محمد المهدي المجذوب.. جنون شاعر وزهد صوفيّ

محمد المهدي المجذوب.. جنون شاعر وزهد صوفيّ

مشاهدة

30/08/2018

على بعد حوالي 200 كيلومتر شمال العاصمة السودانية الخرطوم، تخاصر "الدامر" الضفة الشرقية لنهر النيل العظيم، والدامر ليست مدينة بالمعنى المتعارف عليه، لكنّها ليست قرية كذلك، وهذا ما أشار إليه شِعراً أحد أبنائها "توفيق جبريل"، حين قال: "لا هي قرية تبدو بدواتها، ولا هي (بندرُ)"، أي مدينة.

في هذه البقعة المحتارة التي شبَّ فيها عن الطوق، وُلدَ العام 1918 الشاعر محمد المهدي المجذوب، سليل أسرة "المجاذيب"، المشهورة بالعلم والأدب والتدين الصوفي على الطريقة الشاذلية، فنال مذ طفولته المبكّرة حظاً مُقدراً من التعليم في المدارس الدينية (الخلاوي) التابعة لأسرته، قبل أن ينتقل برفقة والده الشيخ المجذوب جلال الدين الذي كان يعمل مدرِّساً للغة العربية بكلية غوردون التذكارية، إلى العاصمة الخرطوم، لمواصلة تعليمه؛ إذ تخرّج في الكلية ذاتها، ثمّ التحق موظفاً في ديوان الحسابات بوزارة المالية.

ملّكتُ قلبي للحِسان

حتى هو، لا يعرف متى كانت بداياته الشعرية، لم يكن يهتم كثيراً، فالصوفي زاهد في كلّ شيء، حتى إنتاجه الأدبي لا يعنيه، لكن موثّقين يرجحون أنّ بداياته تعود إلى العام 1934 بتلك القصيدة الغزلية الشهيرة: "ملّكتُ قلبي للحسانِ صبابة وشربت من خمرِ المحبّةِ مُدمنا".

اقرأ أيضاً: رحيل أحمد مطلوب... العلامة والشاعر والعاشق

والده الشيخ المجذوب جلال الدين

سُرعان ما ذاع شعر الصبي، ولفت الأنظار إليه، ما جعله محطّ اهتمام (ذوّيقة) الشعر وجمهوره، خاصّة أنّ قصائده كانت صوراً فوتوغرافية للمجتمع السوداني؛ ثقافاته المتنوعة، تقاليده، طرائق تدينه: "ليلة المولد يا سرّ الليالي والجمالِ/ وربيعاً فتن الأنفس بالسحر الحلال"، فجاءت أشعاره مفعمة بحرارة التجربة ومحتشدة بتفاصيل الواقع، فلم يدّخر حتى أساليب التزين "الخاصة جداً" لدى النساء السودانيات، مثل عادة "الدُخان" وهي أقرب إلى "حمام البخار"، بيد أنّ النساء هنا يتعرّقن بواسطة دخان خشب شجر الطّلح العطري، يشعلنه داخل حفرة، ويجلسن بالقرب منها لأوقات طويلة حتى يتصببن عرقاً، وتلتصق رائحة الدخان العطري بأجسادهنّ، ويكتسبن إلى جانب ذلك لوناً يميل إلى الصُفرة، قال المجذوب يصوّر امرأة (تتدخن): "وحفرة بدخان الطلح فاغمة تندي الروادف تلويناً و تعطيرا/ لمحت فيه - وما أمعنت- عارية، تخفي وتظهر مثل النجم مذعورا/ مدّت بناناً به الحناء يانعة تردّ ثوباً إلى النهدين محسورا/ قد لفّها العطر لفّ الغيم منتشراً بدر الدجى وروى عن نورها نورا/ يزيد صفرتها لمعاً وجدتها صقلاً وناهدها المشدود تدويرا/ أرخى الدخان لها ستراً فأبعدها كدرّة في ضمير البحر مسجورا".

أكوان غير مرئية

فضلاً عن أنّه كان بين شعراء جيله الأكثر تمكناً من العربية، عارفاً بأسرارها، خبيراً ببحور الشعر وأوزانه، فقد كان أيضاً مولعاً بالتصوير وابتكار معانٍ لم تكن مألوفة حينها، كقوله: "النار أوقدها "عيسى" وشَارَكني ... فيها ابنُ بيرقَ أسراري وأقْدَاسي"، أو "عندي من الزنج أعراق معاندة وإن تشدّق في إنشادي العرب".

كلية غوردون التذكارية

إلاّ أنّ كثيرين عابوا عليه استغراقه فيما يعتقد أنه ينتمي إلى نسب عربي شريف، ظلّ يفاخر به بين حين وآخر، بشكل مباشر أو غير مباشر، رغم ملامحه (الإفريقية/ الزنجية) البائنة، ومن ذلك قوله: "ليتني في الزنوج ولي رباب تميد به خطاي وتســــــــــتقيم/ وفي حقويَّ من خرزٍ حـزام وفي صدغيَّ من ودعٍ نظيــــم/ واجترع "المريسة" في الحــواني وأهـــذر لا أُلام ولا ألــــــــوم/ وأصرع في الطريق وفي عيوني ضباب السكر والطرب الغشوم/ طليق لا تقــــيدني قريـــــــش بأحســــــاب الكـــــرام ولا تميم".

محمد المهدي سليل أسرة "المجاذيب" المشهورة بالعلم والأدب والتدين الصوفي على الطريقة الشاذلية

كلّ ذلك لا يأتي خطفاً وعرضاً في شعره، بل يمثّل مركزاً له، إلى جانب التصوف والانجذاب نحو اللاواقع، نحو الميتافزيقيا والماورائية التي تكشف الحجب، وتسمو إلى أكوان غير مرئية، تلك هي مراكز أشعاره ومنثوراته، فها هو يقدِّم نفسه قائلاً:

"رأيت طفولتي الباكرة على ضوء هذه النار المباركة، ونظرت إليها وسمعت حديثها وعَلِمْتُ وانتشيت وغنيت، تلك النار التي أوقدها الحاج عيسى ود قِنديل، والسودان في مُلك العَنَجِ النصارى من أهليه، أوقدها في ليل "دَرُّو" الساكن، وظلت تُلقي ذوائبها الذهبية على الحَيران، تحلقوا حولها وعانقوا الألواح ورتّلوا القرآن، وسهر من حولها الفرسان والفقهاء وأصحاب الخوارق، يسبّحون وينشدون، سماحة بين الناس وأمناً وأريحية، قروناً طوالاً حتى الساعة. ودفع بي أبي إلى هذه النار، فرأيتُ وجه شيخي وسيدي، شيخ الفقراء الورع الحافظ، الفقيه محمد ود الطاهر. وأبي هو الشاعر المعلم، الحافظ العلامة الفذُ العابد، الشيخ محمد المجذوب، بن الفقيه محمد، بن الفقيه أحمد بن الفقيه جلال الدين، بن الفقيه عبد الله النَّقَر، بن طيِّب النيَّة الشاذلي، الفقيه حمد، بن الفارس الفقيه المجذوب، بن علي البكَّاء من خشية الله، بن حمد ضمين الدامر، بن عبد الله المشهور برجل "درُّو"، بن محمد، بن الحاج عيسى وَد قنديل بن حمد بن عبد العال بن عرمان، والإجماع قائم على أنّ شاع الدين وعبد العال ابني عرمان، أمّهما من نسل البضعة الشريفة، وأعدُّ نسبي في الجعليين من عرب السودان، حتى العباس بن عبد المطلب، والحمد لله على ذلك، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه".

لا يعرف متى كانت بداياته الشعرية ولم يكن يهتم لذلك كثيراً فالصوفي زاهد في كلّ شيء

ويقول المجذوب عن نفسه في موضع آخر: "أنا أحبّ الفرح، متفائل بطبعي، لأنني أحبّ الخير لنفسي وللناس، وبهذا تعتدل الحياة، لكن الله -جلّت حكمته- ابتلاني وأعانني، وله الحمد، فاحتملت، وأعياني حبّي للصفاء فاعتزلت، وأحاسب نفسي، وأتهم صدقي، وأتعب، وأوسوس، وأتشاءم، وعلمت، غير نادم، أنّ التطرف في الحبّ والولاء لا يؤذي إلا صاحبه، والنفوس شِحاح، والأنصاف على الصفاء هو الإكسير – والإكسير خرافة – وشجرة الإكسير كانت على الذروة من جبل كسلا، وليس غيرها في الدنيا، قيل صعد إليها رجل فاقتلعها، أين الرجل؟ اشتهيت أن أكون رساماً، ولم أفلح".

المجذوب: أنا أحبّ الفرح، متفائل بطبعي، لأنني أحبّ الخير لنفسي وللناس

رسائل ضائعة

يقول السفير السوداني الأسبق إلى لبنان جمال محمد إبراهيم في تصريح صحفي: نظرتُ في موقع القصة السورية الإلكتروني، فوجدت نبذة مختصرة عن القاصة التي كان يراسلها محمد المهدي المجذوب، فهي من مواليد 1935، كانت حينها في شرخ شبابها، تنحدر "ديزي الأمير" من أصول عراقية ولبنانية، أمها من ضهور الشوير بلبنان، ونشرت أولى مجموعاتها القصصية العام 1964، وحين التقت المجذوب في بيروت، كانت نجمة المنتديات الأدبية فيها، يتحلّق حولها أدباء ومبدعون. جمعتها بالشاعر اللبناني خليل حاوي علاقة كادت أن تفضي إلى زواج، غير أنّ ظروف الحرب الأهلية في لبنان طغت بميسم ثقيل على هذه العلاقة.

فضلاً عن تمكّنه بالعربية وبحور الشعر وأوزانه فقد كان مولعاً بالتصوير وابتكار معانٍ لم تكن مألوفة

دخل الشاعر حاوي في أزمته الشخصية الطاحنة، وهو -كما نعلم- شاعر وضع بصمته المميزة على حركة الشعر الحديث، وأستاذ جامعي لامع يدرّس الأدب في الجامعة الأمريكية في بيروت. عشية الاجتياح الإسرائيلي للبنان العام 1982، انكفأ على نفسه وأفرغ رصاص بندقيته في رأسه منتحراً، اضطربت حياة ديزي بعد ذلك وتزوّجت رجلاً لم تسعد معه، وعانت كثيراً، إلى أن رحلت، ولم نعرف لِمَ استقرت رسائل المجذوب إليها، في خزانة الراحل رجاء النقاش، أو ربما هي التي سلمتها له، ثم رحل هو الآخر، في آب (أغسطس) من العام 2008، وضاع كلّ شيء.

أفادني صديقي يوسف إدريس؛ الموظف بالجامعة العربية، بصورة مقال نشرته ديزي الأمير، في مجلة "الناقد"، العدد 78، بتاريخ كانون الأول (ديسمبر) 1994، وهي المجلة التي توقفت منذ أعوام، وكان يصدرها في لندن الأستاذ رياض الريس، حكت ديزي الأمير عن مجيء المجذوب عابراً إلى بيروت في أواسط الستينيات، وقد جمعته الصدفة المحضة هناك بنخبة من أدباء بيروت، في صالون الملحق الثقافي بسفارة السودان في ذلك الزمان، الأستاذ ضرار صالح ضرار، وسنوات الستينيات تلك، كانت سنوات عزّ بيروت وألقها الصخّاب.

ضاعت رسائل المحذوب إلى ديزي الأمير بعد أن ألحّ رجاء النقاش للحصول عليها فوافقت بعد طول تمنّع

وفي هذا السياق يقول السفير السوداني جمال إبراهيم في تصريح صحافي: "كتبت الأستاذة ديزي الأمير مقالاً في مجلة "الناقد"، تحت عنوان "السيرة الضائعة: رجاء النقاش يخفي رسائل الشاعر محمد المهدي المجذوب إلى ديزي الأمير"، في مقال لها نشرته صحيفة "الناقد" اللبنانية، في كانون الأول (ديسمبر) 1994، فصّلت فيه أمر تلك الرسائل تفصيلاً، وقالت عنها: إنّها رسائل كثيرة العدد"، وبضياعها تكون باقات من الأدب الرفيع ذهبت هباءً منثوراً، وكشفت في المقال ذاته، للمرة الأولى آنذاك، أنّ الناقد المصري الشهير الراحل رجاء النقاش، كان قد ألحّ عليها للحصول على تلك الرسائل، فوافقت بعد طول تمنّع، لكنه احتفظ بها سنوات طويلة دون أن يعالجها على نحو ما أو ينشرها كما هي، إلى أن وافته المنية فغاب، واختفت الرسائل، ولم يعرف أحد عنها شيئاً إلى الآن".

اقرأ أيضاً: شاعر الحرية والإنسانية ولد بلعمش في "بريد الراحلين"

الصفحة الرئيسية