معاهدة سيداو: هل هي مؤامرة تغريبية؟

معاهدة سيداو: هل هي مؤامرة تغريبية؟


02/08/2022

اتفاقية سيداو "Cdeaw" هي المعاهدة الدولية الأشهر في مجال رصد كافة أشكال التمييز ضدّ النساء، تمّ اعتمادها من الجمعية العامة للأمم المتحدة، في كانون الأول (ديسمبر) 1979، وهي أقرب في قوامها إلى اتفاقية القضاء على التمييز العنصري، التي تمّ إقراراها دولياً العام 1969.

المعاهدة وقّعتها بعض البلاد العربية، لكن بتحفظات واضحة، تحت ذريعة المساس بالشريعة، رغم أنّ مفهوم الشريعة نفسه يختلف من بلد لآخر، بل يختلف بين مؤسسات وتنظيمات الدولة الواحدة.

المعاهدة وقّعتها بعض البلاد العربية لكن بتحفظات واضحة تحت ذريعة المساس بالشريعة

مصر، التي تبنّت حكوماتها المتعاقبة شعارات حقوق المرأة، صدّقت على المعاهدة العام 1980 بجملة من التحفظات التي تعارض الشريعة، بحسب ما جاء في ردّ مصر الرسمي على المعاهدة (عهد الرئيس أنور السادات).  
تتكوّن اتفاقية سيداو من ثلاثين بنداً، تحفّظت مصر وغيرها من البلاد العربية على البنود التي تقرّ فيها المعاهدة المساواة بين الزوج والزوجة، على اعتبار أنّ ذلك يخلّ بمنظومة القوامة والولاية على الزوجة؛ حيث تقرّ مصر رسمياً ولاية الرجل على المرأة في عقد الزواج، وهو ما نتجت عنه سلسلة من القوانين التمييزية ضدّ المرأة، شهدتها محاكم الأسرة، خاصّة في مجال قضايا الطاعة والنشوز.

ذريعة التحفّظ
ذريعة التحفظ عادة تستند إلى انتقاص المعاهدات الحقوقية لحقوق المرأة المسلمة، وهذه الذريعة تضع منظومة الحقوق في أزمة؛ فحقوق المرأة في الوطن يفترض ألا ترتبط بكونها مسلمة أو مسيحية، بل بوصفها مواطِنة، والتشريع لها بحسب الديانة في البطاقة الشخصية، لا بد أن يتعارض مع حقوقها المدنية، فضلاً عن العبارات المطاطة بشأن الانتقاص من حقوق المرأة المسلمة.
في هذا السياق، تحفّظت مصر على عدة مواد أساسية في المعاهدة، من بينها المواد 2، و9، و16:

تنصّ المادة الثانية على المساواة بين المرأة والرجل في الدساتير الوطنية للبلاد، وإقرار الحماية القانونية لحقوق المرأة، وإلغاء القوانين التي تُعدّ تمييزاً ضدّها، والمثير للانتباه؛ أنّ الحكومة المصرية لم تنكر أنّ هناك تمييزاً ضدّ المرأة في قانون الأحوال الشخصية، وإنّما أكّدت التمييز، ضمنياً، حين تحفظت على المساواة "إن كانت تتعارض مع الشريعة الإسلامية"، مما يقودنا إلى الطبيعة الأبوية المتحكمة في مصير النساء، تحت ذريعة الشريعة، حتى إن كانت الأهداف اقتصادية بحتة.

تتكوّن اتفاقية سيداو من 30 بنداً تحفّظت معظم البلاد العربية على البنود التي تقرّ المساواة بين الزوجين

أما المادة التاسعة (الفقرة 2) من المعاهدة؛ فتنصّ على حقّ المرأة في منح جنسيتها لأطفالها أسوة بالذكور في المجتمع، وتحفّظت الحكومة المصرية على هذه المادة، تفادياً لاكتساب الطفل جنسيَّتين اتقاءً للإضرار بمستقبله، كما وصفت، وأكّدت مصر في تحفظها أنّه من المعروف أنّ اكتساب الطفل لجنسية أبيه هو أنسب الأوضاع له، ولا يخلّ بمبدأ المساواة بين الرجل والمرأة؛ إذ إنّ المرأة في حالة زواجها من أجنبي توافق ضمنياً على انتساب أطفالهما لجنسية الأب.
هذا التحفظ تحديداً افتقد لقواعد منطقية، فما الأضرار التي تعود على طفلٍ يكتسب جنسيتين؟ فكثير من الآباء المصريّين المتزوجين من أجنبيات يسعون للحصول على جنسية الأمّ لأولادهم، وهكذا يحمل الطفل جنسيتين، فلماذا لم تتحفظ مصر على ذلك؟

وما المقصود بأنّ "جنسية الأب هي أنسب الأوضاع"، وأنّ هذا لا يُعدّ خللاً بالمساواة؟ إنّ التحفظ نفسه يُعدّ خللاً بالمنطق، قبل أن يكون خللاً بالمساواة، كما أنّ التحفظ أسقط حقّ المرأة بمنح جنسيتها لأبنائها، لمجرد أنها تزوجت رجلاً غير مصري، واعتبرت أنّ المرأة هكذا تخلت طواعية عن حقها وحقّ أطفالها.
هذا وقد عدلت الحكومة المصرية عن هذا التحفظ؛ حين أصدرت القانون رقم 154 للعام 2004، الذي أعطى المرأة الحقّ في منح جنسيتها لأطفالها، وبالتأكيد المقصود هنا هو منح جنسيتها المصرية لأولادها من أب غير مصري، بشرط أن يكون "مسلماً"، إن كانت هي مصرية مسلمة.

فالمرأة المصرية المسلمة التي تتزوج أجنبياً غير مسلم (خارج مصر) لا يحقّ لها إثبات نسب أولادها منه؛ لأنّ القانون لا يعترف بالزواج الذي يجمع مسلمة وغير مسلم، وهو الوضع القائم في البلاد العربية والإسلامية (عدا تونس اليوم) يبرهن على خضوع قانون الأحوال الشخصية لتأويلات فقهية دينية، لا مدنية.
أما المادة السادسة عشرة؛ فنصّت على القضاء على كافة أشكال التمييز ضدّ المرأة في الأمور المتعلقة بالزواج والعلاقات الأسرية، ويشمل ذلك نفس الحقّ في عقد الزواج، والحقوق والمسؤوليات نفسها في فسخه.

هنا تحفظت الحكومة المصرية، وأقرّت بأنّ العقائد الدينية لا يجوز الارتياب فيها، وأنّ هذا يحقّق المساواة، وحذّرت مصر من الحقوق الشكلية للمرأة، وشدّدت على أنّ أحكام الشريعة الإسلامية تفرض على الزوج أداء المهر المناسب للزوجة، والإنفاق عليها من ماله إنفاقاً كاملاً، ثمّ أداء نفقة لها عند الطلاق، في حين تحتفظ الزوجة بحقوقها الكاملة من أموالها ولا تلتزم بالإنفاق منها لإعالة نفسها؛ ولذلك قيّدت الشريعة حقّ الزوجة في الطلاق بأن أوجبت أن يكون ذلك بحكم القضاء في حين لم تضع مثل هذا القيد على الزوج.
ولا بدّ من أن نضع هذا التحفّظ تحديداً تحت النظر:
أولاً: أعلنت الحكومة المصرية أنّه لا يجوز الارتياب في العقائد الدينية؛ أي أنها نفسها تغلق باب الاجتهاد القانوني، وهذا يدعونا للتساؤل: هل مهمّة الدولة إقرار الحقوق بناءً على المواطنة أو بناءً على دين المواطن؟
ثانياً: وقعت الحكومة المصرية، العام 1980، في إشكالية إقرار حقوق المرأة على أساس المقايضة؛ أي إنّ الزوج ينفق في مقابل أن تكون له ولاية على المرأة، وهذا أكبر افتراض شكلي؛ لأنّ كثيراً من نساء مصر أو العالم العربي، يساهمن في الإنفاق بسبب تحديات الحالة الاقتصادية، وغيرهنّ يتكفلن بالإنفاق التام، فعلى أيّ أساس هنا يكون للزوج حق الولاية والقوامة بلغة الشريعة نفسها؟

رابعاً: أما فيما يخصّ النفقة عند الطلاق، فهذه أيضاً من أكبر الحقوق الشكلية، فكم من العناء يستلزم المرأة حتى تحصل على النفقة؟ ما حجم هذه النفقة التي تقرها المحكمة؟ كما أنّ هذه النفقة محكومة بفترة زمنية بعينها؛ حيث إنّ نفقة العدة تُقدر بثلاثة أشهر من النفقة الشهرية، ونفقة المتعة (هو تعبير يحمل إهانة بمقاييس هذا الزمان)، تُقدَّر بـ24 شهراً من النفقة الشهرية، فهل يُعقل أن تظلّ المرأة حبيسة نظام الولاية لأعوام لتحصد نفقة عدة شهور؟ 

نظرية المؤامرة الكونية
كلّما نوقش حقّ من حقوق المرأة؛ وجدت المجتمعات العربية نفسها إزاء شعارات الهجوم على الدين من خلال حقوق المرأة، أو ضرب الدين في مقتل من خلال تغريب المرأة المسلمة، وهذه النظرية ليست بجديدة؛ بل قام الشيخ رشيد رضا بالترويج لها، من خلال مجلة "المنار" (1898-1937).

المواقف المتشابهة بين الحكومة المصرية والتيارات الدينية في تحفظاتها على "سيداو"، لا تُعدّ متطابقة كذلك بشكل ُمطلق، فهناك اختلافات جمة وجوهرية، ومن هذه الاختلافات؛ رفض الحكومة المصرية لتزويج القاصرات، وإقرارها لقانون مناهضة ختان الإناث، أما التنظيمات السلفية أو الإخوانية المتسلفة؛ فلا تجد أيّة غضاضة في ذلك؛ بل تروّج للزواج المبكر والختان، استناداً لمفهوم السلفية عن السنّة النبوية، لكن نجد أنّ المواقف المتشابهة تقع في إطار قوانين الأحوال الشخصية المستندة للشريعة، مع اختلاف تفسيرها.

الحقوق النسوية التي قيل عنها إنّها "تغريبية"، تتآمر على المرأة وتنتهك قدسية الأديان، قبل 100 عام ويزيد، أصبحت اليوم حقوقاً لا نقاش فيها، فتعليم الفتيات كان مؤامرة غربية، ثمّ صار شيئاً عاديّاً تدافع عنه المؤسسات الدينية، التي كانت تنتقده فيما سبق، وعمل المرأة كان خطة غربية شيطانية حتى تخرج من المنزل، ويستشرفها الشيطان، والآن أصبح عمل المرأة في مصر وكثير من البلاد الإسلامية أمراً اعتياديّاً، حتى إن كانت عليه بعض القيود في الأسر المتحفظة.

حقوق المرأة التي قيل عنها إنها تغريبية تنال من الدين أصبحت اليوم حقوقاً أصيلة للمرأة

وكان ترشّح المرأة للمجالس النيابية قيمة تغريبية شعواء في المجتمع المصري (شبه الليبرالي)، قبل عام 1952، فعارضه البلاط الملكي والأحزاب والأزهر، لكن، اليوم، أصبح حقاً أساسياً من حقوق المرأة.
أي إنّ حقوق المرأة التي قيل عنها إنها تغريبية ومستوردة جاءت لتنال من الإسلام فيما سبق، أصبحت اليوم حقوقاً أصيلة للمرأة؛ بل يسعى رجال الدين والدولة إلى التأكيد على أنّ جذورها إسلامية وليست غربية.
والحقوق ليست غربية، أو إسلامية، أو مسيحية، أو هندوسية، الحقوق مجردة، وهكذا تستمر حركة التاريخ حتى وإن تعرضت المرأة وخطابها الحقوقي لعثرات في الطريق. 
لا يجب أن نغضّ الطرف كذلك عن حركة الحقوق النسوية في الشرق الأقصى، على اعتبار أنّها مجتمعات متحفظة شرقية، فلو طالعنا الحركة النسوية  في  اليابان، مثلاً، سنجد نضالاً حقوقياً كبيراً، وكان من أبرز ما حققته المرأة في اليابان هو الحصول على حقّ الطلاق، أسوة بالرجل، من خلال دستور ما بعد الحرب العالمية الثانية (دستور اليابان 1947)، فكان بإمكان الرجل قبل ذلك تطليق الزوجة بمجرد كتابة ورقة تفيد بذلك، أما بعد المساواة القانونية؛ يحتكم الطرفان إلى القضاء لإنهاء إجراءات الطلاق على قدم المساواة، ودون إقرار قانون للخلع.

وهذا يعني؛ أنّ المرأة في كثير من بلدان العالم حصلت على مكتسبات سياسية واجتماعية بعد عناء، وعلى هذا الأسس؛ فإنّ المعاهدات الدولية ليست تغريبية، لكن هناك بلدان سبقت في إقرار الحقوق الأساسية للنساء، على اعتبار أنّ حقوق المرأة من حقوق الإنسان، وليست حقوقاً فئوية.

مواضيع ذات صلة:

الهند تُجرِّم رسمياً تطليق المرأة المسلمة نهائياً بيمين "طلاق ثلاثي"
إشادة أممية بتجربة الإمارات في بناء قدرات المرأة في هذا المجال
المرأة الإيرانية.. حقوق مهدورة بين سلطوية الشاهات وقمع الملالي



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا
الصفحة الرئيسية