ملامح سقوط المشروع الإخواني: فشل التربية الإخوانية في إيجاد الفرد المسلم

ملامح سقوط المشروع الإخواني: فشل التربية الإخوانية في إيجاد الفرد المسلم


15/07/2018

للحكم بنجاح أو فشل أية مؤسسة، علينا أن ندرك أهدافها التي ألزمت نفسها بها، ومدى تطابق هذه الأهداف مع منتجها؛ لهذا إذا أردنا أن نحكم على مشروع الإخوان الفكري، علينا أن نتعرف إلى إهدافهم ووسائلهم، ثم نقيس منتجهم النهائي، ومشروع الإخوان يرتكز على شقّين:

الأول: "فكري أيديولوجي"، يطالب بإقامة دولة دينية ليحكم الإخوان الشعب نيابة عن الله، والثاني: "تطبيقي عملي" بإنزال أفكار المؤسس المجردة على أرض الواقع، أو على الأقل محاولة ذلك.

مشروع الإخوان يرتكز على شقّين الأول فكري أيديولوجي يطالب بإقامة دولة دينية ليحكم الإخوان الشعب نيابة عن الله

في الشقّ الفكري؛ رتّب حسن البنا مفاهيم وقيم الإسلام بطريقة تجعل تابعيه يؤمنون بأنّ الانضمام للجماعة فرض عليهم من الله، وأنّ الانضمام إلى جماعة الإخوان يضمن لهم أحد الحسنيين؛ إما الانتصار وإقامة الدولة الإسلامية، أو حصد الحسنات أكثر من باقي المسلمين، عبّر عن هذا حسن البنا في رسالة "تحت راية القرآن": "من تبعنا الآن فقد فاز بالسبق، ومن تقاعد عنا من المخلصين اليوم فسيلحق بنا غداً، وللسابق عليه الفضل، ومن رغب عن دعوتنا، زهادة أو سخرية بها، أو استصغاراً لها، أو يائساً من انتصارها، فستثبت له الأيام عظيم خطئه، وسيقذف الله بحقنا على باطله فيدمغه، فإذا هو زاهق، فإلينا أيها المؤمنون العاملون، والمجاهدون المخلصون، فهنا الطريق السويّ، والصراط المستقيم)، ولم يكن البنا يريد فقط  إيمان الناس بصلاحية فكرته، لكنّه كان يريد أن ينضموا إليه في التنظيم ليطبق عليهم أفكاره عملياً؛ فالأفكار تظلّ تسبح في عالم الخيال طالما لم تجد من يحاول تطبيق تلك الأفكار على الواقع.

اقرأ أيضاً: الإسلام هو الحل.. شعار أم مشروع؟

ويمر مشروع الإخوان بسبع مراحل؛ كل مرحلة تمثل هدفاً مستقلاً، وهذه الأهداف متوالية حددها لهم حسن البنا في رسالة إلى الشباب، وهي:

أولاً: نريد الرجل المسلم في تفكيره وعقيدته، وفي خلقه وعاطفته، وفي عمله وتصرفه. ثانياً: نريد بعد ذلك البيت المسلم في تفكيره وعقيدته، وفي خلقه وعاطفته، وفي عمله وتصرفه، ونحن لهذا نعنى بالمرأة عنايتنا بالرجل، ونعنى بالطفولة عنايتنا بالشباب، وهذا هو تكويننا الأسري. ثالثاً: ونريد بعد ذلك الشعب المسلم، رابعاً: ونريد بعد ذلك الحكومة المسلمة التي تقود هذا الشعب إلى المسجد. خامساً: ونريد بعد ذلك أن نضم إلينا كل جزء من وطننا الإسلامي. سادساً: استعادة البلدان التي كان مسلمة ثم استردها أهلها مثل إسبانيا (الأندلس) و(صقلية)؛ فالأندلس وصقلية والبلقان وجنوب إيطاليا وجزائر بحر الروم. سابعاً: نريد بعد ذلك ومعه، أن نعلن دعوتنا للعالم، وأن نبلغ الناس جميعاً؛ أي (أستاذية العالم).

اقرأ أيضاً: الواقع المهزوم والبعد عن الدين: تشخيص خطأ وعلاج خطر

غنيّ عن البيان أنّ هذا التسلسل لإقامة الدولة ولسيطرته على العالم ساذج جداً، لكننا على أية حال لن نناقش واقعية هذه الفرضية أو صحتها، لكن سنناقش مدى نجاح أو فشل الإخوان في تحقيق هذه الأهداف، أو العبور بهذه المراحل، مسترشدين بمعيار النجاح الذي وضعه حسن البنا نفسه، وسنكتفي بالمراحل الأربع الأولى؛ فهي التي استحوذت جلّ اهتمام الإخوان طوال العقود الماضية، وهي: (الفرد – الأسرة – الشعب - الحكومة).

يبدأ الشق الثاني؛ أي "التطبيق العملي" من مشروع الإخوان، في محاولة لإيجاد الفرد المسلم، عبر المؤسسات التربوية للتنظيم، ورغم نجاح الإخوان في ضمّ عناصر كثيرة، لكن يظلّ معيار النجاح الوحيد هو توفر هذه سمات وخصائص الفرد المسلم في أفراد الإخوان، كما حدد البنا في رسالة "التعليم" وهي كالآتي: (أن يكون قوي الجسم، متين الخلق، مثقف الفكر، قادراً على الكسب، سليم العقيدة، صحيح العبادة، مجاهداً لنفسه، حريصاً على وقته، منظماً في شؤونه، نافعاً لغيره، وذلك واجب كلّ أخ على حدته)؛ لهذا عملت كافة المؤسسات التربوية من أجل إنتاج هذا النموذج، فهل امتاز الإخوان فعلاً بهذه الصفات؟ هل جعلت الجماعة أعضاءها أقوياء الجسد؟ وهل قدمت الجماعة برامج رياضية لنشر الثقافة الرياضية؟

اقرأ أيضاً: ماذا بعد المعركة مع الإسلام السياسي؟

الواقع: لم ولن يكن في مسارات العمل الإخوانية أي نشاط رياضي خاص يحقق هذه السمة، كما لا يمكننا أن نقول إنّ أفراد الإخوان يمتازون بقوة الجسم، بخلاف ما يمتاز به المجتمع  والبيئة المحيطة بهم، لقد ترك الاهتمام  بالرياضة، بحسب ميول كل فرد إخواني، لهذا لا يمكننا أن نثبت لهم هذه السمة، السمة الثانية التي كان يجب أن يمتاز بها أفراد الإخوان هي "متين الخلق"، ورغم ادّعاء الإخوان أنّ أفرادهم تحققت فيهم هذه الصفة، إلا أنّ الواقع يكذبها، فبالنظر لردود الإخوان على معارضيهم نكتشف بسهولة مدى التردي الأخلاقي الذي وصلوا إليه، ومع حرصهم على نشر ألفاظ مثل: "إعلام العهر، وإعلام قوم لوط، المعارضة المخنثة.."، مع إصرارهم على وصف الشعب المصري بأنه "شعب عبيد للبيادة، أو أنه شعب حمار  يجب أن يهزّ ذيله"، ناهيك عن كمّ السباب المنتشر في صفحاتهم، سواء في منشورات مستقلة، أو في ردود على مخالفيهم، تكشف أن منتجهم الإخواني لم يكن أبداً متين الخلق، ويثبت فشل مؤسساتهم التربوية في تعديل سلوك البعض منهم، أضف إلى ذلك موقف أفراد الإخوان من مخالفيهم ممن انشقوا عن الإخوان أنفسهم، وإطلاقهم ألسنتهم بالكلمات البذيئة عليهم ممن طالت على سبيل المثال؛ أبو العلا ماضي، أو أبو الفتوح، أو إبراهيم الزعفراني، أو محمد حبيب، أو مختار نوح، أو ثروت الخرباوي.

اقرأ أيضاً: ماذا بعد تنظيم جماعة الإخوان المسلمين؟

هنا أمامنا طريقان؛ كلاهما يؤدّي إلى إثبات فشل إنتاج فرد متين الخلق، فلو صدقنا الإخوان في اتهامهم لمخالفيهم من الإخوان أيضاً، وهذا يثبت أنّ منتجهم التربوي فاسد، خصوصاً أنّ الأسماء السابقة مضت في الجماعة قرابة الثلاثين، فلم تنفعهم، ولم تجد معهم أية تربية في الإخوان، ولم تحقق فيهم سمة (متين الخلق)، وإذا كان ادّعاء الإخوان الرسميين كاذباً، فهذا دليل قاطع على فساد المنظومة الأخلاقية (العامة) لدى الجماعة، فلم تتحقق فيهم أيضاً سمة (متين الخلق)، ولا يصحّ الاحتجاج هنا بوجود أفراد في الجماعة حسني الخلق؛ لأنّ هؤلاء ليسوا نتاج تربية الإخوان، إنما هم نتاج تربية آبائهم ومجتمعهم المحيط.

مؤسسات الإخوان التربوية فشلت في إيجاد الفرد المسلم كما يتخيله حسن البنا فهل كان يمكن للجماعة أن تربّي المجتمع؟

السمة الثالثة التي فشل الإخوان في إيجادها في أفرادهم (مثقفو الفكر)؛ ففي عالم الثقافة لم نجد اسماً كبيراً من الإخوان المسلمين، كما لم نجد أياً من الإخوان قادراً على تفهّم، أو تعاطي، أو التعامل مع التموجات الثقافية العالمية، ومن انخرط منهم في عمل ثقافي ترك الجماعة فوراً، إمّا بالتخلي عن أفكار الجماعة بالتدريج، أو بالفصل من قيادات الإخوان، وقد يلتبس على بعض أفراد المجتمع من البسطاء، فيظنّ أنّ كمية المعلومات التي يمتلكها الفرد الإخواني تدلّ على أنّه مثقف الفكر.

أما باقي السمات، فلا يمكن أن نقول إنّ الإخوان يمتازون عن باقي مجتمعهم، مثل؛ القدرة على الكسب، أو الحرص على الوقت.

يمكننا القول: إنّ كل جهود الإخوان التربوية لم تنتج فرداً متميزاً خلقياً، أو جسدياً، إنما نجح الإخوان في إنتاج عضو تابع لا يملك القدرة على اتخاذ قرار منفرد إلا بالرجوع للجماعة، ولا يملك القدرة على الحكم على أمر ما أنّه صواب من عدمه، إلا بما تخبره به الجماعة، نجحوا في إيجاد تابعين قادرين على ترديد ما يصلهم من معلومات من قادة التنظيم، أزعم أنّ مؤسسات الإخوان التربوية فشلت في إيجاد الفرد المسلم، كما يتخيله حسن البنا، فهل كان يمكن لجماعة كهذه أن تربّي المجتمع؟

اقرأ أيضاً: ملامح سقوط المشروع الإخواني: الفشل في إيجاد الأسرة المسلمة

الصفحة الرئيسية