معلّق إنجليزي: تركيا دولة مارقة محتملة وأردوغان متنمّر

معلّق إنجليزي: تركيا دولة مارقة محتملة وأردوغان متنمّر

مشاهدة

26/08/2020

ترجمة: محمد الدخاخني

تراكم ازدراءٌ كثيرٌ في الأيام الأخيرة "للدكتاتورية الانتخابية" لألكسندر لوكاشينكو، ومحاولته الاحتيالية العنيفة لتأمين فترة ولاية سادسة رئيساً لبيلاروسيا، وقاد جوزيب بوريل، مسؤول الشؤون الخارجية بالاتحاد الأوروبي، مجموعة من الإدانات ورفض الانتخابات، الأحد الماضي، واصفاً إياها بـ "غير الحرّة وغير العادلة".

تحوّل تركيا إلى دولة مارقة احتمال حقيقي وآني وخطير للغاية، ويبدو أنّه ما من أحد لديه خطة احتواء لأردوغان، وخطة من هذا القبيل مطلوبة بشكل متزايد

ومع ذلك؛ يبدو أنّ غضب أوروبا المحقّ، إلى جانب تهديداتها بفرض عقوبات، مصطنع قليلاً، فلم يتوقع أحد أن يلعب لوكاشينكو بشكل عادل، والإصلاح الديمقراطي في بيلاروسيا، وهي دولة عالقة بقوة في فلك روسيا، ليس من أولويات الاتحاد الأوروبي، ولا توجد شهية واضحة لهذا النوع من التدخل القوي الذي قد يحدث فرقاً في الواقع.

إنّ انتقاد أوروبا العلني القاسي للوكاشينكو يتناقض بشكل حادّ مع إحجامها عن التنديد علانية بالمكائد العدوانية الأخيرة في شرق البحر الأبيض المتوسط لدكتاتورية أخرى منتخبة، عنيت تلك الخاصة بزعيم تركيا الراسخ منذ فترة طويلة، رجب طيب أردوغان.

عضو في الناتو وشريك تجاري

تركيا عضو في الناتو، وشريك تجاري رئيس للاتحاد الأوروبي، وحارسة للحدود، وفاعل مؤثر في سوريا والشرق الأدنى، وعلى عكس بيلاروسيا، لها أهمية إستراتيجية حقيقية، وهذا ربما يفسر، وإن كان لا يقدم أية أعذار، الصمت المحرج للعديد من الحكومات، بما في ذلك حكومة المملكة المتحدة.

رغم ذلك؛ هناك تشابه واضح مع سياسة الاتحاد الأوروبي تجاه بيلاروسيا؛ فلا توجد مؤشرات تذكر على اتخاذ إجراءات متضافرة لكبح تجاوزات أردوغان.

 لا يحتاج أيّ شخص يشكّ في تعريف "الديكتاتور" إلى النظر إلى أبعد من قانون وسائل التواصل الاجتماعي القمعي الجديد، الذي فرضه أردوغان، والذي يكرّر سلبه لوسائل الإعلام التقليدية المستقلة، وكما يقول توم بورتيوس، من "هيومن رايتس ووتش"؛ فإنّ "القانون سيزيد بشكل كبير من الرقابة على الإنترنت، ويجري بناء نظام أتوقراطي من خلال إسكات كافة الأصوات الناقدة".

غضب الرئيس الفرنسي

وفي مقاربته لتركيا، كما هو الحال في مجالات أخرى، يرى إيمانويل ماكرون استثناء من القاعدة الأوروبية؛ فقد غضب الرئيس الفرنسي، في حزيران (يونيو)، عندما اتّخذت سفن حربية تركية، كانت ترافق سفينة يشتبه بتهريبها أسلحة إلى ليبيا، وضعية القتال حين اعترضتها فرقاطة فرنسية وحيدة، ما أجبر الأخيرة على الانسحاب، ولم يكن هذا سلوك حليف مفتر. وزاد غضب ماكرون من توسّع تركيا في عمليات التنقيب عن النفط والغاز في المياه الإقليمية اليونانية، وأرسل تعزيزات بحرية إلى شرق البحر المتوسط، الأسبوع الماضي، وطلب من أردوغان التراجع.

اقرأ أيضاً: اللغز الغامض: لماذا تدخل بوتين لإنقاذ أردوغان في الانقلاب "المزعوم"؟

وقد حشدت كلّ من اليونان وتركيا قواتهما، البحرية والجوية، وتزعم تركيا أنّ القانون الدولي الحالي، الذي يحكم ثروات الطاقة في الجرف القاري، غير عادل.

ماذا تقول اليونان؟

ومن جانبها، تقول اليونان؛ إنّ أراضيها تتعرض للغزو، وكلاهما يدّعي تفضيل الحوار على المواجهة العسكرية، لكن يوم الخميس، فيما تعهّدت أنقرة بالدفاع عن "حقوقها ومصالحها"، وحذّرت أثينا من الخطر المتزايد لوقوع "حادث" عسكري، اصطدمت سفينتان، إحداهما يونانية والأخرى تركية.

اقرأ أيضاً: الوجه الآخر لأردوغان: سياسة التعطيش التركية تهدد مليون سوري

أثارت الأزمة المتصاعدة، التي تمسّ أيضاً قبرص وإسرائيل ومصر، موجة متأخرة من النشاط الدبلوماسي، الأسبوع الماضي، فاجتمع مجلس الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي في جلسة استثنائية، واتصلت المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، بأردوغان هاتفياً، كما فعلت في الأزمات السابقة، في محاولة لإقناعه بالعدول موقفه، وناشدت أثينا الولايات المتحدة.

إنّ التوترات بين اليونان وتركيا ليست جديدة، لكنّ هذا التكثيف الاستفزازي المفاجئ لنزاع طويل الأمد ينمّ عن حسابات متعمدة، وقد دفع هذا المعلّق المحترم، يافوز بايدر، إلى التساؤل عمّا يحاول الرئيس التركي تحقيقه.

وكانت إجابته: يريد أردوغان، الذي لا يشعر بالأمان ويعاني أزمات اقتصادية ووبائية وأزمات في العملة، تعزيز سمعته المهيمنة، باعتباره زعيماً قوياً وقائداً أعلى، يحافظ على شرف تركيا والمكانة التي تستحقها في العالم، وكما كتب بايدر؛ فإنّه "يحتاج إلى إعادة إنتاج صورته العنترية كلّ يوم".

يجب أن يدرك القادة الأوروبيون، الذين يدفنون رؤوسهم في الرمال؛ أنّ مشكلة أردوغان لا يمكن تجاهلها أو تفاديها أو التقليل من شأنها إلى أجل غير مسمى

ثانياً؛ يأمل أردوغان في تأمين موقف تركيا في بحر إيجة وشرق البحر المتوسط وسوريا وليبيا، ضدّ تغيير في الإدارة في واشنطن، ومن جانبه؛ يحسد الرجل القوي الطامح، دونالد ترامب، أردوغان على ديكتاتوريته الانتخابية، وقد أطلق له العنان، وجو بايدن يمكنه فرملة ذلك.

تفاقم مشكلة أردوغان في أوروبا

مهما يكن الأمر، فقد تفاقمت مشكلة أردوغان في أوروبا بشكل مطّرد، منذ أن نجا من المؤامرة الانقلابية التي وقعت عام 2016، فالقمع العشوائي في الداخل، الذي ينطوي على سجن عشرات الآلاف من المعارضين الحقيقيين والمتخيلين، تقابله مغامرات مزعزعة للاستقرار تبتغي إحياء العثمانيين خارج البلاد.

اقرأ أيضاً: بعد إعلان وقف إطلاق النار.. ما مصير مرتزقة أردوغان في ليبيا؟

وبدافع من قومية يغذيها الإيمان؛ ضاعف أردوغان دوره كمتنمّر في الجوار؛ يوم الثلاثاء، على سبيل المثال، قوبل هجوم بطائرة تركية من دون طيار داخل العراق، بردّ غاضب من بغداد، وجاء الحادث في أعقاب إطلاق تركيا، في حزيران (يونيو)، هجوماً عسكرياً آخر غير مرغوب فيه عبر الحدود ضدّ الانفصاليين الأكراد المتمركزين في العراق.

وبتوجيه من أردوغان؛ انغمست تركيا بتهور في الحرب بالوكالة في ليبيا، حيث انحازت إلى الإسلامويين ضدّ مصر والإمارات والسعودية، ويتعلّق الأمر جزئياً بالتنافس مع القادة السنّة المنافسين، كما يتعلق جزئياً بالنفط، وبالتأكيد لا يتعلّق برفاهية الشعب الليبي.

بفتحه حدود تركيا مع الاتحاد الأوروبي أمام النازحين السوريين في شباط (فبراير)؛ ذكّر أردوغان أوروبا بقوة بأنّه مستعد تماماً لاستخدام اللاجئين كسلاح سياسي.

 وتواصل تركيا نشر آلاف القوات في عمق شمال سوريا؛ ظاهرياً، هؤلاء جنود حفظ سلام، لكن واقعياً؛ هم محتلّون وسجّانون.

دعم حماس

ويحتفظ أردوغان بحالة خلاف مستمرة مع إسرائيل، جزئياً، من خلال دعم حماس، وقد ندّد بالتطور الدبلوماسي المفاجئ الذي حدث الأسبوع الماضي مع الإمارات، ووصفه بأنّه خيانة للفلسطينيين، وزيادة في صقل أوراق اعتماده كإسلاموي جديد، أساء دون مبرّر للمسيحيين والعلمانيين، على حدّ سواء، بتحويل آيا صوفيا، الكاتدرائية والمتحف السابق في إسطنبول، إلى مسجد.

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون: تهليل لأردوغان ومحاولات للانخراط الحكومي وتخبط واستقالات جماعية

لكنّها ليس نهاية المطاف؛ فميل أردوغان إلى روسيا، والذي يرمز إليه شراء تركيا لصواريخ أرض "جو إس-400"، ترك أعضاء الناتو يتساءلون عمّا إذا كان يمكن الوثوق به، وحقيقة أنّ ترامب، وهو الحريص على إرضاء فلاديمير بوتين دائماً، قد فشل في الإصرار على إلغاء تركيا للصفقة، لن يمنعها من أن تصبح نقطة خلاف رئيسة في حال فوز بايدن.

يجب أن يدرك القادة الأوروبيون، الذين يدفنون رؤوسهم في الرمال؛ أنّ مشكلة أردوغان لا يمكن تجاهلها أو تفاديها أو التقليل من شأنها إلى أجل غير مسمى، على أمل أن يرحل في النهاية.

 إنّ تحوّل تركيا إلى دولة مارقة هو احتمال حقيقي وآني وخطير للغاية، ويبدو أنّه ما من أحد لديه خطة احتواء لأردوغان، وخطة من هذا القبيل مطلوبة بشكل متزايد.

مصدر الترجمة عن الإنجليزية:

سيمون تيزدال، "الغارديان"، 16 آب (آغسطس) 2020

الصفحة الرئيسية