مظفر النواب.. ورحل من أطلق نيران قصيدته من أجل عروس عروبتكم

مظفر النواب.. ورحل من أطلق نيران قصيدته من أجل عروس عروبتكم


25/05/2022

حين تساءل الشاعر العراقي مظفر النواب، الذي غادرنا منذ أيام: هل أرض هذي الكرة الأرضيّة أم وكر ذئاب؟ لم يجبه الصدى العائد خجلاً، من سفر طويل في أيام العرب الحزينة، لكن ربما دوت صرخته في أنحاء الوطن المثخن بجراح النكبات والنكسات، وأنين الأرض المحتلّة. مات الشاعر وظلّ صدى صرخته مسافراً في فضاءات العرب وأيامهم، ليستفز فيهم ما تبقى من إرادة، علّها يوماً تغيث عروس عروبتهم.

ثائر على رأس الأيام

في الأول من كانون الثاني (يناير) العام 1934، وُلد مظفر النواب، وعلّها الأقدار تلك التي جعلت ميلاده على رأس عام جديد، هي ذاتها التي وضعته دوماً في مقدمة الصفوف. في جامعة بغداد التحق بالحزب الشيوعي العراقي، كملاذ أيديولوجي يسمو فوق الطائفية، ويعزز نزعته الثورية، التي تسببت في طرده من الجامعة، وبعد ثورة العام 1958، وجد النواب نفسه بين رحى الصراع بين القوميين والشيوعيين، ليسجن ويعذب، ويتعرض لكل أشكال الاضطهاد.

هنا يستقر لدى الشاعر يقين الثوار، بأنّ الخلاص بات معلقاً بفوهة البندقية، ومع تنامي روح التحرر الوطني التي اجتاحت العالم الثالث في الخمسينيات والستينيات، ينحاز النواب إلى الثورة المسلحة، وفي منطقة الأحواز الإيرانية، تعتقله عناصر السافاك، ويم تسليمه إلى السلطات العراقية، التي تصدر عليه حكماً بالإعدام، يجري تخفيفه فيما بعد إلى السجن المؤبد.

وُلد مظفر النواب في الأول من كانون الثاني (يناير) العام 1934

تحكي الميثولوجيا اليونانية، عن أسطورة إيكاروس، الذي احتجزه مينوس ملك كريت وأباه، في متاهة الجزيرة، عقاباً لهما. وللهرب استعان الاثنان بأجنحة ثبّتاها على ظهريهما بالشمع، لكنّ الابن إيكاروس، تجاهل نصيحة والده وحلّق قريباً من الشمس، فسقط بعد أن أذابت أشعتها الشمع المثبّت لجناحيه.

في سجن الحلة، جنوب بغداد، وُضع مظفر النواب، ليقضي عقوبته بالسجن المؤبد، فحفر الأسير نفقاً؛ ليهرب من متاهة الزبانية، وحلّق مثل إيكاروس نحو الشمس، ضارباً الهواء بأجنحة القصيدة، فارتفعت به إلى عنان السماء.

 

في سجن الحلة، جنوب بغداد، وُضع مظفر النواب، ليقضي عقوبته بالسجن المؤبد، فحفر الأسير نفقاً ليهرب من متاهة الزبانية

 

عاد الثائر ليحمل بندقيته، ويخوض كفاحاً مسلحاً مع رفاقه في منطقة الأهوار، دفاعاً عن أحلام الفلاحين والبسطاء، وبعد صدور بيان العفو عن المعارضين في العام 1969، عاد إلى مهنة التدريس، قبل أن يغادر إلى بيروت، لتبدأ سنوات المنفى، وما بين الاغتراب والقصيدة، دوت كلمات النواب هنا وهناك، كهدير ألف طلقة أو يزيد.

بنية القصيدة وغضب الكلمات

تعالوا نتحاكم قدام الصحراء العربية؛ كي تحكم فينا

اعترف الآن أمام الصحراء

بأني مبتذل وبذيء وحزين

كهزيمتكم يا شرفاء مهزومين

ويا حكاماً مهزومين

ويا جمهوراً مهزوماً

هكذا انطلقت القصيدة السردية عند مظفر النواب، لتهيل التراب على شيء في ذاكرة العرب القريبة، في نثرية قص خالصة، تتعالق فيها مفردات التاريخ والراهن الأليم، فهو حين يتساءل: ماذا يدعى أن تتقنع بالدين وجوه التجار الأمويين؟ فإنّه يربط المعنى بما وصفه بشرب الأنخاب مع روجرز، كدلالة على الانصياع لأمريكا، وهو هنا يؤسس لبنية من الوقائع، يرتكز عليها القص الشعري، كمعادل موضوعي لجملة من التشكيلات المفعمة بالغضب والثورة، والعاطفة الممتزجة بالحزن الدفين.

هذا النص الشعري المفتوح على كل الاحتمالات، طرح من خلاله مظفر النواب، مجموعة من النماذج البنائية الجديدة للقصيدة السياسيّة الغاضبة، في سردية استجاب لها التشكيل الشعري عنده، بتطور بنيوي مدهش، اختفت معه كل الحدود الفاصلة بين الماضي والحاضر، حيث يتوارى هنا الزمن المفقود، بين الأمنية وعذاب استحالتها.

في العام 1981، تعرّض صاحب دفاتر المطر، لمحاولة اغتيال من قبل نظام صدام حسين، بعد سنوات طويلة من التتبع، ورغم اختطافه وتكبيله تمهيداً لنقله إلى السفارة العراقية، فشلت العملية، ونجا من الموت بأعجوبة، وعن هذا يقول: "كان لدي إحساس داخلي بأنني سأنجو، ونجوت". ومن جديد عاد ليحلّق ويهز بعنف قصائده عروش الطغاة.

هذا النص الشعري المفتوح على كل الاحتمالات، طرح من خلاله النواب، مجموعة من النماذج البنائية الجديدة للقصيدة السياسيّة الغاضبة، في سردية استجاب لها التشكيل الشعري عنده، بتطور بنيوي مدهش

ظلّ النواب رغم تقدمه في العمر، مخلصاً لقيم التحرر، ولكل مفردات الثورة، حتى أنّه وقبيل عودته إلى العراق، في العام 2011، كان مقيماً مع المتمردين الأرتيريين، يدافع بينهم عن قيمة الإنسان، وحقه في الثورة.

في الشارقة، كانت المحطة الأخيرة، لشاعر ثائر طاف العالم من أجل الحرية، حمل كل رايات النضال، ودافع عن أحلام المقهورين، في كوبا وفيتنام والهند الصينية وأفريقيا، لكنّه غادر، ولم تزل القدس عروس عروبتنا، تصرخ لبكارتها، بينما يطلب منها البعض، أن تسكت صوناً للعرض!

مواضيع ذات صلة:

مظفر النواب... آن للعمر بين الفنادق أن يستريح

مظفر النواب شاعر العراق الغاضب يثير الجدل حياً وميتاً

العراق يودع شاعره مظفر النواب بجنازة رسمية وشعبية مهيبة



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا
الصفحة الرئيسية