مغامرات أردوغان الفاشلة: من "صفر مشكلات" إلى "مشكلات فقط"

مغامرات أردوغان الفاشلة: من "صفر مشكلات" إلى "مشكلات فقط"

مشاهدة

16/11/2020

ترجمة: محمد الدخاخني

عام 2010، كانت عقيدة السّياسة الخارجيّة التّركيّة "صفر مشكلات" أُعجُوبة البحر الأبيض المتوسّط والشّرق الأوسط.؛ ففي ظلّ قيادة رجب طيّب أردوغان، كانت البلاد تستخدم الدّبلوماسيّة والتّجارة لتطوير علاقاتٍ ودودة، أو على الأقلّ متمدّنة، ليس فقط في جوارها ومع الدّول المحيطة بها، لكن في كافّة أنحاء العالم، وكان أردوغان نفسه موضع احتفاء في أوساط الشّؤون الدّولية؛ حيث سعى قادة دولٍ عظمى إلى مشورته وصحبته.

بعد عشرة أعوام، يمكن وصف مشهد السّياسة الخارجيّة لتركيا بشكلٍ أكثر دقّة، على أنّه "مشكلات فقط"؛ فأنقرة توظّف القوّة الصّلبة والخطاب الخشن، بدلاً من الدّبلوماسيّة، للحفاظ على نفوذها.

إنّها في مواجهةٍ، بدرجاتٍ متفاوتة، مع معظم الدّول إمّا المجاورة لحدودها البرّيّة أو البحريّة من ناحية مياه شرق المتوسّط: اليونان وسوريا وإسرائيل وقبرص والعراق وأرمينيا ومصر، وعلى مسافات أبعد من ذلك؛ نجدها في صراعٍ مع فرنسا والمملكة العربيّة السّعوديّة والإمارات العربيّة المتّحدة.

وفي وقتٍ لا تبدو فيه القوى العالميّة متّفقةً على أيّ شيء، يبدو أنّها قد توصّلت إلى شبه إجماعٍ على أنّ أردوغان مثيرٌ للشغب.

تركيا تُناور من أجل مساحةٍ لها في نظامٍ ناشئ متعدّد الأقطاب؛ حيث ترى نفسها قوةً عالميّةً متوسّطة الحجم، ذات امتدادٍ اقتصاديٍّ وثقافيٍّ يُلائم هذا الوضع

لقد اجتذب رئيس تركيا المشاكس مؤخّراً ضرباتٍ شديدةٍ حتّى من أولئك الّذين اعتادوا أن يكونوا أقلّ حدّة، فقد قالت وزارة الخارجيّة الأمريكيّة إنّها "تستنكر" قرار تركيا استئناف المسح الجيولوجيّ المثير للجدل في شرق المتوسّط​​، ودعت أنقرة إلى "إنهاء هذا الاستفزاز المتعمّد".

تُعدّ هذه الّلغة من أقوى ما وجّهته إدارة ترامب ضدّ أردوغان، الذي يحظى بأذُن وعاطفة نظيره الأمريكيّ.

في غضون ذلك؛ ينظر الرّئيس الرّوسي، فلاديمير بوتين، الّذي وصفه أردوغان بأّنّه "صديق جيّد"، نظرةً قاتمةً إلى دوره كمشجّعٍ على الصّراع القوقازيّ؛ حيث تدعم تركيا بحماسةٍ أذربيجان ضدّ أرمينيا، واتّهم الكرملين تركيا بأنّها تصبّ "الزّيت على النّار" في النّزاع المتواصل منذ فترةٍ طويلةٍ حول منطقة ناغورنو-كاراباخ، ولم يُنه وقف إطلاق النّار الّذي دعت إليه موسكو القتال.

أمّا مصادر النّقد الأخرى فأكثر قابليّةً للتّنبّؤ، فقد أضاف الرّئيس الفرنسيّ، إيمانويل ماكرون، الذي انفجر ضدّ أردوغان بسبب تدخّل تركيا في الحرب الأهليّة الّليبيّة، سلوك تركيا في شرق المتوسّط ​​والقوقاز إلى قائمة شكاواه، ومن جانبها، تجد المستشارة الألمانيّة، أنجيلا ميركل، التي صدّت دعوات أوروبيّة أوسع لمعاقبة تركيا، نفسها في موقفٍ حَرِجٍ مع استئناف تركيا عمليّات التّنقيب في مياه شرق المتوسّط المضطّربة، وكان المتحدّث باسمها قد صرّح قائلاً: "من المؤكّد أنّ ذلك لن يعزّز التطوّر المتواصل للعلاقات بين الاتّحاد الأوروبيّ وتركيا".

اقرأ أيضاً: باباجان ينتقد أردوغان ونظامه الرئاسي... هذا ما قاله

وكأنّ كلّ هذا لم يكن كافياً: لقد جاءت الإدانة أيضاً من مناطق غير متوقّعة، مثل الهند، التي لم تكن مسرورةً بتصريحات أردوغان حول كشمير أمام الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة.

وكان مندوب نيودلهي الدّائم لدى الأمم المتّحدة قد قال: "يجب أن تتعلّم تركيا احترام سيادة الدّول الأخرى والتّأمّل في سياساتها الخاصّة بشكلٍ أعمق".

إنّ "كيفيّة" السّقوط الحرّ لسياسة تركيا الخارجيّة موثّقة جيّداً: معظم صراعات أنقرة من اختيار أردوغان، كان من الممكن أن يتجنّب بسهولةٍ التورّطَ في الحرب الأهليّة الليبيّة، أو أزمة القوقاز، أو فتح نيرانه الخطابيّة على كشمير، لكنّه، في كلّ حالةٍ من هذه الحالات، اختار الغوص في الوحل.

من الصّعب فهم "لماذا" كلّ هذا؛ فأولئك الّذين يبحثون عن تفسيراتٍ عقائديّةٍ لمغامرة أردوغان يمكنهم الاختيار بين العثمانيّة الجديدة والقوميّة-العرقيّة التّركيّة والإسلامويّة، ويشير آخرون إلى الجغرافيا السّياسيّة: تركيا، كما يقولون، تُناور من أجل مساحةٍ لها في نظامٍ ناشئ متعدّد الأقطاب؛ حيث ترى نفسها قوةً عالميّةً متوسّطة الحجم، ذات امتدادٍ اقتصاديٍّ وثقافيٍّ يُلائم هذا الوضع، إضافة إلى القوّة العسكريّة الّلازمة، وفي ضوء ذلك؛ تُعدّ السّياسة الخارجيّة العدوانيّة تأكيداً لحقوقٍ ما.

ثمّة آخرون يُركّز على دوافع تجاريّة ضيّقة، مثل التّدافع على موارد الهيدروكربون والبحث عن أسواق جديدة، وثمّة حجّة السّياسة الداخليّة، والتي تفترض أنّ أردوغان، مع تراجع معدّلات تأييده وسط العتامة الاقتصاديّة المتفاقمة، يلوّح بالعلم التركيّ في الخارج لإلهاء شعبه.

اقرأ أيضاً: أردوغان.. بين التصريحات الجوفاء وغياب الفعل

ثمّة أكثر من شيءٍ من الحقيقة في كلّ تلك التّفسيرات، لكن إذا كنّا نبحث عن نظريةٍ موحِّدةٍ لسياسة أردوغان الخارجية فهي: "رئيس تركيا يفعل ما يحلو له لأنّه يَفلت من العقاب".

كانت التّكلفة في الدّم التّركي منخفضةً بشكلٍ ملحوظ، لأسباب ليس أقلّها أنّ جزءاً كبيراً من القتال يتمّ بواسطة مرتزقة أجانب جلبهم أردوغان إلى ساحات القتال

سواء في السّياسة المحلّية أو التجارة الإقليميّة، لم يدفع أردوغان ثمناً باهظاً لمغامرته، فقد كانت التّكلفة في الدّم التّركي منخفضةً بشكلٍ ملحوظ، لأسباب ليس أقلّها أنّ جزءاً كبيراً من القتال يتمّ بواسطة مرتزقة أجانب جُنّدوا من ساحات القتال في سوريا، وإذا كان ثمّة أيّ وجود تركيّ على خطوط المواجهة الليبيّة أو القوقازيّة، فمن المرجّح أن يكون في الجوّ، ممّا يُظهر القدرات المتنامية للبلاد في حرب الطّائرات بدون طيّار، أكثر من الأرض.

اقرأ أيضاً: "بايدن أوروبا".. وأردوغان

أمّا فيما يتعلق بالمال التركيّ؛ فمن المرجّح أن تكون التّكاليف كبيرة، لكن يمكن لأردوغان أن يُحاجج بشكلٍ معقولٍ، بأنّ المكاسب الاقتصاديّة [المأمولة] ستتحمّل نفقات ذلك؛ فمن خلال التّدخّل في ليبيا، على سبيل المثال، تأمل أنقرة إنقاذ صفقات بناءٍ بقيمة 18 مليار دولار، فضلاً عن فتح فرصٍ جديدةٍ للتّنقيب عن النّفط والغاز، وأُعِدَّت المناورات البحريّة في شرق المتوسط ​​لتأكيد ادّعاء تركيا في احتياطات الغاز الضخمة، فضلاً عن إظهار بعض من القوّة البحريّة، وسوف تعزّز العلاقات الاقتصاديّة مع أذربيجان من خلال بيع المعدّات العسكرية التركيّة.

من النّاحية التّجاريّة البحتة؛ يفوق الرّبح المحتمل من هذه الغزوات، إلى حدٍّ كبير، أيّة خسارة في الفرص، على سبيل المثال، مع اليونان أو أرمينيا أو مصر، التي لا تُعدّ أيّ دولةٍ منها شريكاً تجاريّاً رئيساً، صحيحٌ أنّ الشّركات التّركية تشكو من طردها من السّوق السّعوديّة بسبب العداء بين أنقرة والرّياض، لكنّ الأعداد المعنيّة صغيرة نسبيّاً (اللّافت للنّظر أنّ التّجارة الثنائيّة بين تركيا وإسرائيل قد ازدادت، رغم حدّة الأجواء بين أردوغان ورئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو).

اقرأ أيضاً: مَن خوّل أردوغان للتحدث نيابة عن المسلمين؟

في المقابل؛ يتمتّع خصوم تركيا بين القوى الكبرى بنفوذٍ اقتصادي هائل، لكنّهم يتردّدون في استخدامه؛ ففي الاتّحاد الأوروبي، أكبر شريكٍ تجاري لتركيا على نحو لا يُقارن بأيّ شريكٍ آخر، يتحدّث الدّبلوماسيّون بشكلٍ خفيفٍ عن "نهج العصا والجزرة" تجاه أنقرة، لكنّهم بدؤوا في إدراك عدم فعاليّته، والمشكلة أنّهم غير مستعدّين لاستخدام العصا.

اقرأ أيضاً: لماذا أعلن صهر أردوغان استقالته عبر إنستغرام؟.. نائب يوضح

ورغم دعوات ماكرون المتكرّرة لفرض عقوبات اقتصاديّة، لم يستجمع الاتّحاد الأوروبيّ الإرادة الجماعيّة لمتابعة التّهديدات بمعاقبة تركيا، ويمكن تفسير هذا التردّد جزئيّاً فقط من خلال تهديد أردوغان المضادّ بإطلاق العنان لموجات اللاجئين نحو الغرب، وأيضاً، قواعد الاتّحاد الأوروبيّ لفرض العقوبات غير عمليّة بشكل يجعل من الصعّب توظيفها كسلاحٍ بيد المجموعة.

اقرأ أيضاً: أردوغان يُغري المستثمرين بالأوهام

لا تُعدّ هذه مشكلة بالنّسبة إلى إدارة ترامب، التي توزع العقوبات كما الحلوى، لكنّ الرّئيس الأمريكيّ كان متحفّظاً بشأن تطبيقها على تركيا، وعندما طبّقها، كان لها وقع التّأنيب، ثمّ سارع في رفعها.

لقد تمثّل الإجراء التأديبيّ الأكثر ديمومة الذي اتّخذته الولايات المتّحدة ضدّ تركيا في تعليقها شراء طائرات "إف-35"، والمشاركة في تصنيعها، ومن جانبه؛ استمرّ أردوغان في شراء أنظمة الدّفاع الصّاروخيّ الرّوسيّة "إس-400" وتركيبها، وتجاهل ترامب الصّياح الاعتراضي للحزبَين (الديمقراطي والجمهوري) في الكونغرس، لاتّخاذ إجراءاتٍ أكثر صرامة.

اقرأ أيضاً: لماذا شبّه أردوغان خطاب ماكرون بالمحرقة اليهودية؟

ومن دون دعمٍ كاملٍ من الولايات المتّحدة، لن يَفرض حلف شمال الأطلسيّ أيّة عقوبة على عضوه المتمرّد، ويمكن لأردوغان ألّا يأبه بقلق الحلف دون خوفٍ من طرد تركيا.

يجعل هذا من روسيا القوّة الأخرى الوحيدة الّتي قد تكون قادرةً على صدّ العدوان التّركيّ، وتُعدّ الحرب الأذريّة-الأرمنيّة المسرحَ الثّاني بعد ليبيا، الّذي يقف فيه أردوغان في طريق أهداف بوتين (تمتلك الدّولتان بعض المصالح المشتركة، إن لم يكن دائماً ثمّة هدف مشترك بينهما، في الهدف الثّالث: سوريا).

اقرأ أيضاً: تداعيات استقالة صهر أردوغان.. والمعارضة التركية: اصطحب حماك معك

لقد تحمّل الزعيم الروسيّ غطرسة أردوغان من أجل متابعة أهداف موسكو الأكبر، المتمثّلة في تقويض حلف شمال الأطلسي، وإبعاد تركيا عن الغرب. وبدوره، حرص الرئيس التركيّ على عدم توجيه لسانه الحادّ نحو روسيا، وتلك مجاملةٌ لم يمنحها لأيّ زعيمٍ غربيّ تخطّاه، وفي المرّة الأخيرة الّتي كان فيها الرّجلان في مواجهة، في خريف عام 2015، عندما أسقطت تركيا طائرةً روسيّةً بالقرب من الحدود مع سوريا، أطلق بوتين على الواقعة، مستخدماً خطاباً أردوغانيّاً، "طعنة غادرة في الظّهر"، وأعلن عن تدابير اقتصاديّة مضادّة، وقد تراجع أردوغان باعتذار مكتوب.

اقرأ أيضاً: من سوريا إلى ناغورنو كاراباخ: هكذا استعمل أردوغان المرتزقة

في الصّراع القوقازيّ؛ تجنّب أردوغان مجدّداً أيّة انتقاداتٍ لاذعةٍ ضدّ بوتين، لكنّه عَدّ روسيا في هجماته ضدّ المجتمع الدّوليّ لفشله في تسليم منطقة ناغورنو-كاراباخ، ذات الأغلبيّة الأرمنيّة إلى أذربيجان. وللمرّة الأولى، تتدخّل تركيا فيما تعدّه موسكو مجال نفوذها؛ فالقوقاز أقرب إلى روسيا، ليس فقط من النّاحية الجغرافيّة، لكن أيضاً من النّاحية التّاريخيّة والثّقافيّة والإستراتيجيّة والاقتصاديّة، من سوريا أو ليبيا.

اقرأ أيضاً: حكومة أردوغان مصابة بجنون الشك منذ أربع سنوات على الانقلاب

وهذا يفسّر ردّ موسكو الخاصّ بصبّ "الزّيت على النّار" ضدّ أردوغان، لكنّه ليس في مستوى ردّ روسيا نفسه، "طعنة غادرة في الظّهر"، والأكثر من ذلك؛ فلم يصدر الرّدّ على لسان بوتين، ولم يكن مصحوباً بالتّهديد بفرض عقوبات، ولا تميل موسكو ، على الأقلّ حتّى الآن، إلى تحذير أنقرة.

بالنّسبة إلى أردوغان؛ فإنّ غياب العلم الأحمر يعني العلم الأخضر، سيرى تحفّظ موسكو على أنّه تصريح لمتابعة أجندته.

وفي القوقاز، كما في أيّ مكانٍ آخر، أخذ هذا المسعى شكلاً انتهازيّاً، وكانت الأجندة غير مهيئةٍ لتناسب الظّروف، وإذا نظرنا إلى الأمر من أعلى نقطةٍ ممكنة؛ فإنّ مغامرات أردوغان لا تُناسب أيّة عقيدةٍ مفهومة، لا سيما عقدة متماسكة مثل "صفر مشكلات"، فبدلاً من اتّباع خطّة لعب منهجيّة، كان أردوغان يخلط الأشياء ببعضها على طول الطّريق.

ونتيجةً لذلك؛ فإنّ عقيدة أردوغان عبارة عن أشياء مختلفة من وجهات نظرٍ مختلفة، سياسة خارجيّة تختلف الشّهادات بشأنها.

اقرأ أيضاً: وزير المالية التركي وصهر أردوغان يقدم استقالته.. ما الأسباب؟

إنّها سياسة خارجيّة عثمانيّة جديدة لدرجة أنّ العديد من الأماكن الّتي لفتت انتباهه كانت جزءاً من الإمبراطوريّة القديمة، وكثيراً ما يعتنق أردوغان رمزيّة العصر العثمانيّ، ويغمر خُطبه باستدعاء الأمجاد القديمة، لكنّ مغامرته لا تتبع خارطة العالم الّتي حُكمت ذات يوم من إسطنبول، فلم تكن ثمّة أيّة غزوات لأوروبا الشّرقيّة أو البلقان أو جورجيا، وكلّها كانت جزءاً لا يتجزّأ من الإمبراطوريّة أكثر، مثلاً، من ليبيا، كما يبدو أنّ أردوغان سعيدٌ تماماً بالتّعايش مع الفرس، أعداء العثمانيّين الّلدودين.

اقرأ أيضاً: نورديك مونيتور: أردوغان يُرقي عقيداً على صلة بالقاعدة

بالمثل، غالباً ما يُبَالَغ في تقدير الدّوافع الدّينيّة لمغامرات أردوغان؛ إنّه إسلامويّ علنيّ، ويمكنه أن يربط خطابه باقتباسات من النّصوص الدّينيّة وعبارات التّضامن مع المسلمين في البلاد غير الإسلاميّة، كما أنّه يقدّم الكثير من دعمه للإخوان المسلمين وحركة حماس، وبالنّسبة إلى بعض منتقديه، يُضاف كلّ هذا إلى مسعىً لقيادة العالم الإسلاميّ.

لكن عند النّظر عن قرب؛ نرى أنّ الإيمان أداة، وليس دافعاً لسياسات أردوغان الخارجيّة، وهنا أيضاً تُعدّ الانتهازيّة تفسيراً أفضل من العقيدة.

إنّ الّلقاء بزعيمٍ رفيعٍ من حماس يمثّل وسيلةً سهلةً لإثارة غيظ الإسرائيليّين، وإثارة قضيّة كشمير في الأمم المتّحدة تأتي كطريقةٍ مناسبةٍ لإرضاء باكستان، ومفيدةٍ بشكلٍ خاصٍّ عندما يكون رئيس الوزراء، عمران خان، على خلافٍ مع الحليف التّقليديّ لبلاده، المملكة العربيّة السّعوديّة.

اقرأ أيضاً: أردوغان وحروبه الاقتصادية الوهمية

القوميّة-العرقيّة؟ إذا ضغطنا بشدّة، يمكننا إثبات الحجّة القائمة على أهميّة العلاقات القديمة بين الأتراك والأذريّين، لكنّ القوّة الملزمة لأنابيب النّفط والغاز الّتي تربط أذربيجان بتركيا تُعدّ حجّةً أقوى بكثير.

إنّ للهيدروكربونات، على الأقلّ، سماكة النَّسَب، وهي تربط المزيد من النّقاط الّتي تشكّل الخطوط العريضة للسّياسة الخارجيّة التركيّة، أكثر من معظم النظريّات الأخرى، وبشكلٍ عام؛ يقدّم الاقتصاد تفسيراً أكثر اتّساقاً للتّواصل الدولي لأردوغان، منذ بداية قيادته للدّولة التركية، عام 2003؛ ففي ذروة أعوام "صفر مشكلات"، نادراً ما سافر إلى الخارج دون حاشية من قادة الأعمال، وكان نجاح زياراته يُقاس بالعقود الموقّعة.

لكنّ الاقتصاد لا يفسّر كلّ شيء؛ ففي النّهاية، أيّ زعيم مدفوع باعتبارات تجاريّة سيكون أكثر ميلاً إلى التّعامل مع الهند بدلاً من باكستان، على سبيل المثال، ومن المرجّح أن يتعاون مع المملكة العربيّة السّعوديّة والإمارات العربيّة المتّحدة بدلاً من أن يكون على خلافٍ مع قادتهما، وقد يكون أكثر حذراً بشأن استعداء أكبر شريك تجاريّ لبلاده.

يتركنا ذلك أمام حجّة السّياسة الدّاخلية، القائلة إنّ أردوغان "يستخدم التّأكيد على "المكانة المستحقّة لتركيا في النّظام العالميّ لتعزيز قاعدة دعمه ضدّ الرّياح المعاكسة للصّعوبات الاقتصاديّة"، وقد قدّمت السّياسة الخارجيّة النّقطة المضيئة الوحيدة في عهد الرّئيس، وارتّفعت معدلات تأييده بالفعل في الأسابيع الأخيرة، رغم تراجع الّليرة التّركيّة.

لكن إذا كان هذا هو، بالفعل، الدّافع الأساسيّ لغزوات أردوغان العدوانيّة في الخارج، فيجب علينا كافّةً أن نستعدّ للمزيد، مع تدهور الاقتصاد المتضرّر من فيروس كورونا، وطالما أنّ لدى رئيس تركيا فرصة لإثارة المشكلات والإفلات من العقاب، فلن يتوقّف.

مصدر الترجمة عن الإنجليزية:

بوبي غوش، "بلومبرغ"

الصفحة الرئيسية