موقع "الخلافة الإسلامية" بين مشاريع إيران وتركيا وداعش

موقع "الخلافة الإسلامية" بين مشاريع إيران وتركيا وداعش
صورة عمر الرداد
كاتب وخبير أمني أردني
1014
عدد القراءات

2020-02-13

رغم تعدّد أسباب الخلافات التاريخية بين السنّة والشيعة، وتحوّلها إلى حروب دامية، في التاريخ الماضي والمعاصر، خاصة بعد الثورة الإيرانية التي أطاحت بنظام الشاه منذ حوالي 40 عاماً، إلا أنّ القيادة الإيرانية استفادت من محطة تاريخية مفصلية تمثلت بأحداث 11 أيلول (سبتمبر) 2001، ونتائجها وتداعياتها التي كان أبرزها؛ انكفاء وتراجع الدول الإسلامية وخاصة المملكة العربية السعودية عن دعم ورعاية العمل الخيري الإسلامي في الدول العربية والإسلامية وحتى رعاية شؤون المسلمين في أمريكا وأوروبا، بالإضافة للإطاحة بنظام حركة طالبان في أفغانستان، والنظام العراقي، بوصفهما ينتميان إلى فضاءات العالم السنّي، وفقاً لتصنيفات القيادة الإيرانية، ولاحقاً؛ التمدد في هذين البلدين بالإضافة إلى استثمار الأقليات الشيعية في سوريا ولبنان واليمن، لتنفيذ المخطط الإيراني الذي وصل حد التباهي بالسيطرة على 4 عواصم عربية "بغداد، دمشق، بيروت، صنعاء".

مارست ميليشيات شيعية في العراق وسوريا جرائم قتل بوحشية تضاهي وحشية داعش لكن الإعلام أغفل تلك الصور

لقد قدّمت القيادة الإيرانية نفسها بديلاً للعالم السنّي وأنّ بإمكانها قيادة العالم الإسلامي، بطريقة مختلفة عن قيادة الدول السنّية الموصوفة بأنّ فتاوى رجال الدين فيها تقدم مقاربات تؤسس للتطرف المفضي للإرهاب، الأول؛ استثمار التحولات التي جرت في العراق وسوريا لتحقيق المزيد من الانتشار والسيطرة، من خلال إنشاء ميليشيات يقودها الحرس الثوري الإيراني وتشكيلات كالحشد الشعبي العراقي، والثاني؛ توفير الأرضية المناسبة لنشوء داعش وانطلاقها من العراق، بوصفها عنواناً للإرهاب السنّي، وتحت ذريعة مكافحة الإرهاب، بعد توفير ملاذات آمنة لقادة القاعدة الهاربين من أفغانستان عام 2001، وخلال ذلك وعلى مدى أعوام، صاغت القيادة الإيرانية الصراع في المنطقة على أساس مذهبي، وهو ما لم يكن ليحقق نجاحات إيرانية لولا ظهور تنظيم داعش، باعتباره يمثل صورة السنّي "التكفيري الوهابي الإرهابي" قاطع الرؤوس وبوصفه الصورة النموذج لكل مسلم ليس شيعياً.

اقرأ أيضاً: الدولة العثمانية... خلافة أم إمبراطورية؟
وخلال ذلك، مارست ميليشيات شيعية في العراق وسوريا جرائم قتل بوحشية تضاهي وحشية تنظيم داعش "تمثيل بالجثث، قتل على الهوية، إعدامات جماعية....الخ"، لكن تركيز الإعلام على جرائم تنظيم داعش ووحشيته أغفل تلك الصور، التي كانت تتسرب من العراق ولاحقاً من سوريا، ولدرجة إعادة إنتاج بعض الصور والفيديوهات ونسبتها لداعش.
لقد كان لافتاً للنظر، بعد قيام القوات الأمريكية باغتيال قائد فيلق القدس الجنرال قاسم سليماني، التوظيف السياسي للفقه الديني للمذهب الشيعي، وبخطاب يكاد يتطابق مع خطاب القاعدة وداعش.

اقرأ أيضاً: الخلافة الإيرانية وتداعيات مقتل سليماني
فعلى الصعيد الديني، إذا كان تنظيما؛ القاعدة وداعش، يؤسسان مقولاتهما للقيام بعمليات انتحارية، على أساس ما ينتظر الانتحاري من حور عين في الجنة، واللقاء مع الرسول "صلى الله عليه وسلم" والجلوس مع الصحابة، رضي الله عنهم، وهو ما برعت الماكينة الإعلامية الإيرانية و "الشيعية" في إظهاره من خلال بث اعترافات انتحاريين في العراق تم إلقاء القبض عليهم من قبل الأجهزة الأمنية العراقية، قبل نجاحهم في تنفيذ عملياتهم، فإنّ نشر صورة قاسم سليماني والإمام الحسين بن علي، رضي الله عنهما، "يحتضنه" بوصفها نهايته بالجنة، إلى جانب صورة أخرى تحيط به عشرات "الحور العين" بعد استشهاده، وهو ما يؤكد أن لا فروق ذات دلالة في المرجعيات الفقهية، ليس بين "السنّة والشيعة" بل بين الفقه الشيعي وداعش، خاصة وأنّ صورة قاسم سليماني صدرت عن المرشد الأعلى للثورة الإسلامية، وليس عن مراجع أقل مرتبة اجتهادية بالفقه الشيعي. فيما المراجع السنّية تكافح تأويلات داعش وتبريرها للعمليات الإرهابية.

كان لافتاً للنظر بعد اغتيال سليماني التوظيف السياسي للفقه الديني للمذهب الشيعي وبخطاب يكاد يتطابق مع خطاب القاعدة وداعش

وعلى الصعيد السياسي، فإنّه وبمعزل عن مصداقية القيادة الإيرانية، ومناوراتها للتفاوض مع أمريكا ضمن حسابات براغماتية، فإنّها تبنّت، بعد مقتل سليماني، شعار المطالبة بإخراج القوات الأمريكية من المنطقة، وهو ما بدأته بالعراق من خلال مجلس النواب العراقي، في حين أنّ الدعوة ذاتها كانت جوهر مقاربات تنظيم القاعدة عند انطلاقها، والتي أكد عليها زعيم القاعدة مراراً في خطاباته تحت عنوان "إخراج المشركين من جزيرة العرب".
وعلاوة على ذلك فإنّ ما يطرح اليوم من قضايا مرتبطة بالمرأة في إيران، لافت للنظر، ويعكس التشدد الديني، الذي يبدو أنّها كانت تنافس فيه جيرانها من بعض دول الخليج وخاصة المملكة العربية السعودية، التي تجاوزت وبفترة قياسية تلك القضايا، وهو ما يطرح تساؤلات حول حقيقة ما يجري في إيران وشكل ومضمون الجمهورية الإسلامية، وهل تقترب من نماذج التشدد المحسوبة على السنّة من تنظيمات جهادية، وما هي الفروق بين مشروعها الإسلامي ومشروع العثمانية الجديدة الذي تطرحه القيادة التركية حالياً، في ظل القاسم المشترك بين تلك المشاريع والقائم على استعادة الخلافة الإسلامية.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



لماذا نتعلّق بالزمن الجميل؟!

2020-02-18

رغم ارتفاع معدّل الأعمار، وتحسّن الخدمات الصحّية والتعليم، وتقدّم وسائل المواصلات والاتّصال، إلّا أنّ كثيراً من اللّقاءات في الوطن العربي، تختم بهذه العبارة الخالدة: "سقى الله تلك الأيام"! ولو جرّبنا القيام بمقاربة لمواصفات (تلك الأيّام)، لما وجدنا صعوبة في القطع بأنّها كانت (أيّاماً صعبة جداً) على كل المستويات، فردياً وجمعياً، ومع ذلك فإنّ أكثرنا ما زال متعلّقاً بها إلى حدّ بعيد.

 

 

من المنظور العقلاني البحت، يُعدّ هذا التعلّق أبرز أنماط الانشداد لسلطة الماضي، ومن شأنه أن يجمّد حركة الحاضر وأن يغتال استحقاقات المستقبل. ومن المنظور النفسي يُعدّ أبرز أشكال النكوص العاطفي للتهرّب من مواجهة تحدّيات الواقع. ومن المنظور الاقتصادي-السياسي يمثل تعبيراً عن انعدام الرغبة في تطوير علاقات وأدوات الإنتاج. ومن المنظور الثقافي يجسّد الحنين الرومانسي إلى الطفولة القريبة والبعيدة، الذاتية والجمعية.

من المنظور العقلاني يعدّ هذا التعلّق أبرز أنماط الانشداد للماضي ومن شأنه تجميد حركة الحاضر واغتيال استحقاقات المستقبل

ومع ضرورة التذكير بأنّ التوق إلى الزمن الجميل أو الرغبة في استعادة الفردوس المفقود، لا يقتصر على المجتمع العربي فقط، بل هو يشمل كل المجتمعات البشرية بتفاوت ملحوظ في الكم والكيف، فإنّ من الضروري أيضاً التذكير بحقيقة أنّ ثنائية (المجتمع/ التقدم) ترتبط بعلاقة عكسية مع التعلّق بالزّمن الجميل؛ فكلما قاوم المجتمع هذا التعلّق تقدّم، وكلّما استنام له تأخّر! ولا تلغي صحة هذا الاستنباط القاسي حقيقة أنّ المجتمعات المتقدّمة تتألّم وتعاني كثيراً جرّاء هذا التجاوز لسطوة الحنين، كما لا تلغيها حقيقة أنّ هذه المجتمعات لا تدّخر وسعاً للتخفيف من حدّة هذا الألم عبر استعادة الماضي بأدوات الحاضر أو لصالح المستقبل، كما نلاحظ مثلاً في المدوّنة السينمائية الغربية بوجه عام والأمريكية بوجه خاص، سواء من خلال العودة إلى زمن الجذور وإعادة استقرائه من منظور راهن أو من خلال العودة إلى الزمن البدائي بإطلاق وإعادة تأثيثه بأسئلة وهواجس ماثلة ومستجدّة.

اقرأ أيضاً: الجزائر وفرنسا وتركيا: آلام الماضي وأطماع المستقبل
تضم قائمة الزمن الجميل في الوطن العربي العديد من المفردات التي تنطوي أحياناً على كثير من المفارقات؛ فعلى الصعيد السياسي الذي يمتد من أوائل الثلاثينيات حتى أواخر السبعينيات، يميل المعارضون إلى تمجيد حالة المدّ القومي واليساري وتصاعد الحركات الثورية لكنهم يغفلون حقيقة تغلغل الحركة الصهيونية في فلسطين ونجاحها في الاستيلاء عليها كاملة ما بين عامي 1948-1967! كما يغفلون حقيقة تنامي ظاهرة الانقلابات العسكرية ومصادرة مظاهر الحياة الديمقراطية وتسويغ القمع السياسي باسم معركة التحرير، ما يلقي ظلالاً كثيفة من التساؤلات عن الأدوار الحقيقية للعديد من الزعماء السياسيين الذي يقدّمون عادة على أنّهم رموز الزمن السياسي الجميل، وفي طليعتهم طبعاً الرئيس المصري جمال عبد الناصر!

من المنظور الثقافي يجسّد التعلق بالماضي الحنين الرومانسي إلى الطفولة القريبة والبعيدة؛ الذاتية والجمعية

أما على الصعيد الاقتصادي المعاشي، فلا نستطيع أن نمنع أنفسنا من الاندهاش جرّاء واقع الفقر المدقع الذي عاشه آباؤنا وأجدادنا، وهو الواقع المسؤول – على الأرجح- عن تدني مستوى الأعمار سابقاً؛ فنمط الغذاء كان موسمياً وغير ثابت ويخلو من التوازن. صحيح أننا يمكن أن نقع على تطبيقات متفرّقة لمفهوم الاقتصاد المنزلي أو الاكتفاء الذاتي أو ترشيد الاستهلاك، لكن الصورة العامة تملي ضرورة الشعور بالشفقة على تلك الأجيال التي قلّما اختبرت تناول اللحوم بانتظام، ودعك مما يرويه 99% من العرب المعاصرين عن إقطاعيات آبائهم وأجدادهم؛ لأن هذه (السردية) ما كانت لتنتشر على هذا النحو، لولا واقع الهجرة إلى المدينة التي حطّمت الذاكرة الحقيقية للريف والبادية وأنشأت ذاكرة هجينة برعاية السوبرماركت والمول! علماً بأنني أغفلت عامداً الإشارة إلى تدني الخدمات الصحية؛ لأنّ (مطهّر الأولاد) و(الدّاية) كانا يمثّلان في كل بادية وقرية ومخيم ومدينة وزارة الصحة المسؤولة عن كل الأمراض والأدوية!

اقرأ أيضاً: يحيى القيسي: طغيان تقديس الماضي أسهم في أزمة الفكر الإسلامي

وأما على صعيد المواصلات والاتّصالات فحدّث ولا حرج؛ كانت رحلة الحج تستغرق شهوراً، وكان الانتقال من مدينة إلى مدينة أخرى تبعد عشرين كيلومتراً فقط يُعدّ سفراً حقيقياً، وكان (المكتوب) يستغرق أسابيع حتى يصل، وكان الهاتف حكراً على عِلْية القوم. ولو قيّض لأي من أجدادنا أن يقوم من قبره ويشهد ما نشهده الآن من ثورة في عالم المواصلات والاتصالات لأغمي عليه فوراً؛ فمن كان يتخيّل أننا بكبسة زر نستطيع التواصل فوراً بالحرف والصوت والصورة مع أي مكان في العالم، إلى درجة اهتزاز مفهومي الزمن والمسافة في أذهاننا وتحوّلهما إلى مجرّد لفظين افتراضيين ينتميان إلى حقبة بعيدة.

التوق للزمن الجميل لا يقتصر على المجتمع العربي بل يشمل كل المجتمعات البشرية بتفاوت ملحوظ في الكم والكيف

رغم كل هذه الوقائع والمعطيات الموضوعية التي يصعب دحضها، فسوف يظل أكثرنا يهفو إلى ما مضى بطريقته الخاصّة وبلغته الخاصّة – ولا أُعفي كاتب هذا المقال من الإصابة بهذا الافتتان- لأسباب ذاتية وجمعية؛ فمعظمنا ما زال يتوق للعودة إلى رحم الطفولة والحي والبدايات الأولى، ومعظمنا ما زال مسكوناً بزمن الأبيض والأسود في الصور والأفلام والملابس والرسائل المعطّرة وأغاني عبد الحليم حافظ وفيروز، ومعظمنا ما زال معتقلاً في روائح الخبز البيتي والقهوة المطحونة في المنزل، ولأن أبناءَنا وأحفادنا سوف يستحضرون زمننا المتوحش هذا ويختمون كلامهم عنه بالعبارة نفسها: "سقى الله تلك الأيّام"!

للمشاركة:

سيد قطب لم يكن ديمقراطياً (9)

2020-02-18

لم يكن سيد قطب ديمقراطياً. يكفي أن تتطلع على آخر كتاباته حتى تدرك ذلك بوضوح. لا يعني ذلك أنّه كان شخصية استبدادية بالضرورة؛ فالرجل لم يصبح رئيساً، ولم يتحمل مسؤولية قيادة حركة الإخوان المسلمين أو غيرها من التنظيمات، كما لم يتولَّ إدارة مجموعة التفّت حوله وخاض معها أو بها تجارب تنظيمية حتى يتم الحكم عليه بكونه مستبداً برأيه، ولم يكن ديمقراطياً في قيادته وتسييره. فالذين عرفوه عن قرب يشهدون بأنّه كان شخصية مؤدبة ولطيفة وحساسة، إضافة إلى كونه مستمعاً جيداً للآخرين. لكن رغم ذلك لم يكن الرجل مع الديمقراطية كنظام سياسي يصلح للمجتمع المسلم الذي دعا إلى إعادة تأسيسه من جديد.

اقرأ أيضاً: سيد قطب: تأملات في مشروع ملغوم (1)
النوايا الطيبة غير كافية وحدها لمنح الثقة في الأشخاص، وإنما يجب النظر في مجمل أقواله وأفعاله حتى يمكن الاطمئنان لهم والحكم عليهم بكونهم فعلاً ديمقراطيين. وتكفي الإشارة في هذا السياق إلى أنّه عمد منذ السطور الأولى التي خطها في كتابه "معالم في الطريق" إلى التأكيد على أنّ الديمقراطية "انتهت إلى ما يشبه الإفلاس حيث بدأت تستعير ببطء من أنظمة المعسكر الشرقي وبخاصة في الأنظمة الاقتصادية تحت اسم الاشتراكية". كما لم يكن قطب يستسيغ الحديث عن "ديمقراطية الإسلام"، وهو ما تجلى بوضوح في كتابه "العدالة الاجتماعية في الإسلام".

لم يكن قطب مع الديمقراطية كنظام سياسي يصلح للمجتمع المسلم الذي دعا إلى إعادة تأسيسه من جديد

اعتبر سيد قطب أنّ ربط الإسلام بالديمقراطية محاولة من تلك "المحاولات الذليلة التي لا يجوز للمسلم أن يحاولها استجابة لأزياء التفكير البشري المتقلبة، التي لا تثبت على حال باسم تطور وسائل الدعوة إلى الله!". وعلل ذلك بقوله إنّ الديمقراطية "نظام للحياة أو للحكم من صنع البشر..، يحمل صنع البشر من القابلية للصواب والخطأ أيضاً" في حين أنّ الإسلام "منهج حياة يشمل التصور الاعتقادي، والنظام الاجتماعي الاقتصادي، والنظام التنفيذي والتشكيلي. وهو من صنع الله المبرأ من النقص والعيب.. فأين يقف من الإسلام من يريد أن يستشفع لمنهج الله، سبحانه وتعالى، عند البشر بوصفه بصفة من أعمال البشر؟ بل أين يقف من الإسلام من يريد أن يستشفع لله، سبحانه وتعالى - عند العبيد بقول من أقوال هؤلاء العبيد؟!

اقرأ أيضاً: سيد قطب: الوجه المطمئن مقابل الوجه الآخر (2)
وصف ذلك بـ "الشرك"، مؤكداً "أنّ الإسلام هو الإسلام. والاشتراكية هي الاشتراكية. والديمقراطية هي الديمقراطية.. ذلك منهج الله ولا عنوان له ولا صفة إلا العنوان الذي جعله الله له، والصفة التي وصفه بها.. وهذه وتلك من مناهج البشر. ومن تجارب البشر.. وإذا اختاروها فليختاروها على هذا الأساس.. ولا ينبغي لصاحب الدعوة إلى دين الله، أن يستجيب لإغراء الزي الرائج من أزياء الهوى البشري المتقلب. وهو يحسب أنّه يحسن إلى دين الله!".
لم يقف عند ذلك، بل تقدم خطوة أخرى نحو التأويل الخطأ عندما نقل الجدل حول هذه المسألة من المجال السياسي العملي إلى المجال العقائدي الصارم الذي يجعل قراءه أمام علاقتهم بخالق الكون حين كتب "إنّ الله غني عن العالمين، ومن لم يستجب لدينه عبودية له، وانسلاخاً من العبودية لسواه، فلا حاجة لهذا الدين به".

اقرأ أيضاً: سيد قطب: القفز نحو المواقع الخطرة (3)
لم يدرك قطب أنّ الحرية السياسية لا تقوم إلا من خلال تغيير طبيعة العلاقة بين الحاكم والمحكوم، ولا يحصل ذلك إلا بإعادة سلطة القرار إلى الشعوب التي لها صلاحية الاختيار والمحاسبة ووضع السياسات. ولا يتجسد ذلك، خاصة في المجتمعات المعقدة والمتعددة، إلا من خلال إقامة نظام ديمقراطي فعلي ومحصن بآليات قوية ومؤسسات فاعلة.
تعديل الأنظمة السياسية لا علاقة له بالإيمان والكفر، أو المساس بالربوبية ومحاولة التمرد على حكم الله والتخلي عن الإسلام كدين رباني. عندما يقع تنظيم انتخابات لاختيار حاكم ما لتسيير أحوال الناس لفترة محددة، ما هي المخاطر التي سيترتب عن ذلك ومن شأنها أن تمس من الذات الإلهية وتخرج المجتمعات من الإيمان إلى الكفر؟.

اقرأ أيضاً: سيد قطب: الجاهلية نظرية في الخروج من التاريخ (4)
لم يدرك سيد قطب أنّ الدولة شأن بشري، وأنّ تاريخ الدولة هو تاريخ الإنسان في علاقته ببني جنسه، وأنّ بناء الدولة أو سقوطها، الانفراد بها أو مأسستها، طريقة إدارتها ووضع سياساتها، اختيار الصيغة الأفضل لاتخاذ القرار داخلها، كلها مسائل متحركة وليست ثابتة، يحددها الناس بمطلق إرادتهم، وليست جزءاً من الوحي الإلهي المفروض على المؤمنين، ولا خيار لهم فيه.

أسهم قطب مساهمة ضخمة ومعقدة في تأخير وعي الإسلاميين بأهمية الديمقراطية وأخر كثيراً في انخراطهم في تبنّيها كمنظومة

لا شك في أنّ التعددية السياسية التي كانت في مصر قبل حركة "الضباط الأحرار" التي تمت خلال 1952 كانت تجربة مريضة، نخرها الفساد، واستغلها الاستعمار والعائلة المالكة لتحقيق مآرب أخرى. لكن الاستناد إلى هذا المثال ليس كافياً للحكم على بطلان الديمقراطية والتخلي عنها. مع ذلك، فإنّ تلك التجربة المريضة والمهزوزة هي التي أفرزت كاتباً يحمل اسم سيد قطب، وبوأته ليكون من صناع الرأي في مصر.
أسهم قطب مساهمة ضخمة ومعقدة في تأخير وعي الإسلاميين بأهمية الديمقراطية، وأخر كثيراً في انخراطهم في تبنّيها كمنظومة والدفاع عنها كاختيار استراتيجي. والذين تولوا الدفاع عنه بالقول إنّه قد أسيء فهمها في هذه المسألة قد زادوا الطين بلة؛ لأن موقفه من الديمقراطية كان واضحاً شديد الوضوح. لقد وصفها بالصنم، وحول الإيمان بها إلى جريمة لا تغتفر من خلال اعتبارها شركاً واستبدالاً للإسلام. وإذا كان الإخوان في مرحلة حسن البنا قد تعاملوا مع التجربة الليبرالية المأزومة التي عاشتها مصر بمنهجية تكتيكية لتثبيت أقدامهم، فإنّ قطب قد شن هجوماً أيديولوجياً كاسحاً ضد الديمقراطية.

اقرأ أيضاً: سيد قطب و"الظلال".. اختل المنهج فسقط البناء (5)
لهذا السبب تصدى كل الذين آمنوا بأفكاره الأخيرة رفضوا الانخراط في المشاركة السياسية، وحاربوا بقوة الخيار الديمقراطي، وقاوموا بشدة فكرة الحزبية والمشاركة في الانتخابات وتفعيل دور البرلمانات. ولم يقفوا عند الرفض نظرياً بل عملوا على تخريب تجارب الانتقال الديمقراطي في مختلف الدول التي تبنت هذا الاختيار، وذلك من خلال استعمال الإرهاب واللجوء إلى العنف الفردي والجماعي حتى تعم الفوضى، واستبدلوا السلم والحريات بتوسيع دوائر الحروب الأهلية وإخضاع الشعوب لإرادة القوة والغلبة. وهو ما هيأ له تنظيم القاعدة وحوله تنظيم داعش إلى واقع فعلي وخيار دائم.

اقرأ أيضاً: سيد قطب والصحابة: الانتقاء وفن تلميع التاريخ (6)
حارب سيد قطب الاستبداد باستبداد بديل أشد فظاعة وذلاً عندما وضع الشورى في مقابل الديمقراطية، وعمل على القدح في مشروعيتها. في حين كان يعلم جيداً أنّ الشورى فقدت مضمونها الثوري العميق منذ لحظة ميلادها، وتحولت في كتب السياسة الشرعية إلى مسألة شكلية لا تحكمها ضوابط واضحة وملزمة. في حين أنّ الديمقراطية تطورت مضامينها وأشكالها، وتعددت تطبيقاتها ونماذجها، ولم يعتبرها أصحابها والمدافعون عنها بأنّها قد تحولت إلى دين يمكنه أن يعوض بقية الأديان.

اقرأ أيضاً: سيد قطب: محاولة إيقاف الزمن وتأجيل النهضة الفكرية (7)

اقرأ أيضاً: عندما شرع سيد قطب حرب الحضارات (8)

للمشاركة:

4 أسباب تجعل أفق الحوار مع الإسلاميين مسدوداً

2020-02-17

ليس كلّ الإسلاميين، لكنهم حتماً الإسلاميون التقليديون، الذين نشأوا على أفكار منغلقة وسرديات خاصة، لا تقبل التعادل الموضوعي مع الأفكار الأخرى، عدا عن كونها لا تقبل أن تكون مغلوبة أو خاسرة، وعلى مدار تاريخ الجماعات الإسلامية بقيت تنحو منحى المغالبة لا المشاركة في السياقات الوطنية أو القومية أو العالمية، بمعنى أنّها كانت دائماً تعتمد هذه الإستراتيجية التي تلغي الخيارات وترتهن لخيارٍ واحد لا يقبل النقض أو النقد.

اقرأ أيضاً: الدخول إلى التيه: الإسلاموية كإخفاق تاريخي
هل أدرك الإسلاميون مثلاً، أنّ عصر الأحزاب والجماعات الدينية الأيديولوجية يذهب باتجاه الانحسار؟ وأنّ المغالبة لم تعد قادرة على الصمود أمام موجات الحرية ودعوات المشاركة والتشاركية داخل الدولة الواحدة أو بين دول متعددة؟
وقد يذهب البعض إلى أبعد من هذا التفكير، إلى حيث سيادة فكر المغالبة داخل الجماعة الدينية نفسها؛ حيث يبدو صوت الحوار خافتاً جداً، والمغالبة بين محور "القيادات العليا" و"القواعد الدنيا" من الأفراد على أشدها، تحت ذرائع شتى، ولافتات وشعارات نمطية؛ مثل الطاعة، والتجرد، الذي يعني في أحد معانيه داخل الجماعة؛ التخفف من عناء الطموح الزائد، غير المرغوب فيه، والذي لا أفق له بالنظر إلى ازدحام الطريق بطموحات قيادات الجماعة.

إفشال تجربة الإخوان في مصر لا يعطيهم الحق في التمترس خلف ترسانة فكر المغالبة ضاربين فكر المشاركة بعرض الحائط

ما هي إذن الأسباب الأربعة التي تجعل أفق الحوار مع الإسلاميين مسدوداً، والتي يمكن أن تضاف لها أسباب أخرى بحسب رؤية باحث ما أو كاتب آخر؟
أولاً: الأفكار المنغلقة؛ تلك التي أخضعت عقول المنتسبين للجماعة إلى منطق واحد، وهو "أنّنا أصحاب الأفكار العليا والسامية، التي تعتبر الجسر الوحيد بين الله تعالى والناس، وبين السماء والأرض، وأنّ الأفكار التي مصدرها السماء لا يمكن السماح بتلويثها بأفكار أخرى تحت ذريعة الحوار"، وكأنّ أحد منظري هذا الفكر يقول؛ "نحن لا نتحاور، نحن فقد نستمع لكم لا أكثر"، هذا تماماً ما يحدث؛ قد يدعون للحوار، لكنهم لا يتقمصونه أو يؤمنون به، بل يستمعون فقط حتّى يدفعوا عن أنفسهم تهمة الرفض والتطرف والانغلاق.

اقرأ أيضاً: آخر حيل "الإسلامويين"!
وأمام كتلة الأفكار المنغلقة، لم يكن هناك مجال للانفتاح على الأفكار الأخرى، فلدى الإسلاميين أوراقهم الخاصة ومؤلفاتهم الخاصة وكتبهم الخاصة، ولا يُعدّ الخروج من دائرة الكتب التي يؤلفها منظرو الجماعة لقواعدهم مقبولاً أو جائزاً أو مسموحاً، وتُعزّز المناهج هذا الأمر؛ حيث إنّ تثبت الأفكار الخاصة القادمة من السرديات التاريخية الخاصة، وفق قراءات وتفسيرات خاصة تنفي أو ترفض دخول أية مؤلفات أخرى للمناهج.
ثانياً: المغالبة؛ لقد كان على الإسلاميين دوماً إثبات أنّهم مع الحرية والتعددية، وفي الطريق إلى ذلك؛ اصطدموا كثيراً بالحواف الحادة للطموحات الخاصة، فلم يملكوا القدرة على تدوير الزوايا الحادة، بل انحصرت قدرتهم دائماً في توظيف رأس زواياهم الحادة في مواجهة الآخر والحوار معه، ولكي تتضح الصورة أكثر، دعونا نسأل؛ كيف يمكن للزاوية الحادة أن تحاور خطاً مستديراً قابلاً للاختراق لسبب متعلق بالقابلية للتفاعل والمشاركة؟

اقرأ أيضاً: من ضيق الأيديولوجية الإسلاموية إلى رحابة المشترك الإنساني
ولا يُمكن لتجارب الحكم الخاصة بالإسلاميين، على ندرتها، - وهذا اعتراف بعدم امتلاكهم تاريخاً في الحكم والسلطة - أن تكون سبباً مقنعاً لاستمرار فكر المغالبة، وإفشال تجربتهم في مصر لا يعطيهم الحق في التمترس خلف ترسانة فكر المغالبة، ضاربين فكر المشاركة بعرض الحائط، وقد يذهب التفكير إلى أبعد من ذلك؛ حيث إنّ قبول الإسلاميين بالمشاركة تعني خيانة فكرهم وسردياتهم الدينية التاريخية، على الأقل، لدى شريحة منهم، قبل أن تكون قناعة لدى خصومهم.
ثالثاً: المثالية ضد الواقعية السياسية؛ وهذا نظير تمسكهم بسيادة أفكارهم وعلوّها، وتصنيفها على أنّها أفكار علوية، فهم مثاليون إلى درجة يمكن لكلمة حوار أن تجرح مثالية وعلوية أفكارهم؛ إذ لا يؤمنون بالواقعية السياسية إلا بقدر ما يمكن أن يخرجهم من دائرة العنف والتطرف، ودائماً ما كانت نظرتهم للمجتمعات على أنّها متخلفة وفيها جاهلية، وطالما استندوا في ذلك إلى مصنفات ومؤلفات تضع المجتمع موضعاً أقل منهم إيماناً وأضعف منهم حجة، وأنّهم وُجِدوا لممارسة دور الهداية على هذا المجتمع، والوسيط بينه وبين الدين، وفي أحسن الأحوال كانت النظرة للمجتمع على أنّ أفراده مساكين يحتاجون دوماً لمن يأخذ بيدهم إلى الطريق الصحيح والأفكار الصحيحة، وقد يكون ذلك حقيقياً، ولكن ما ليس حقيقياً؛ أنّ المجتمع لا يحتاج إلّا لأفكارهم وجهودهم ودعوتهم، ولهذا نشأت الخلافات، ليس مع الخصوم التاريخيين للإسلاميين؛ من العلمانيين والقوميين فقط، بل نشأت خصومات مع تيارات إسلامية دعوية أخرى، ضاقت ذرعاً بمثالية الإخوان المسلمين الزائدة عن الحاجة.

لا يؤمن الإخوان بالواقعية السياسية إلا بالقدر الذي يمكن أن يخرجهم من دائرة العنف والتطرف

رابعاً: الوطنية؛ وذلك مفهوم غريب بالنسبة لهم، فهي ليست سوى مصطلح ضيق، لا ينسجم مع طموحاتهم العابرة للوطنيات والقوميات والأعراق والأجناس، وبما أنّهم يُصدّرون أفكارهم من الإسلام العالمي، فهم عالميون بالضرورة، وليكن ذلك؛ فالطموح إلى هذا الحد ليس عيباً ولا حراماً، لكن المشكلة تكمن في نظرتهم للوطنيات على اعتبار أنّها حالة عابرة، لا يمكن الاتكاء عليها كمنطلقات أو أسس لتأطير مشروعهم العالمي، وعليه فإنّ كل حوار يصدر عن هذا المصطلح أو من أجله أو اقتضاءً لمصلحته، لا يعول عليه إلا بقدر ما يمنحهم الصيغة الرسمية للعمل والنشاط.
وما يبرهن على انسداد أفق الحوار مع الإسلاميين دائماً، هو هذا التناول الكثيف للحوار بين الإسلاميين والعلمانيين على مدار عقود طويلة، على سبيل المثال، دون الوصول إلى صيغة مشتركة وأرض صلبة يقف عليها الجميع لبناء حوار حقيقي وناجز، فقد كتب الإسلاميون وكتب العلمانيون وكتب كذلك وسطاء بين التيارين حول ذلك، دون رصد أية بوادر إيجابية أو حالة حوار ناضجة يمكن الاتكاء عليها لتقرير أنّ حالة الحوار صحية وليست حرجة.
وأخيراً؛ لا يعني كل ما سبق أنّ انغلاق أفق الحوار مع الإسلاميين يعود لأسباب متعلقة بهم وحدهم، فثمة أيضاً قراءة في أسباب مشتركة وأسباب خارج دائرة الإسلاميين، لكنّ الرؤية الغالبة، هي تلك التي تقترب أكثر من الأسباب المتعلقة بوعي وأفكار وطموحات الإسلاميين القائمة على نفي الآخر أو إلغائه أو عزله أو تحييده.

للمشاركة:



قوات الشرعية تكبّد الحوثيين خسائر كبيرة.. تفاصيل

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-18

شنّت قوات حراس الجمهورية هجوماً شرساً على مواقع الحوثيين في مدينة الدريهمي، بمحافظة الحديدة، صباح اليوم .

وقالت مصادر محلية، نقلت عنها صحيفة "المشهد" اليمنية: إنّ "الهجوم جاء من ثلاثة محاور على مواقع الميليشيا الحوثية، بعد خرقها لأكثر من مرة لاتفاقات التهدئة السابقة".

هذا وقد سقط قتلى وجرحى من ميلیشیا الحوثي الانقلابیة إثر تجدّد المواجھات مع القوات المشتركة الموالیة للحكومة الشرعیة في جبھة الساحل الغربي بمحافظة الحدیدة (غرب الیمن).

قوات حراس الجمهورية تشنّ هجوماً شرساً على مواقع الحوثيين في مدينة الدريهمي بمحافظة الحديدة

وقال المركز الإعلامي لألویة العمالقة، في بيان له؛ إنّ بقایا جیوب الحوثیین حاولوا التسلل من مزارع الحسینیة صوب منطقة الجاح الإستراتیجیة في مدیریة بیت الفقیة بعد تلقیھم تعزیزات على مدى أسبوع.

وأضاف المركز؛ القوات المشتركة تمكنت من صدّ محاولة تسلّل للحوثیین إلى مواقعھا.

وأشار المركز الإعلامي إلى أنّ القوات المشتركة كبدت ميلیشیا الحوثي خسائر فادحة، مشیراً إلى سقوط قتیلین من القوات المشتركة.

وأكد أنّ تحركات الحوثیین كانت مرصودة منذ وصول التعزیزات وبدء الانتشار بین مزارع النخیل، الأمر الذي جعل محاولتھم انتحاریة تفتقر لعنصر المباغتة.

ألوية العمالقة: القوات المشتركة تمكّنت من التصدي لمحاولة تسلّل الحوثیین إلى مواقعھا عبر المزارع

في سياق متصل بجرائم الحوثيين؛ كشفت وثائق حوثية مسربة، إقرار الميليشيات الحوثية بوجود مقاتلين صغار السن (أطفال) تمّ الاعتداء عليهم جنسياً في معسكراتهم.

وأكّدت إحدى الوثائق وجود أطفال في مراحل عمرية صغيرة في معسكر الاستقبال، يتبعون للقيادي "أبو نهم" الذي يتبع للقيادي أبو محمد القدمي.

على الصعيد نفسه؛ أشار تقرير صادر من اللجنة الثقافية في شعبة التأهيل والتدريب بوزارة الدفاع الانقلابية في بند السلبيات عن مواقع التدريب في إحدى المحاور العسكرية في المنطقة العسكرية المركزية، يذكر في رقم ٣ من السلبيات أنّ القيادي الحوثي، أبو يحيى الجريري، يوجد في مجاميعه أفراد صغار السنّ، كما يتضمن التقرير وجود انتهاكات جنسية طالت أطفالاً بهذه المعسكرات.

وثائق حوثية مسربة تؤكّد تعرض مقاتلين صغار السنّ (أطفال) لاعتداءات جنسية في معسكراتهم

إلى ذلك، ذكرت الوثيقة المرفوعة من قبل الأمن الوقائي في إحدى مواقع التدريب؛ أنّه تمّ ضبط واقعه اعتداء جنسي على طفل بموقع تدريبي تابع للمنطقة العسكرية المركزية التي يديرها عبد الخالق الحوثي.

وتذكر الوثیقة أنّ المدعو محمد مجعل، وھو أحد قیادات الميلیشیات في معسكرات التدریب، ضبط أثناء اعتدائه جنسیاً على أحد المقاتلین صغار السنّ، یوم ١١ كانون الثاني (ینایر) ٢٠١٩.

من جانبها، استنكرت وزارة التربیة والتعلیم الیمنیة، في وقت سابق، استمرار میلیشیا الحوثي في عملیات تجنید الأطفال في جمیع المحافظات الواقعة تحت سیطرتھا، ودعت المجتمع الدولي والمنظمات العاملة في حقوق الإنسان وحمایة الأطفال إلى إدانة ھذه الانتھاكات، والضغط على المیلیشیات الانقلابیة لإیقاف عملیة تجنید الأطفال والزجّ بھم في العملیات القتالیة.

للمشاركة:

حملة اعتقالات جديدة في تركيا.. من تستهدف؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-18

أصدرت السلطات التركية اليوم مذكرات توقيف بحقّ حوالي 700 شخص؛ للاشتباه بارتباطهم بجماعة الداعية فتح الله غولن، الذي تتهمه أنقرة بتدبير محاولة الانقلاب المزعومة، عام 2016.

وذكرت وكالة "الأناضول" الرسمية للأنباء؛ أنّ المحققين يبحثون عن 695 شخصاً، بينهم عسكريون وشرطيون وموظفون في وزارة العدل، وأوقف منهم ما لا يقل عن 159 شخصاً، صباح اليوم، وصدرت مذكرات التوقيف في إطار عدة تحقيقات عبر تركيا.

وفي أنقرة؛ طلبت النيابة العامة توقيف 467 شخصاً، يشتبه بترتيبهم عمليات تزوير خلال مسابقة للانضمام إلى الشرطة عام 2009 بهدف السماح لمؤيدين لغولن بالحصول على مناصب مسؤولية، بحسب وكالة "الأناضول".

السلطات التركية تصدر مذكرات توقيف بحقّ حوالي 700 شخص للاشتباه بارتباطهم بجماعة غولن

ويشتبه بأنّ جميع المعنيين بمذكرات التوقيف مناصرون لحركة الداعية فتح الله غولن، الذي يتهمه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بالوقوف خلف محاولة الانقلاب التي جرت في تموز (يوليو) 2016.

وينفي غولن، المقيم منذ حوالي عشرين عاماً في الولايات المتحدة، أيّ ضلوع له في الانقلاب الفاشل.

وتطارد السلطات منذ ذلك الحين أنصاره في حملات توقيف غير مسبوقة من حيث حجمها في تاريخ تركيا الحديث، أدت إلى توقيف أو إقالة أو تعليق مهام أكثر من 140 ألف شخص.

وتتواصل حملات التوقيف بشكل شبه أسبوعي، رغم مرور حوالي 3 أعوام على محاولة الانقلاب.

 

للمشاركة:

من الديمقراطيين.. من سينافس ترامب في انتخابات 2020؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-18

يخوض 9 مرشحين من الحزب الديمقراطي انتخابات للفوز بترشيح الحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة، لخلافة الرئيس دونالد ترامب، الذي يسعى للفوز بولاية ثانية في الانتخابات التي ستجري عام 2020.

جون بايدن

أول المرشحين؛ هو نائب الرئيس السابق والسيناتور المخضرم، جو بايدن، الذي يمثل التوجه التقليدي للحزب الديمقراطي، ويستند برنامجه الانتخابي على إعادة بناء الطبقة المتوسطة، والاستثمار في البنية التحتية الاتحادية، ومجانية التعليم الجامعي، وفق ما أزردت "البي بي سي".

ويركز في حملته على ثورة الطاقة النظيفة، التي من شأنها أن تجعل الاقتصاد الأمريكي يعتمد على طاقة نظيفة بنسبة 100%، مع انبعاثات صفرية، بحلول عام 2050، وفرض رسوم وغرامات على الأطراف المتسببة بالتلوث.

دخل جو بايدن السباق الديمقراطي بصفته مرشحاً رئيساً، إن لم يكن المرشح الأوفر حظاً للفوز بالانتخابات، ويحظى بشبه اعتراف دولي، وبمستويات عالية من القبول داخل الحزب وبين المستقلين سياسياً، واسمه مرتبط بأعوام الرخاء (على الأقل بالنسبة إلى الديمقراطيين) خلال رئاسة أوباما، ولديه فرص جيدة لجمع مبالغ هائلة خلال حملات التبرع من خلال الشبكات التقليدية للديمقراطيين.

وقدّم بايدن نفسه في فيديو التعريف بنفسه وببرنامجه الانتخابي؛ على أنّه الشخص الذي لا ينطبق عليه، إلى حدّ بعيد، ما ينطبق على دونالد ترامب وما يريد القيام به.

يشترك بايدن في بعض نقاط الضعف السياسية التي ظهرت أيضاً في حملة هيلاري كلينتون الرئاسية؛ التي أتاح الوقت الطويل الذي قضته تحت أنظار الرأي العام، فرصة سانحة لخصومها حتى ينالوا منها، ويربطوا بينها وبين مؤسسة الحكم الأمريكية الحالية، التي يشعر أمريكيون كثيرون بعدم الثقة بها.

من المتوقع أن يركز خصومه في الانتخابات التمهيدية على موقفه من قضية إلغاء الفصل العنصري في الحافلات المدرسية في السبعينيات من القرن العشرين، ورئاسة جلسات الاستماع لتثبيت القاضي كلرانس توماس في المحكمة العليا، عام 1991، وتأييده لحرب العراق، عام 2003، والقوانين الصارمة الخاصة بالجريمة والإفلاس.

ويضاف إلى ذلك؛ سنّه المتقدم، وارتكابه زلات لفظية، والمزاعم المتعلقة بالاتصال الجسدي غير اللائق وخسارته السباق إلى البيت الأبيض مرتين.

وقال ترامب عنه: "مرحباً بك، سليبي جو (اللقب الذي يطلقه الرئيس ترامب على بايدن)، في السباق الرئاسي، أرجو فقط أن يكون لديك بعض الذكاء، وطالما شككت في ذلك، كي يؤهلك لإطلاق حملة انتخابات تمهيدية ناجحة".

بيرني ساندرز

المرشح الثاني؛ بيرني ساندرز، الذي يمثل اتجاهاً سياسياً جديداً لم تعرفه الولايات المتحدة سابقاً، خاض الانتخابات عام 2016، وحلّ في مرتبة متقدمة.

ويقوم برنامجه الانتخابي على الرعاية الطبية للجميع (ميدي كير)، وزيادة الضرائب على الأمريكيين الأكثر غنى، ورفع الحدّ الأدنى من الأجور.

كما يطالب بإلغاء 1.6 ترليون دولار أمريكي بشكل كامل من الديون الحالية على الطلبة، بغضّ النظر عن الدخل، وجعل الدراسة في الكليات والجامعات والمدارس المهنية مجانية، وتمويل ذلك عبر فرض ضرائب على وول ستريت.

ويتمتع ساندرز بمزايا اكتسبها من تبرعات صغار المتبرعين، والشهرة التي يحظى بها، وتنظيم الموالين له في خمسين ولاية أمريكية، بيد أنّ وضعه كمتسابق رئاسي رئيس ستترتب عليه تكلفة معينة.

وسيحتفظ السيناتور، البالغ من العمر 77 عاماً، بقاعدته الموالية له، لكن من غير المعلوم ما إذا كان سيختار بعض أنصاره السابقين وجهاً جديداً، هذا وقد يقود إلى نشوب نزاع مع أولئك الذين يعتقدون أنّ "الثورة" التي يقودها بيرني تمثل الطريق الوحيد المتاح، الأمر الذي سيلهب الجراح التي يعاني منها الديمقراطيون، علماً بأنّها لم تندمل بعد منذ الحملة الانتخابية الأخيرة.

ووصف ترامب بيرني بالمجنون، لكنّه يملك طاقة أكبر مقارنة ببايدن، ولهذا لا يمكنك أن تعرف الحقيقة.

إليزابيث وارن

المرشح الثالث، إليزابيث وارن، وهي الأكاديمية التي تمثل التوجه التقدمي في الحزب الديمقراطي.

وارن؛ عضوة مجلس الشيوخ عن ولاية ماساشوسيتس، والتي تعد شوكة في خاصرة البنوك الكبرى، تسلط في حملتها الانتخابية على ضريبة الثروة، والرعاية الصحية، وحقوق الإجهاض، وتجريم إهمال الشركات الكبرى، كما تطرح إلغاء الديون الجامعية بناء على مستوى دخل الأسر؛ الأسرة التي تكسب أقل من 250 ألف دولار أمريكي سنوياً ستحصل على مستويات مختلفة من تخفيض الديون، بينما الأسر التي تكسب أكثر من ذلك لن تستفيد، وجعل الكليات العامة مجانية؛ إذ سيتم فرض ضرائب على أصحاب الثروات الكبيرة.

وظلت إليزابيث وارن مفضلة لدى اليسار التقدمي، منذ بروزها على المشهد السياسي، بهدف الدفع باتجاه فرض قوانين تنظيمية أكثر صرامة على القطاع المالي بعد الأزمة المالية لعام 2008، وخلال خدمتها في مجلس الشيوخ، أصبحت معروفة باستجواباتها الاستقصائية للمديرين التنفيذيين في وول ستريت، وبكونها منتقدة بصراحة للتفاوت في الدخول.

هذه القاعدة الشعبية المخلصة قد تكون كافية لصاحبتها حتى تتصدر المشهد في حقل ديمقراطي مشتت.

هذا وقد تواجه وارن تحديَ صياغة برنامجها الانتخابي؛ فهي تتعرض للنقد باستمرار من طرف دونالد ترامب، الذي سخر مراراً وتكراراً من مزاعمها السابقة بشأن أصولها؛ إذ قالت إنّ أصولها تعود إلى السكان الأصليين في أمريكا، ورغم أنّها بالكاد تذكر الرئيس في خطاباتها هذه الأيام، لكن عليها إقناع الديمقراطيين بأنّها لن تكون السياسية الأخيرة التي استهان بها الرئيس، ثم هزمها."

وقال ترامب عنها: "أظنّ أنّ بوكاهانتس (امرأة أمريكية من السكان الأصليين في إشارة إلى وارن)، قد انتهت، إنّها خارج اللعبة، لقد انتهت. عندما اكتُشِف أنّ في عروقي دماء هندية أكثر منها، وبما أنّه تبين أنّني لا أحمل دماء هندية، لكنني ما أزال أحمل المزيد منها، كانت تلك نهاية عملية نصب استمرت لمدة 32 عاماً".

 بيت بوتيجيج

أما المرشح الرابع؛ فهو بيت بوتيجيج، هو من جيل الألفية، وهو عمدة مدينة صغيرة لكنّه حقق نتائج جيدة.

أصبح رئيس بلدية مدينة ساوث بيند في ولاية إنديانا عندما كان ما يزال في العشرينيات من عمره، وخدم في القوات البحرية، وهو أول مرشح مثلي علانية.

برنامجه الانتخابي يقوم على الإصلاح السياسي، وحقوق المثليين، وتخفيف عبء الديون الدراسية.

واقترح بوتيجيج إعادة تشكيل المحكمة العليا؛ لتضمّ خمسة قضاة ديمقراطيين، وخمسة قضاة جمهوريين، وخمسة قضاة يتم اختيارهم بموجب اتفاق القضاة العشرة المعينين.

ويجيد المرشح سبع لغات، من بينها العربية، ويخطف الأضواء في ترشيحات الديمقراطيين.

دخل بوتيجيج السباق بسيرة ذاتية فريدة؛ فهو مثلي علانية، وحائز على شهادة أكاديمية من كلية رود في جامعة أكسفورد، وشارك في حرب أفغانستان بصفته مقاتلاً مخضرماً، وبصفته رئيس بلدية في منطقة الوسط الغربي، أظهر جاذبية لدى الناخبين في منطقة ساعدت في تسهيل وصول دونالد ترامب إلى الرئاسة.

قال عنه ترامب: "ألفريد إي نومان (مجلة ماد للرسوم المتحركة) لا يمكنه أن يصبح رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية".

إيمي كلوبوشار

المرشحة الخامسة، إيمي كلوبوشار، وهي محامية وعضوة مجلس الشيوخ حالياً، لمع نجمها خلال استجواب القاضي الذي رشحه ترامب للمحكمة العليا.

برنامجها الانتخابي يقوم على الاستثمار في البنية التحتية، وبرامج الصحة العقلية، وتخفيض أسعار وصفات الأدوية.

كما تدعو كلوبوشار إلى تخصيص 100 بليون دولار أمريكي لمعالجة تعاطي المخدرات وقضايا الصحة العامة، على أن تتولى دفعها جزئياً الشركات التي تصنع مواد الأفيون من خلال توسيع نطاق التمويل والمحلي وعلى مستوى الولاية لبرامج الصحة العقلية.

قال عنها ترامب: "إيمي كلوبوشار أعلنت أنّها ترشح نفسها للرئاسة، وتحدثت بفخر عن مكافحة الاحتباس الحراري، بينما تقف عملياً في عين عاصفة ثلجية مصحوبة بالجليد وانخفاض درجات الحرارة، عند نهاية خطابها، بدت وكأنّها رجل ثلج (امرأة)!".

تولسي غابارد

المرشح السادس، تولسي غابارد، وهي من مواليد ساموا الأمريكية، تبلغ من العمر 37 عاماً، وتمثل مقاطعة هاواي في الكونغرس.

غابارد التقت رئيس النظام السوري، عام 2017، وتدعو إلى وقف التدخل الأمريكي في شؤون الدول الأخرى.

برنامجها الانتخابي يقوم على إنهاء السياسة الخارجية القائمة على التدخل، والتغير المناخي، وتقييد حيازة السلاح.

تدعو غابارد إلى تبني "قانون الاستغناء عن الوقود من أجل مستقبل أفضل" الذي طرحته، وينص على إنهاء الإعانات والتخفيضات الضريبية المتعلقة بالوقود الأحفوري، وحظر إنتاج الغاز الصخري، وإلزام شركات الكهرباء باستخدام 80% من موارد الطاقة المتجددة بحلول 2027، فضلاً عن إلزام السيارات بانبعاثات صفرية بحلول عام 2050.

وتعرضت المرأة المخضرمة التي شاركت في حرب العراق للنقد؛ بسبب لقائها بشار الأسد، في كانون الثاني (يناير) 2017، بعدما اتُّهِم الرئيس السوري باستخدام الغاز السام، بشكل متكرر، ضدّ المدنيين.

وقد تثير غابارد، وهي ابنة سياسي محافظ وناشط، غضب الناخبين الديمقراطيين أيضاً؛ بسبب انتقادها سابقاً من وصفتهم بـ "غلاة المثليين"، ومعارضتها لحقوق الإجهاض والزواج المثلي.

وعارضت أيضاً الاتفاق النووي مع إيران، ودانت "التطرف الإسلامي"، بلغة تذكرنا أكثر فأكثر بمرشح جمهوري.

 مايكل بينيت

أما المرشح السابع؛ فهو مايكل بينيت، وهو عضو مجلس الشيوخ عن كولورادو، ومدير سابق للمدارس العامة في دينفر، ويعدّ أحد اصحاب المليارات ويدعم قضايا الحريات.

برنامجه الانتخابي يقوم على الإصلاح الاقتصادي، والزراعة، وإصلاح النظام الجنائي، وهو أحد رعاة قانون الأسرة الأمريكي لعام 2019، والذي يسعى إلى توسيع الائتمان الضريبي للأطفال بناء على مستوى دخل الاسرة، على أن يُدفع شهرياً بدلاً من مُستردات الضرائب.

مايكل بلومبيرغ

المرشح الثامن: مايكل بلومبيرغ، وهو ملياردير ورئيس سابق لبلدية نيويورك، لكنّ سجلّه خلال توليه منصب عمدة نيويورك غير مشجع لدى القاعدة الديمقراطية.

برنامجه الانتخابي قائم على الاقتصاد، والهجرة، والحدّ من انتشار السلاح، والتغير المناخي.

واستهزأ ترامب ببلومبيرغ قبيل إعلان مشاركته في الانتخابات الرئاسية، قائلاً: "لا أحد أودّ خوض غمار الانتخابات ضدّه سوى مايكل الصغير".

توم ستاير

أما المرشح التاسع، توم ستاير؛ فهو ملياردير من كاليفورنيا يعمل في مجال التمويل، ويدعو إلى الحدّ من قوة الشركات الكبرى.

برنامجه الانتخابي يقوم على التغير المناخي، والرعاية الصحية، وركّز ستاير عند إطلاق حملة الرئاسية بالفيديو على "نقل السلطة إلى الشعب" وتحميل الشركات الكبرى مسؤولية معظم المشكلات "المستعصية".

ووصفه ترامب قبل أشهر قليلة من إعلانه أنّه سيخوض الانتخابات، بـ "غريب الأطوار".

 

للمشاركة:



هل فقد الفلسطينيون الحشد وعليهم أن يقبلوا بصفقة القرن؟

2020-02-18

ترجمة: إسماعيل حسن


يرى كتّاب وخبراء سياسيون إسرائيليون؛ أنّ القيادة الفلسطينية والحركات الوطنية، وبعد إعلان الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، تفاصيل صفقة القرن، قد سقطت ورقتهم بعد أن فقدوا الحشد والدعم الحقيقي في محاولة التصدي لقرارات الصفقة، في حين أنّه قد آن الأوان كي تفرض إسرائيل سيطرتها الكاملة على بلاد اليهود التاريخية، دون إذن من الفلسطينيين.

إنّ معارضة الفلسطينيين لخطة القرن ليست مفاجئة؛ فقد سبق أن تلقوا اقتراحات سخية جداً ومع ذلك رفضوها

وفي هذا الإطار يقول الكاتب والمحلل السياسي، أفرايم غانور: "لقد فقدت القيادة الفلسطينية والحركات الوطنية كافة أوراقها الأخيرة، فلا داعي للرفض ومحاولة حشد الدعم العربي الرافض للخطة، الرئيس أبو مازن خلق وراءه ناراً أشعلها في خطابه الكفاحي، أقلع إلى الجمعية العمومية بالأمم المتحدة في نيويورك ليعمل ما هو جيد فيه أكثر من أيّ شيء آخر، فيخطب أمام ممثلي الأسرة الدولية، ويطلب تأييدهم الذي لم يجده حتى الآن؛ لا في الشارع الفلسطيني ولا في العالم العربي المحيط به، بالتالي ليس هناك ما يحسد أبو مازن ورفاقه في القيادة الفلسطينية عليه، لقد بقوا بلا أوراق وبلا خيارات عمل، التوجه للأسرة الدولية لن يجدي نفعاً في ضوء الوقوف الذي لا لبس فيه من إدارة ترامب إلى جانب إسرائيل، وللحقيقة؛ الحديث لا يدور فقط عن ترامب وإدارته، فمعظم دول العالم امتنعت عن رفض خطة ترامب، ولا ترى فيها سبباً لتحطيم القواعد التي يهدّد فيها أبو مازن إسرائيل، من يدّعي أنّ ترامب ونتنياهو لم يتركا أمام الفلسطينيين غير طريق واحد، وهو طريق العنف، لكنّ أبو مازن يعرف أكثر منهما أنّ هذا الطريق مآله الفشل، ولن يؤدي إلى أيّة نتائج.

ما فشل الفلسطينيون في تحقيقه
يصعب الافتراض أنّ ما فشل الفلسطينيون في تحقيقه في أيام الانتفاضة في بداية أعوام الألفين، التي خلّفت أكثر من ألف قتيل إسرائيلي، يمكنهم تحقيقه اليوم في ضوء التفاوض الأمني والاستخباري الإسرائيلي، مثلما هو الحال دوماً، تدمن القيادة الفلسطينية على الأمل العابث، وتعلّق آمالها على الأسرة الدولية، أو على تغيير يقع في إسرائيل أو الولايات المتحدة، في أعقاب الانتخابات القريبة في الدولتين، وكما هو الحال دوماً؛ يفضّل الفلسطينيون أن يعيشوا انطلاقاً من الخيار بين خطاب في الجمعية العمومية للأمم المتحدة وخطاب في جلسة مجلس الأمن، وبين انتخابات وانتخابات، ليكتشفوا وليخيب أملهم في كلّ مرة من جديد، أنّ شيئاً لن يحصل مهما يكن من أمر، وحتى حين لا يفعلون شيئاً غير الحديث والخطابة، فلعدم الفعل دينامية خاصة به، ولا يمكن إبقاء السلطة والحركة الوطنية الفلسطينية على قيد الحياة فقط، وعلى أساس الخطابات والأحلام والترقب لنتائج الانتخابات، فالسلطة كفيلة بأن تتفكك في نهاية اليوم، وستكون النتيجة اندفاعاً من الفلسطينيين نحو الإسرائيلية والمواطنة الإسرائيلية".

اقرأ أيضاً: غالبية الإسرائيليين يرفضونها: هل ستبوء "صفقة القرن" بالفشل؟
ويتابع غانور مقالته قائلاً: "الواقع الحالي يثبت أنّ عرب إسرائيل لا يفوتون أيّة فرصة لأن يثيروا ضدّهم حتى الإسرائيليين الذين يتضامنون ويؤيدون ادّعاءاتهم المحقة، والذين يقفون إلى جانبهم في المظاهرات والكفاح؛ ففي المظاهرات التي جرت في تل أبيب ضدّ خطة الضمّ، بمبادرة ومشاركة منظمات اليسار والمئات من عرب إسرائيل، رفعت أعلام فلسطين بينما هتف حاملوها هتافات لا تتوقف، فلسطين مئة في المئة من البحر حتى النهر، الرسالة معروفة ومشهود لها، وتشكل جزءاً لا يتجزأ من عقيدة كفاح منظمة الإرهاب حماس، ثمة كثير من الحقيقة والحقّ في ادّعاءات عرب إسرائيل ضدّ البند الوارد في خطة ترامب، الذي يتحدث عن نقل جزء من بلدات وادي عارة إلى السلطة الفلسطينية المستقبلية.

عرب إسرائيل
الواضح أنّ عرب إسرائيل لا يحتاجون دولة فلسطينية من البحر إلى النهر، وإذا كان هذا بالفعل هو حلمهم؛ فإنّ هذا البند بالذات في خطة ترامب سيساعدهم في تجسيد الحلم من خلال ضمّهم إلى الدولة الفلسطينية، لكن لماذا يتظاهرون؟ فالموضوع كلّه عن العلم الفلسطيني إلى جانب التطلع إلى دولة من البحر إلى النهر مكانه ليس هنا، بمعونة المظاهرات وهتافات كهذه، يقطع عرب إسرائيل الفرع اليهودي الإسرائيلي الذي يدعمهم ويحملهم، كلّ يهودي في هذه الدولة يفهم معنى هتاف يدعو إلى دولة فلسطينية من البحر إلى النهر، بفضل هتافات كهذه تطرأ على رأس كلّ يهودي صور قاسية تحت عنوان "لن تكون هناك مرة أخرى أبداً"، وإذا لم يسارع عرب إسرائيل إلى الإصلاح والاعتذار عن هذا المشهد، فسيكتشفون في الأيام القريبة المقبلة أنّ الكثير من اليهود الذين يؤيدون تلك البنود التي تضمنتها خطة ترامب وتظاهروا واحتجوا ضدّها، من غير المستبعد أن نسمع في الأيام المقبلة ادّعاءات من اتجاهات مختلفة في الوسط العربي، بأنّ هذا لا يعكس موقف كلّ عرب إسرائيل، وأنّ الأمور لم تفهم كما ينبغي، التوقعات مختلفة ومتنوعة ليس فيها ما يقلل خطورة هذه الظاهرة، لقد حان الوقت لأن يفهم كلّ عربي يعيش هنا ويحمل بطاقة هوية زرقاء ويتطلع ويحلم بدولة فلسطينية من البحر إلى النهر، أنّ مكانه ليس هنا، ليس في دولة اليهود، إلى جانب هذا؛ على قيادة عرب إسرائيل، بكلّ تركيبتها، ولا سيما لجنة المتابعة ونوابها في الكنيست؛ أن يستوعبوا أنّ المسؤولية تقع على من يطلب من المؤسسة اليهودية المساواة الكاملة لعرب إسرائيل، ملزم قبل كلّ شيء بأن يكون موالياً وملتزماً بالدولة التي يطلبون منها مطالبهم وحقوقهم، لو جرت مظاهرة لرجال اليمين من حملة أعلام إسرائيل في بلدات وادي عارة، ودعا المشاركون فيها إلى نقل جلجوليا وباقة الغربية، وأم الفحم، وعرعرة، إلى الدولة الفلسطينية المستقبلية، لانطلقت هنا صرخة رهيبة مع ادّعاءات بالعنصرية وما شابه خطاب أبو مازن في اجتماع الجامعة العربية، الذي عرض فيه حقائق كاذبة ومثيرة للحفيظة عن يهود رابطة الشعوب وأثيوبيا، تعزّز الرأي بأنّه لا يوجد مع من ووفق ماذا سيكون الحديث، لو كانت هناك حكمة في الطرف الفلسطيني لكان بوسعهم أن يصدوا ويغيروا خطة ترامب بسهولة، كان عليهم ببساطة أن يقولوا نعم للخطة ويرفقونها بعدة تحفظات لديهم، والاستعداد للبحث فيها في اللحظة نفسها؛ فإنّ عرض هذه الخطة كما عرضت كان سيتوقف أو ينزل عن جدول الأعمال، وحتى نتنياهو نفسه كان سيحرص على وقفها؛ لمعرفته أنّ شركاءه من اليمين لن يكونوا مستعدين لسماع وقبول خطة مع بند يتحدث بشكل واضح وقاطع عن دولة فلسطينية، بل وعن دولة يستعدّ الفلسطينيون لقبولها، هكذا هو الحال حين يحرص الفلسطينيون دوماً على ألا يفوتوا أيّة فرصة ليفوتوها.

أفضل الخطط السياسية الأمنية
في المقابل؛ يقول الكاتب الإسرائيلي، عاموس جلبوع: "إعلان تفاصيل خطة السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين يعدّ من أفضل الخطط السياسية الأمنية التي سبق أن طرحت على إسرائيل في الموضوع الفلسطيني، وعلى إسرائيل أن تتبناها جملة وتفصيلاً بما فيها البنود التي قد لا تكون مريحة لها، لعدة اعتبارات:

الواقع الحالي يثبت أنّ عرب إسرائيل لا يفوتون أيّة فرصة لأن يثيروا ضدّهم حتى الإسرائيليين الذين يتضامنون معهم

أولاً: هذه الخطة تحطم المنظومة الفكرية الكونية دولة فلسطينية في حدود 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، وإخلاء المستوطنات التي ترسخت في العالم منذ المحادثات التي جرت سابقاً بين باراك وياسر عرفات، وفي أوساط ما كان عليه اليسار الإسرائيلي، هذه الخطة تلقى في سلة القمامة، بحدود 67 تسمح لإسرائيل بأن تقرر حدودها على أساس اعتراف أمريكي بالاحتجاجات الأمنية لإسرائيل، تعترف بالقدس الموحدة وتعترف بشرعية المستوطنات، وهكذا يخرج من الخطاب السياسي مصطلح الاحتلال، هذه خطة لها إجماع واسع في الحياة العامة الإسرائيلية، باستثناء الأغبياء وغريبي الأطوار في الهوامش المتطرفة من اليمين واليسار.

اقرأ أيضاً: وثيقة فلسطينية ترصد 300 تجاوز قانوني في "صفقة القرن"
ثانياً: هذه الخطة تعيد الحركة الوطنية الفلسطينية إلى نقطة الصفر؛ لا حدود 67، ولا حق عودة، ولا ما تلقوه كهدايا من باراك وأولمرت، السيطرة على نحو 95% من أراضي يهودا والسامرة وإخلاء مستوطنات وعودة رمزية للاجئين وسيطرة على الحرم والحوض المقدس، صحيح أنّ الخطة تتحدث عن دولة فلسطينية بعد أربعة أعوام، عاصمتها شرق القدس، بمعنى القرى مثل أبو ديس وقلنديا، لكن من أجل نيل هذه الجائزة على الفلسطينيين أن ينفذوا سلسلة من الشروط، وعلى رأسها الاعتراف بدولة إسرائيل كدولة يهودية، من ناحية الفلسطينيين فهذا تنكر للأمر الأهم وخيانة للجوهر وللهوية الفلسطينية، فضلاً عن ذلك؛ فإنّ دولتهم ستكون محدودة جداً في سيادتها، ولن تكون لها رقابة على الحدود، وكلّ ما قلته حتى الآن يذكّرني بالإرث الذي تركه إسحق رابين في خطابه في الكنيست قبل شهر من اغتياله، لن نعود إلى حدود 67، القدس ستبقى موحدة والكتل الاستيطانية ستضمّ، وغور الأردن بالمعنى الأوسع سيكون حدودنا الأمنية، ولن تكون دولة فلسطينية، بل شيئاً ما أقلّ من دولة.

ثالثاً: قطاع غزة وحماس، تتحدث الخطة عن نزع سلاح حماس وتجريد القطاع وربطه بيهود السامرة بواسطة نفق أرضي، برأيي هذا أمر مستحيل، وأحلام لا يمكن تحقيقها، من سينزع سلاح حماس؟ هذه المحاولات وبمجرد الحديث فيها فهي تنذر بالشر للخطة، نتنياهو يساوم حماس ويفتح المطارات والمعابر لإدخال الأموال القطرية إليها، إطلاق الصواريخ ما يزال متواصلاً، وهو ما يزال قيد التفاوض، وليس بيده قرار أو حلّ لنزع السلاح.
رابعاً: لقد جاءت الخطة في وقت توجد فيه إسرائيل في موقع قوة إقليمية، والدول العربية مشغولة في مشاكل كبيرة والولايات المتحدة في موقع تأثير في المنطقة، لم يكن لها في الماضي، وفوق كلّ ذلك لا يمكن أن ننسى ولو لأيّة لحظة؛ أنّ المشكلة الحقيقية في المنطقة هي إيران.

اقرأ أيضاً: "كورونا" و"بريكست"و"صفقة القرن" والهشاشة
خامساً: أبو مازن والقيادة الفلسطينية لن يرفضا الخطة فقط، بل وسيحاولان القتال ضدّها وتهديداتهما تناطح السحاب لهم، فمن الصعب اليوم تجنيد الشارع العربي لعنف بعيد المدى، من يمكنه أن يمارس العنف هما حماس والجهاد الإسلامي في قطاع غزة، فهل ستنتج خطة القرن عنفاً كهذا من قطاع غزة إلى أن يرفعنا هذا إلى لحظة الحقيقة بالنسبة إلى مستقبل حماس في القطاع؟ أرى خطرين آخرين محتملين؛ الأول: ألا يعرف سياسيون كيف سيتصدون للتحدي الأكبر الذي يواجه الدولة الآن، والخطر الثاني؛ ألّا ينتخب ترامب مرة أخرى في تشرين الثاني (نوفمبر)؛ لذلك ينبغي الصلاة من أجل انتخابه.

اقرأ أيضاً: "صفقة القرن"... إطار للحل أم توطئة للانفجار؟!
أما الكاتب والمراسل العسكري، يوسى هدار، فقد أشار معقباً على ما سبق إلى أنّه لا توجد هناك خطة سياسية تساوي الورق الذي كتبت عليه، إلا إذا كانت منخرطة جيداً في الواقع اليومي، ومنسقة ومتعاطية مع القوى العاملة في المنطقة نفسها، على الساحة السياسية ومدعومة من القوى العظمى، صفقة القرن، التي هي ثمرة عمل كدّ لإدارة ترامب وإنجاز سياسي لا بأس به لحكومة نتنياهو، تقترب من المقاييس العملية التي ذكرت هنا، رغم أنّها لا تحظى في هذه اللحظة بموافقة كلّ الأطراف، على السطح تبدو هذه خطة ممتازة لإسرائيل، خطة تاريخية تمنح الدولة حدوداً قابلة للدفاع وبسط السيادة على غور الأردن والمناطق المأهولة في يهودا والسامرة اعترافاً بالقدس عاصمة لإسرائيل، بما فيها البلدة القديمة في شرقها، ومزايا عديدة أخرى إضافة إلى ذلك.

الجدير بالذكر؛ أنّ إسرائيل مطالبة بأن توافق على إقامة دولة فلسطينية، وإن كانت مجردة وبشروط مقيدة، إلّا أنّها ما تزال دولة تمتد على نحو 70% من المناطق التي يحسبها كثيرون من الجمهور الإسرائيلي مناطق من الوطن، وفي نظرة تاريخية، ينبغي القول: إنّ الفلسطينيين يحصلون في خطة ترامب على أكثر بكثير مما ينبغي إعطاؤهم إياه، عليهم أن يتذكروا أنّ التطلعات القومية للعرب سبق أن تحققت في نحو 20 دولة في أرجاء الشرق الأوسط، بينما التطلعات القومية والأخلاقية والشرعية للشعب اليهودي لم تجد تعبيرها إلا في دولة قومية واحدة صغيرة ومحوطة بالأعداء، وعليه فليس هناك مكان آخر لتنازلات بعيدة الأثر.
مشروع تقسيم متجدد
إنّ خطة ترامب عملياً هي مشروع تقسيم متجدد، وينبغي أن نرى فيها الخطوة الأقرب لتحقيق العدالة التاريخية، والاعتراف بالحقوق التاريخية والقانونية للشعب اليهودي على بلاد إسرائيل، وبسبب التجمعات السكانية الفلسطينية في المدن الكبرى، وبسبب أهمية احترام حقوق الإنسان والمبادئ الديمقراطية، ينبغي السماح للفلسطينيين بإدارة المنطقة بأنفسهم، لكنّ الحلّ الأكثر عدلاً هو حكم ذاتي فلسطيني وكونفدرالية مع الأردن.

تدمن القيادة الفلسطينية على الأمل العابث، وتعلّق آمالها على الأسرة الدولية، أو على تغيير يقع في إسرائيل أو أمريكا

إنّ معارضة الفلسطينيين لخطة القرن ليست مفاجئة؛ فقد سبق أن تلقوا اقتراحات سخية، وسخية جداً، بعضها ليست من حكومات باراك وأولمرت، ومع ذلك رفضوها في ظلّ إصرارهم على تقاليد تفويت الفرص التي تعود إلى المشروع التقسيمي.
لا مفرّ من النظر على نحو سليم، والقول إنّ الفلسطينيين غير معنيين بالاعتراف بدولة يهودية، وعملياً هم معنيون بكلّ الأرض من النهر وحتى البحر، لم يعد ممكناً انتظار الفلسطينيين، وتحمّل رفضهم، والإرهاب الذي يمارسونه، فضلاً عن الولايات المتحدة التي تؤيد مبدئياً فرض السيادة الإسرائيلية، يحتمل أن يكون ممكناً ربط المحور السنّي بمثل هذه الخطة، كذلك الدول العربية المعتدلة، ورغم التصريحات التلقائية التي انطلقت من الاتحاد الأوروبي, يبدو أنّ بريطانيا وألمانيا وفرنسا لم يستبعدوا الخطة تماماً، وقد تؤيد أيضاً هي مثل هذه الخطوة، على إسرائيل أن تعلن الخروج من دائرة الرفض الفلسطيني، وتحدّد حدودها دون انتظار أكثر من ما مضى.


مصدر الترجمة عن العبرية: معاريف
https://www.maariv.co.il/journalists/Article-747896
https://www.maariv.co.il/journalists/Article-744152
https://www.maariv.co.il/journalists/opinions/Article-745049

للمشاركة:

"تجنيد الأطفال" وغياب المسؤولية الدولية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-18

حسين الشيخ
لا شيء في الحياة دون قواعد حتى الحروب التي لا مرادف لها إلا الموت والخراب والدمار لها قواعد تحكمها إلا أن هذه القواعد يتم تجاوزها من الأطراف كافة لتغليبها النصر على الأعداء على أي مطلب آخر، وبغض النظر عن النتيجة كإهمال حياة المدنيين وتدمير البنى التحتية واستخدام الأسلحة المحظورة وغيرها من التجاوزات، إلا أن الأمر الأكثر بشاعة هو تجنيد الأطفال وتدريبهم على حمل السلاح، واستخدامه في القتال.

إن تعريف "الطفل" أخذ كثيرا من الأخذ والرد على مستوى الاتفاقات الدولية والقانون الدولي بتحديده بين الخامسة عشرة والثامنة عشرة من العمر، وبغض النظر عن العمر المحدد في الاتفاقات الدولية، فإن العمل على تجنيد الأطفال سواء على يد الجماعات والمليشيات أو حتى الجهات الرسمية التي تجندهم بطريقة التفافية ضمن مليشيات تابعة لها، فإن الأمر الأكثر رعباً هو تجنيد الآلاف من الأطفال ممن هم دون الخامسة عشرة من العمر.

ورغم الحظر الدولي لتجنيد الأطفال فإننا نجد المجتمع الدولي والمنظمات المسؤولة عن حماية الأطفال كمنظمة "اليونيسيف" التي تتعامل مع الموضوع بالتصريحات والانتقادات - وبازدواجية في المعايير في بعض الأحيان – دون اتخاذ خطوات جادة تفرض على المجتمع الدولي عدم التعامل مع أي جهة تسهم في تجنيد الأطفال لما له من تبعات جسيمة تنذر بدمار مجتمعات بأكملها وتحويل أجيال برمتها إلى امتهان القتل والدمار.

وفيما يلي سنرصد أبرز الجماعات المرتبطة بملف تجنيد الأطفال واستخدامهم في الأعمال العسكرية، كما سنتعرض إلى واجبات المجتمع الدولي والمنظمات الدولية المختصة بتطبيق القانون الدولي وحماية الأطفال، وعلى رأسها منظمة "اليونيسيف":
المسألة الأولى تتعلق بأبرز الجماعات العربية المرتبطة بتجنيد الأطفال، في ظل الحروب والنزاعات الدائرة وطول أمدها على الرقعة العربية شكلت منعطفات خطيرة في فقدان الأمن وتحويل البوصلة الفكرية إلى التيارات المتشددة لغياب الحلول السياسية لأزماتها العالقة منذ سنوات طويلة، الأمر الذي ترتب عليه تدهور البنى التحتية، لا سيما قطاعات التربية والتعليم وتسرب الأطفال من مدارسهم، بالإضافة إلى الحالة الاقتصادية المزرية وفقدان أبسط سبل العيش.

الأمر الذي يشكل ظروفاً مناسبة لاستغلال الأطراف المتصارعة لها والعمل على تجنيد الأطفال الذين يحققون لها بعض المكاسب التكتيكية والاقتصادية من خلال سهولة تجنيدهم واستغلال قصورهم الفكري بإلحاقهم بمعسكرات معنوية تعمل على زرع العداوة والبغضاء تجاه الطرف الآخر، الأمر الذي يسهم في تكوين طفل متشدد لا يمكن له في يوم من الأيام أن يقبل الطرف الآخر فتحظى بمقاتل مستميت لنصرة الفكرة التي زرعتها به، عدا عن كونه سهل الحركة وأكثر طواعية في تنفيذ الأعمال العسكرية الموكلة له وبانصياع تام لمُراد مجنِّديه.

هذا الأمر عمل عليه كل من تنظيم "داعش" المهزوم في سوريا والعراق ومليشيات الحوثي في اليمن، علاوة على أن الأطفال يتم تجنيدهم بتكاليف مادية بسيطة من حيث التسليح والأجور، كما أن من لا يستطيع حمل السلاح منهم لأي سبب من الأسباب يمكن استخدامه في نقل الذخيرة أو بناء الدشم، وهو ما عملت عليه كل الجماعات والمليشيات المتصارعة على الأرض العربية، كالجماعات المتطرفة في ليبيا وجبهة النصرة في سوريا والحشد الشعبي في العراق والمليشيات التابعة للحرس الثوري الإيراني.

ولكن الجماعات الأبرز الضالعة بتجنيد الأطفال هما جماعة "بوكو حرام" في الصومال وجماعة "الحوثي" في اليمن، ففي الصومال وبحسب التقارير والإحصاءات الإعلامية يتم تجنيد ما يزيد على ألفي طفل، وفي اليمن ما يقارب الألف طفل، ما يجعلهما في مقدمة المجنِّدين للأطفال مقارنة بالمساحات الخاضعة لهما وتعداد سكانها.

المسألة الثانية تكمن في آلية تعاطي المجتمع الدولي والمنظمات الدولية مع ملف تجنيد الأطفال..

رغم أن تجنيد الأطفال محظور دولياً وباتفاقات مبرمة لا مجال لتجاوزها، وباعتبار تجنيد الأطفال يرقى لجرائم الحرب، فإن تعاطي المجتمع الدولي معه يعد خجولاً مقارنة بقدراته القانونية والسياسية وحتى العسكرية، وذلك من خلال النظر لهذا الخطر على أنه موضوع ثانوي بل إنه لا يرقى حتى لمجرد مقاطعة أولئك المجنِّدين أو اشتراط التوقف عن تجنيد الأطفال كشرط أساسي قبل الجلوس معها على طاولة للحوار، كما في الملف اليمني والسوري.

أما المنظمات الدولية المعنية، لا سيما منظمة "اليونيسيف" فإنها لا تقتصر على التصريحات والمراقبة دون اتخاذ خطوات جادة، بل إنها تتعامل بازدواجية في بعض الأحيان، إذ تدين تجنيد الأطفال وتستصرخ المجتمع الدولي لمد يد العون وإنقاذهم.

وفي الوقت ذاته تعترف بالجماعات المجنّدة لهم من خلال إبرام الاتفاقات وإدخال المساعدات التي تعلم علم اليقين، أنها لن تصل إلى الأطفال، بل إنها ستنهب وتحوّل إلى جبهات القتال كما حدث في اليمن والتعامل مع مليشيات الحوثي، كما أنها تعتمد على تقارير مواربة رغم قدرتها على لمس الواقع بيدها، إذ تساوي بين الحكومة الشرعية والانقلابيين في موضوع تجنيد الأطفال.

وذلك رغم أن تقاريرها هي نفسها التي نشرها موقع "سكاي نيوز عربية" عام 2017، الذي جاء فيه أن "جماعة الحوثي تجند 1940 طفلا، بينما هناك 274 حالة تجنيد مسؤولة عنها الحكومة اليمنية"، جاء التقرير بلغة تشير إلى أن الحالات المسؤولة عنها الحكومة الشرعية تفتقر إلى التوثيق اللازم لهذا الانتهاك، علاوة على أن العدد - رغم إدانتنا لتجنيد أي طفل - المذكور بحق الحكومة الشرعية عدد ضئيل لا مجال للتأكد منه.

كل ذلك يجعل المجتمع الدولي والمنظمات الدولية مسؤولة وبشكل مباشر عن قضية تجنيد الأطفال وتحويل المجتمعات إلى فرق متناحرة تتجذر فيها قيم التطرف والتشدد واستساغة إراقة الدماء وتدمير الأجيال بحرف أهدافها وطموحاتها وطاقاتها من مقاعد الدراسة والانكباب على العلم والبناء إلى دشم القتال والتمترس وراء البنادق، ما ينذر بكارثة حقيقية لا مجال لاحتوائها إذا مضى وقت أطول دون التعامل معها بحزم أو إيجاد الحلول الجذرية لها.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:

أردوغان والفائضون عن الحاجة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-18

خالد الغنامي

عندما وضع أردوغان إكليل زهور على قبر ثيودور هرتزل في عام 2005 لم يكن يطلق مجاملة عابرة، فتركيا هي ثاني دولة مسلمة تعترف بإسرائيل في عام 1949، بعد إيران التي اعترفت بها في عام 1948. العلاقة بين الجانبين في حقيقتها أقوى من علاقة طيور الحُب في 14 فبراير، خصوصاً على مستوى وزارتي الدفاع (التركية والإسرائيلية)، فالتعاون العسكري يطال العديد من المجالات التي تشمل الجو والبحر والأرض، ومن قوات المشاة إلى التسليح، ومن المجال الاستخباراتي إلى صناعة الطائرات والأسلحة والصواريخ.. وهو تعاون ينطلق أساساً من تعاون اقتصادي راسخ. إنه حلف استراتيجي مؤسسي وبنيوي يشتمل على لجان التوجيه والاجتماعات المنتظمة والحوارات التي لا تنقطع.. مهما مارس أردوغان من مسرحيات هزلية أمام المتفرجين. هذه المسرحيات هي ما جعلت رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يسخر من تظاهر أردوغان بعداوة إسرائيل، في حين يقدّر التبادل التجاري بين الجانبين بعشرات المليارات، ويسير على نحو متصاعد في كل عام.
الاتفاق التركي الإسرائيلي في فبراير 1996 يؤكد أنه عندما يكون هناك جنود لإحدى الدولتين، على أراضي الطرف الآخر، فإنهم لن يشاركوا في النزاعات بين الدولة المضيفة وأي طرف ثالث. هذا الاتفاق يتم تمديده سنوياً وقد مهد الطريق للزيارات العسكرية المتبادلة والتدريب الذي يشمل إرسال المراقبين للإشراف على المناورات العسكرية وتبادل الموظفين واكتساب المعرفة العسكرية، وقيام القوات الجوية والبحرية بزيارات متبادلة وتدريبات مشتركة.
وعلى صعيد الطيران العسكري، تُجرى التدريبات الدورية للقوات الجوية ثماني مرات سنوياً، في أربع عمليات انتشار في كلا البلدين. وتُجرى هذه التدريبات في تركيا بسبب حجم إسرائيل الضئيل، مما يتيح لقواتها الجوية أن تمارس التدريب الدوري في حوض البحر المتوسط، فيما يتدرب الطيارون الأتراك على ميدان إطلاق النار المحوسب في إسرائيل وفي مطار نيفاتيم.
ولابد أن نعلم أن إسرائيل قلّصت عبر العقود من مصالحها واستثماراتها في اليونان وكردستان، رغم التعاطف مع قيام دولة للأكراد، ضماناً لمصالحها مع تركيا. وفيما يتعلق بالتعاون الاستخباراتي، وهو مجال حيوي آخر تزدهر فيه العلاقات الإسرائيلية التركية، يجري تبادل المعلومات الروتينية وتحليل البيانات، بما فيها تلك التي جمعتها الأقمار الاصطناعية الإسرائيلية.
الدافع وراء العلاقات الإسرائيلية التركية هو المصالح الوجودية المشتركة التي نسجت علاقاتهما الوثيقة في محيط عربي تستبعدان الاندماج فيه، وتجدان أن شخصيتيهما «الغربيتين» تحثهما على التعاون، خصوصاً بعد أن اتضح أن فائدتهما للمصالح الغربية أصبحت موضع شك، منذ الإعلان عن نهاية الحرب الباردة، مما زاد من رغبتهما في التقارب والتعاون من أجل البقاء. هذا غيض من فيض، مما تشهد به الوثائق الرسمية المعلنة للعالم.
على هذه الخلفية، وفي الوقت الراهن تحديداً، وما تشهده علاقة العالم العربي بالدولة التركية الحالية من توتر.. لا يمكن أن نحسن الظن بأولئك الأتراك الأيديولوجيين الذين يهتفون في بلد ثالث: «بالروح بالدم نفديك يا أقصى»، وكان الأولى بهم أن يذهبوا إلى مقر السفارة الإسرائيلية في أنقرة وأن يهتفوا للأقصى من هناك، أو أن يذهبوا إلى مصانع السلاح التركية التي تصدّر إلى إسرائيل الذخائر التي تقتل بها الفلسطينيين، فيمنعوا تصديرها.
ومع كل هذا، تجد أن الفائضين عن الحاجة، بحسب تعبير نيتشه، وهم جماعة «الإخوان المسلمين»، ما زالوا يدافعون عن خليفتهم المزعوم أردوغان ويمارسون تضليلهم الإعلامي للإنسان العربي العادي الذي لا يملك الوقت للبحث والتقصي حول خلفياتهم ودوافع مواقفهم.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية