
في مشهد يعيد للأذهان أبشع صور العنف، شهدت الكونغو الديمقراطية هجومًا مروعًا نفذه عناصر من تنظيم "داعش"، استهدف كنيسة في بلدة "مويكا" بمقاطعة كاساي الوسطى، ما أسفر عن مقتل 43 شخصًا بينهم نساء وأطفال. وقد أكد الجيش الكونغولي أن منفذي الهجوم ينتمون إلى "القوات الديمقراطية المتحالفة" المعروفة بارتباطها الوثيق بالتنظيم الإرهابي، في هجوم هو الأكثر دموية منذ أشهر في هذه المنطقة التي كانت تُعد آمنة نسبيًا.
ووصفت السلطات المحلية في المقاطعة الهجوم بـ"المجزرة الوحشية"، حيث اقتحم المهاجمون الكنيسة أثناء قداس الأحد، وفتحوا النار بشكل عشوائي قبل أن يفروا نحو الغابات المجاورة. وقد أظهرت صور نُشرت بعد الحادث مشاهد دامية لجثث الضحايا ممددة على الأرض، ما أثار حالة من الغضب الشعبي والحداد العام في البلاد.
هذا الهجوم ليس حادثًا معزولًا، بل يأتي ضمن سلسلة من الهجمات التي تصاعدت خلال الأشهر الأخيرة في مناطق شرق ووسط الكونغو، ما يعكس تنامي خطر داعش في منطقة البحيرات الكبرى، وخصوصًا بعد أن تبنّى التنظيم عدة عمليات في مقاطعات كيفو وإيتوري. وأثار هذا الحادث تساؤلات كبرى حول قدرة التنظيم على إعادة الانتشار في قلب القارة الإفريقية، في ظل هشاشة الدولة وضعف الرد الأمني.
تنظيم داعش في إفريقيا: خارطة التمدد الجديد
ورغم الضربات التي تلقاها تنظيم داعش في سوريا والعراق، فإن التنظيم لم يُهزم أيديولوجيًا ولا تنظيميًا، بل أعاد تموضعه جغرافيًا، مستفيدًا من هشاشة بعض الدول الإفريقية والصراعات العرقية والدينية التي تمزقها. وفي هذا السياق، باتت الكونغو الديمقراطية، إلى جانب موزمبيق ومنطقة الساحل، أحد أبرز بؤر انتشاره في القارة السمراء.
التنظيم لم يُهزم أيديولوجيًا ولا تنظيميًا بل أعاد تموضعه جغرافيًا مستفيدًا من هشاشة بعض الدول الإفريقية والصراعات العرقية والدينية التي تمزقها
ففي شرق الكونغو، تنشط "القوات الديمقراطية المتحالفة" التي أعلنت بيعتها لداعش منذ 2019، وتبنت عشرات الهجمات الدموية ضد المدنيين وقوات الجيش، وقد صنّفت الولايات المتحدة هذه الجماعة كفرع رسمي للتنظيم تحت مسمى "ولاية وسط إفريقيا". وتقول تقارير استخباراتية إن هذه الجماعة تلقّت تدريبات عسكرية وأسلحة من شبكات خارجية مرتبطة بداعش، مما يعزز فرضية وجود تنسيق إقليمي واسع.
وفي موزمبيق، يسيطر الفرع المحلي للتنظيم المعروف بـ"أنصار السنة" على مناطق في إقليم كابو ديلغادو، حيث شنّ هجمات على منشآت الغاز والبنية التحتية الحيوية. وقد دفعت هذه الهجمات المجتمع الدولي إلى نشر قوات مشتركة من رواندا ودول الجوار لمساندة الجيش المحلي، في مشهد يعكس تعقيدات المعركة الأمنية ضد التنظيم في الجنوب الإفريقي.
أما في الساحل، فتخوض "ولاية الصحراء" صراعًا دمويًا مع "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" التابعة للقاعدة. وقد شهدت مالي وبوركينا فاسو والنيجر هجمات متكررة تبناها داعش، في ظل حالة من الانسحاب الفرنسي وضعف التنسيق الأمني الإقليمي. ويبدو أن التنظيم يراهن على الانقسامات المحلية وغياب الدولة لتوسيع نفوذه، وبناء ما يشبه "إمارات إرهابية" متنقلة.
توسع دموي في مناطق رخوة
هذا وشهدت مناطق شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية تصاعدًا لافتًا في وتيرة الهجمات الإرهابية خلال الأشهر الأخيرة، كان أبرزها الهجوم الذي استهدف كنيسة في إقليم كيفو الشمالي وأدى إلى مقتل 43 شخصًا. وقد تبنى تنظيم "داعش" هذا الهجوم، مما يعكس انتقالًا نوعيًا في عملياته من استهداف القوافل العسكرية إلى ضرب أهداف دينية ومدنية حساسة.
ويرى تقرير صادر عن مركز الدراسات الأمنية أن نجاح التنظيم في التمدد يعود بشكل رئيس إلى هشاشة الدولة وانعدام السيطرة على المناطق الحدودية، بالإضافة إلى استغلاله للمصادر الطبيعية والمالية المحلية كالذهب والمعادن النادرة. وذكر التقرير أن التنظيم يستفيد من ضعف الرقابة الحكومية، ليؤمن لنفسه تمويلًا مستدامًا يمكنه من استمرار عملياته وتوسيع نفوذه.
يرى مراقبون أن اختيار الكنائس كأهداف ليس مجرد عمل عشوائي بل يدخل ضمن استراتيجية دعائية دموية تهدف إلى بث الرعب
ويعزز تنظيم "داعش" حضوره من خلال شبكات محلية تعتمد على الترويع والنهب والسيطرة على موارد طبيعية. وفي ظل ضعف الرقابة، تتحول هذه الموارد إلى مصادر تمويل تضمن للتنظيم الاستمرارية والتوسع، دون حاجة إلى دعم خارجي مباشر.
ويرى مراقبون أن اختيار الكنائس كأهداف ليس مجرد عمل عشوائي، بل يدخل ضمن استراتيجية دعائية دموية تهدف إلى بث الرعب، وشحن الأوضاع الطائفية والعرقية، مما يوفّر للتنظيم بيئة من الفوضى يستثمر فيها على المدى الطويل، سواء عبر التجنيد أو السيطرة الميدانية.
ردود الفعل الإقليمية والدولية: قلق متزايد وتحركات متباينة
هذا الهجوم الدامي الأخير في الكونغو أثار مخاوف إقليمية ودولية بشأن تصاعد تهديد تنظيم داعش في وسط أفريقيا. فقد أدانت الحكومات المجاورة، مثل أوغندا ورواندا، الهجوم ووعدت بتعزيز التعاون الأمني لمواجهة الجماعات المسلحة التي تعيث فسادًا في المنطقة. وتعمل هذه الدول عبر قوات مشتركة لمساندة الجيش الكونغولي في محاربة "القوات الديمقراطية المتحالفة" والحد من نشاطها.
من جهة أخرى، حثت الأمم المتحدة والمجتمع الدولي على تقديم دعم أكبر للجهود الأمنية والإنسانية في شرق الكونغو، مع التأكيد على أهمية معالجة الأسباب الجذرية للأزمة، مثل الفقر، ونقص التنمية، وتدهور المؤسسات الأمنية. وأكدت بعثة الأمم المتحدة في الكونغو أن تزايد العنف يعرض المدنيين الأبرياء لخطر جسيم ويهدد الاستقرار الإقليمي.
توسع التنظيمات الإرهابية في القارة يُغذى عبر استغلال الفقر وانعدام الفرص إذ تتحول المجتمعات المهمشة إلى سوق خصبة للتجنيد
رغم هذه التحركات، يشير محللون إلى أن الردود ما تزال غير كافية، وأن ضعف التنسيق بين الدول والافتقار إلى استراتيجية شاملة تسمح للتنظيم بتمديد نفوذه واستغلال الفراغ الأمني. كما أن تعدد الجماعات المسلحة وتداخل مصالحها يزيد من تعقيد المشهد، ويحول دون تحقيق نتائج حاسمة في المعركة ضد الإرهاب.
في الوقت ذاته، يحذر خبراء من أن التركيز فقط على الحلول الأمنية دون معالجة الأسباب الاجتماعية والاقتصادية سيؤدي إلى استمرار دورة العنف وانتشار الفوضى، مما يفتح المجال أمام التنظيمات الإرهابية لاستقطاب المزيد من الشباب الباحثين عن بدائل وسط ظروف معيشية صعبة.
مخاطر مستقبلية: هل إفريقيا على أعتاب سيناريو شبيه بالموصل؟
ومع تصاعد نشاط تنظيم داعش في مناطق عدة من إفريقيا الوسطى والشرقية، تتزايد المخاوف من أن تواجه القارة سيناريو مأساويًا مشابهًا لما حدث في مدينة الموصل العراقية قبل سنوات. حيث استطاع التنظيم هناك إقامة "دولة" موازية، يمارس فيها سلطته بالقوة والقمع، مستفيدًا من الفراغ الأمني والتوترات المجتمعية.
في إفريقيا، خصوصًا في مناطق مثل الكونغو الديمقراطية، موزمبيق، والساحل، توفر هشاشة الدولة، وتفكك مؤسسات الأمن، وانقسامات المجتمعات بيئة ملائمة لتكرار مثل هذه التجربة. فغياب الحكم الرشيد يؤدي إلى تفاقم الأزمات، مما يسهل على التنظيمات الإرهابية السيطرة على مساحات واسعة، وفرض إرادتها بالقوة.
كما أن توسع التنظيمات الإرهابية في القارة يُغذى عبر استغلال الفقر وانعدام الفرص، إذ تتحول المجتمعات المهمشة إلى سوق خصبة للتجنيد. ويضاف إلى ذلك الانقسامات العرقية والطائفية التي تستغلها الجماعات المسلحة لتعزيز نفوذها، وبث الخوف بين السكان.
وفي ظل هذه المعطيات، يرى خبراء أن مواجهة داعش في إفريقيا تتطلب استراتيجية شاملة تتجاوز الجانب الأمني لتشمل التنمية الاقتصادية، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وتعزيز التعايش الاجتماعي، إلى جانب التنسيق الإقليمي والدولي المكثف.
وفي حال استمرار التقاعس أو ضعف الاستجابة، فإن القارة الإفريقية قد تشهد تصاعدًا في أعمال العنف، مع تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار ليس فقط داخل الدول المتأثرة، بل على المنطقة بأسرها، مما يستدعي تحركًا عاجلاً ومتكاملاً.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B6%D8%A7%D8%A1%20%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D9%8A_0_2_0.jpg.webp?itok=_sFlPzn8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D9%88%D9%88%D9%88_0.jpg.webp?itok=5vQRr4dD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/81872688-fbc4-42e8-89c8-2a104ba8fefe.png.webp?itok=E_fyVLVH)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_105_0.jpg.webp?itok=Di4TYWFQ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B8%D9%84%D8%A7%D9%84_0_2.jpg.webp?itok=hQGL9w4e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B3%D8%A7%D8%B9%D8%AF-%D9%85%D8%AF%D9%8A%D8%B1-%D8%A3%D9%85%D9%86-%D8%AA%D8%B9%D8%B2-%D9%86%D8%A8%D9%8A%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%AF%D9%87%D9%8A.jpg.webp?itok=tiXXhcD0)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A4_3_0_0_1_0.jpg.webp?itok=5LhvMVBt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/kolds5bJ.jpg.webp?itok=XhkLPCxd)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%8A%D8%B4-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86%D9%8A_1_1_0_0_0.jpg.webp?itok=mo5Wod39)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/474d1761-eb23-42bc-9067-7e2924393dd2.jpg.webp?itok=B_iW5YGn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1_90.png.webp?itok=nqFTAzIc)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/images_9_0.jpg.webp?itok=1nRP-ZIv)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A8%20_2.jpg.webp?itok=AnV0Unc7)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Screenshot%202026-06-16%20142601.png.webp?itok=2qlF45oa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_21_0_0.jpg.webp?itok=myU5DPhU)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%867_2_0_0.jpg.webp?itok=KAB_cJlS)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1_89.png.webp?itok=7-WgJd8p)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D8%AD%D8%A7%D8%B6%D9%86%D8%A9%20%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8_0_1.jpg.webp?itok=WwqZho3e)