
قضت المحكمة الابتدائية بتونس، عن طريق دائرتها المختصة بقضايا الإرهاب، بالسجن 22 سنة في حق الخطيب الإدريسي، أحد أبرز رموز التيار السلفي الجهادي. وُجهت إليه تهم تتعلق بتسفير مئات الشباب إلى بؤر التوتر خلال السنوات التي أعقبت الثورة، ولا سيما سوريا وليبيا.
ويُعد الإدريسي من أبرز الوجوه المتشددة التي ظلت خارج المحاسبة طيلة سنوات، رغم تعدد البلاغات ضده وتسجيلات صوتية ومرئية توثق خطبه التحريضية. وقد كشفت مصادر أمنية أن اسمه ورد في أكثر من 40 ملف تحقيق مرتبط بشبكات إرهابية.
أُدين الخطيب الإدريسي، أحد رموز السلفية الجهادية في تونس، بالسجن 22 سنة بتهمة تسفير الشباب إلى بؤر التوتر كسوريا وليبيا.
الحكم الصادر يعكس تحوّلًا في التعامل القضائي مع الملفات الثقيلة المرتبطة بالإرهاب، حيث كانت المحاكمات تسير ببطء شديد أو تتأثر بتجاذبات سياسية. وهو ما يُفهم الآن كخطوة نحو استعادة الثقة في المؤسسات القضائية وإعادة الاعتبار إلى الضحايا وأهاليهم.
الخطيب الإدريسي: فقيه الدم ومنظر الجهاد
يُعرف الخطيب الإدريسي بأنه أحد أبرز منظري الفكر السلفي الجهادي في تونس، وسبق أن سُجن في عهد بن علي بتهم تتعلق بالتحريض والتكفير. لكن بعد 2011 عاد بقوة إلى الساحة، مستفيدًا من حالة الانفلات التي شهدتها البلاد، وبدأ يخطب في المساجد ويلقي الدروس في مراكز قرآنية دون رقابة.
الإدريسي كان شخصية محورية في شبكات التسفير، قدّم تزكيات دينية وشارك بجمع التبرعات لصالح جماعات متطرفة داخل وخارج تونس.
وتشير وثائق أمنية مسربة إلى أن الإدريسي لعب دور "الشرعي المرجعي" لعدد من الخلايا التي سهّلت انتقال مقاتلين إلى سوريا، عبر التنظير الديني وتوفير التزكيات، بل وشارك أحيانًا في جمع الأموال داخل المساجد (وثيقة وزارة الداخلية، 2016). وكان على اتصال بجمعيات محلية ودولية عملت كواجهة تمويلية لهذه الأنشطة.
وبرز اسمه في تقارير لجنة التحقيق البرلمانية حول التسفير، حيث أُشير إلى تواطؤ سياسي مكّن شيوخ السلفية من التمدد في المساجد والفضاء العام، وتحديدًا خلال فترة حكم الترويكا بقيادة الإخوان، بحسب تقرير لجنة التحقيق، 2018.
كما اعتمد عليه عدد من الشبان العائدين من بؤر التوتر كشخصية ذات تأثير مباشر على قرارهم بالالتحاق بالجماعات المسلحة.
شبكات التسفير: منظومة تتجاوز الأفراد
التحقيقات في قضية التسفير كشفت عن شبكة متشعبة من الأفراد والجمعيات والمسالك اللوجستية التي نشطت خلال الفترة بين 2012 و2015. لم يكن التسفير نشاطًا معزولًا بل عملية منسقة شارك فيها خطباء، جمعيات قرآنية، وسماسرة محليون، إلى جانب مسالك مالية مشبوهة مرتبطة بتمويل خارجي.
التحقيقات كشفت شبكات معقدة ضالعة في التسفير، ضمّت خطباء وسماسرة وجمعيات ومصادر تمويل خارجي، بين 2012 و2015 تحديدًا.
وتشير تقديرات "The Soufan Center" إلى أن أكثر من 6000 تونسي سافروا إلى بؤر النزاع، وهو ما يجعل تونس الدولة الأولى عربيًا من حيث عدد المقاتلين الأجانب في سوريا والعراق (Soufan Center، 2017). وقدرت تقارير داخلية أن نصفهم على الأقل تلقوا دعماً مباشراً من شبكات محلية لها صبغة دينية.
في السياق ذاته، أظهرت لجنة التحقيق البرلمانية أن شخصيات تنتمي لحركة النهضة الإخوانية وفرت مظلة سياسية لبعض الجمعيات المتورطة، كما تم التغاضي عن أنشطتها من قبل وزارات الشؤون الدينية والداخلية في تلك المرحلة، ورغم النفي المتكرر من النهضة، فإن القضايا لا تزال مفتوحة أمام القضاء.
السلفية في تونس: تشكلها ومساراتها بعد الثورة
وقد نشأت السلفية الجهادية في تونس خلال التسعينيات متأثرة بتنظيم القاعدة والمدرسة الوهابية، لكنها كانت مقموعة أمنيًا في عهد بن علي. بعد الثورة، تفجّرت على الساحة بقوة، وتقسمت إلى ثلاثة تيارات: السلفية العلمية (التي ترفض العنف)، والسلفية الدعوية (ذات النشاط المجتمعي)، والسلفية الجهادية التي تتبنى العنف كوسيلة للتغيير (RAND، 2015).
التقارير تربط بين تمدد السلفية الجهادية وفترة حكم الإخوان بتونس، حيث وفرت حركة النهضة مظلة سياسية لبعض هذه الأنشطة.
وأبرز جماعة مسلحة ظهرت كانت “أنصار الشريعة”، التي أسسها سيف الدين الرايس وأبو عياض سنة 2011، ونجحت في استقطاب آلاف الشباب خاصة من الأحياء المهمشة مثل دوار هيشر، حي التضامن، وجندوبة. وقد أسست الجماعة هياكل دعوية وخيرية ومساجد خارج سيطرة الدولة.
وفي 2013، صنّفت وزارة الداخلية الجماعة تنظيماً إرهابيًا بعد تورطها في الهجوم على السفارة الأمريكية واغتيال المعارضين شكري بلعيد ومحمد البراهمي، إلى جانب الإخوان، الذين يعدون المتهم الرئيسي في هذه القضايا. لكن العديد من منتسبيها عادوا إلى النشاط بشكل غير مباشر، عبر جمعيات أخرى أو بواجهات ثقافية وإعلامية.
التواطؤ الصامت مع الإخوان
هذا ويُتّهم الإخوان، خاصة حركة النهضة، بأنهم تساهلوا مع الجماعات السلفية بين 2011 و2013، سواء بدافع التوظيف السياسي أو نتيجة قراءة خاطئة للمشهد. وقد ظهر تسجيل مسرب لراشد الغنوشي يحث السلفيين على التدرّج والصبر في انتظار “لحظة التمكين”.
وقد سمحت وزارة الشؤون الدينية خلال تلك الفترة للسلفيين بإدارة مئات المساجد دون ترخيص، وأُسندت إليهم جمعيات دينية استفادت من تمويلات من قطر وتركيا. وعندما خرج السلفيون عن السيطرة وهاجموا خصوم النهضة، اضطرت الحكومة إلى إعلان الحظر.
لكن الضرر كان قد وقع: ترسخ خطاب التطرف، وخرج الآلاف نحو بؤر الصراع، وتشكلت خلايا سرية داخل تونس. ولم تُفتح ملفات التواطؤ إلا بعد 2015 تحت ضغط إعلامي وقضائي وشعبي واسع.
المواجهة الأمنية والفكرية المتأخرة
هذا وبدأت الدولة بعد 2015 في اتخاذ إجراءات أكثر حزماً ضد التيار السلفي، شملت تفكيك الخلايا، غلق المساجد الخارجة عن السيطرة، وتشديد الرقابة على الجمعيات. وقد نجحت وزارة الداخلية في تنفيذ عمليات استباقية مهمة، خاصة بعد هجمات سوسة وباردو.
رغم حظر أنصار الشريعة عام 2013، عاد العديد من عناصرها للنشاط بواجهات جديدة وسط تحذيرات من ثغرات أمنية وفكرية مستمرة.
لكن الخبراء يحذرون من أن المواجهة الأمنية غير كافية. تقرير لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي دعا إلى استراتيجية وقائية شاملة تشمل المدارس، المناهج الدينية، وبرامج إعادة تأهيل السجناء. كما أشار المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية (2023) إلى أن “الذئاب المنفردة” لا تزال تشكل تهديدًا حقيقياً، خاصة في ظل تغلغل الفكر الجهادي عبر الإنترنت.
وما زالت هناك ثغرات في معالجة الخطاب السلفي، خصوصًا في المساجد غير الخاضعة للرقابة، والمنصات الرقمية التي تستهدف الفئات الهشة عبر رسائل عقائدية مكثفة.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B6%D8%A7%D8%A1%20%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D9%8A_0_2_0.jpg.webp?itok=_sFlPzn8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D9%88%D9%88%D9%88_0.jpg.webp?itok=5vQRr4dD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/81872688-fbc4-42e8-89c8-2a104ba8fefe.png.webp?itok=E_fyVLVH)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_105_0.jpg.webp?itok=Di4TYWFQ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B8%D9%84%D8%A7%D9%84_0_2.jpg.webp?itok=hQGL9w4e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B3%D8%A7%D8%B9%D8%AF-%D9%85%D8%AF%D9%8A%D8%B1-%D8%A3%D9%85%D9%86-%D8%AA%D8%B9%D8%B2-%D9%86%D8%A8%D9%8A%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%AF%D9%87%D9%8A.jpg.webp?itok=tiXXhcD0)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A4_3_0_0_1_0.jpg.webp?itok=5LhvMVBt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/kolds5bJ.jpg.webp?itok=XhkLPCxd)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%8A%D8%B4-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86%D9%8A_1_1_0_0_0.jpg.webp?itok=mo5Wod39)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/474d1761-eb23-42bc-9067-7e2924393dd2.jpg.webp?itok=B_iW5YGn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1_90.png.webp?itok=nqFTAzIc)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/images_9_0.jpg.webp?itok=1nRP-ZIv)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A8%20_2.jpg.webp?itok=AnV0Unc7)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Screenshot%202026-06-16%20142601.png.webp?itok=2qlF45oa)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_21_0_0.jpg.webp?itok=myU5DPhU)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%867_2_0_0.jpg.webp?itok=KAB_cJlS)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1_89.png.webp?itok=7-WgJd8p)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D8%AD%D8%A7%D8%B6%D9%86%D8%A9%20%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8_0_1.jpg.webp?itok=WwqZho3e)