثة عقود من حكم الانتداب الإنجليزي؛ حيث كانت الجمعيات والمؤتمرات تعتمد سياسة رفع العرائض الاحتجاجية، والتي كانت تحتجّ بالأساس على التحيز البريطاني لصالح الحركة والهجرة الصهيونية، لكن، ومع الاقتناع بعدم جدوى هذه العرائض، تطوّرت أشكال الاحتجاج إلى إقامة الفعاليات والاحتفالات والمظاهرات، وقد بلغت المظاهرات مرحلة جديدة مع الأحداث الصِدامية التي اندلعت عام 1929، رداً على قيام منظمة "بيتار" الصهيونية بمحاولة السيطرة على حائط البراق، فيما عُرف بثورة البُراق، وخلال الثلاثينيات بدأ يتراجع دور الوجهاء والنخب لحساب تبلور وظهور الحركات العمالية والفلاحية، والتي قامت بسلسلة من الإضرابات خلال الأعوام 1930 - 1935.

دخلت الحركة الوطنية الفلسطينية منعطفاً جديداً مع ثورة البراق عام 1929

 

أعضاء لجنة "شو" التي أرسلها البريطانيون لمعالجة وإنهاء أحداث ثورة البراق

وفي الوقت الذي بلغت حركة المؤتمرات ذروتها مع المؤتمر السابع عام 1928، والمطالبة بضرورة تشكيل حكومة نيابية وديمقراطية، برزت منذ مطلع الثلاثينيات حركات مسلحة، اتخذت من أوساط الفلاحين قاعدة لها، وكان من أبرزها تنظيم "عُصبة القسام" الذي أسسه الشيخ عز الدين القسام عام 1931، ونشط في مناطق شمال فلسطين؛ حيث تبنّى القيام بسلسلة من الهجمات المسلحة، استهدفت مستوطنات الصهيونية، ومواقع بريطانية، معتمدةً أسلوب حرب العصابات.

أمين الحسيني وتأسيس اللجنة العربية العُليا
مع اندلاع أحداث ثورة العام 1936، حاولت النخب المدينية والإقطاعية السيطرة على الأمور والعودة إلى الواجهة من خلال تأسيس ائتلاف جامع للأحزاب، وفي تاريخ 6/4/1936 بادر الحاج أمين الحسيني إلى تأسيس "اللجنة العربية العُليا"، لتكون الكيان السياسي الممثل للفلسطينيين؛ حيث بدأ دورها بالبروز مع تصاعد أحداث ثورة الـ 36، وقد بادرت اللجنة لإرسال وفود للتباحث مع الملوك والحكام العرب، وهي المبادرة التي انتهت بتعهد الملوك والحكام بتفعيل الجهود الدبلوماسية مقابل إنهاء العمال الإضراب الكبير؛ إذ تم تعليق الإضراب بتاريخ 13/10/1936، دون أن يُسفر ذلك عن تحقيق أي تقدم، وليتصاعد العمل المسلح على يد الفلاحين.

بادر الحاج أمين الحسيني إلى تأسيس "اللجنة العربية العُليا" لتكون الكيان السياسي الممثل للفلسطينيين

فصائل السلام ثورة مضادة
وفي تلك الأثناء، وفي النصف الثاني من عام 1938، اتجه عدد من النخب الإقطاعية للتعاون مع الإنجليز على نحو جديد، وهو ما تبلور فيما عُرف بـ "فصائل السلام"، والتي قادها كل من: فخري النشاشيبي، وفخري عبد الهادي؛ حيث كان لها دور كبير في اعتقال ومحاكمة الثوار، إلى أن تم القضاء على الثورة نهائياً، بعد آخر معركة في أم الفحم بتاريخ 17/12/1939.

فخري النشاشيبي متوسطاً إحدى مجموعات "فصائل السلام"

عبّرت "فصائل السلام" عن مدى التباين والتعارض الذي كانت عليه النخب والقيادات الفلسطينية مع نهاية عهد الانتداب، والذي انتهى بصدور قرار التقسيم عام 1947 عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، ووقوع الكارثة (النكبة) عام 1948. وقد حاول الحاج أمين الحسيني إعادة تجميع النخبة السياسية الفلسطينية وتنظيمها عن طريق المساهمة مع جامعة الدول العربية بـتأسيس "حكومة عموم فلسطين" عام 1948، و"المجلس الوطني الفلسطيني"، والذي عقد اجتماعه الأول في غزة عام 1948، قبل أن يدخل القرار الفلسطيني في دوامة من الاستقطابات، انتهت بتأسيس منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964، وإعلانها ممثلاً شرعياً، ووحيداً للشعب الفلسطيني في مؤتمر الرباط عام 1974.

اقرأ المزيد...

الوسوم: