
أعلن "مجلس خبراء القيادة" الإيراني اليوم تعيين مجتبى خامنئي، قائداً أعلى ثالثاً للنظام الإيراني خلفاً لأبيه علي خامنئي، منهياً بذلك جدلاً كان على مشارف التحوُّل إلى نقطة انقسام داخلي عميق. ويأتي القرار الذي أعلنته الأمانة العامة للمجلس المكون من 88 عضواً من كبار رجال الدين الذين يفوضهم الدستور حق اختيار القائد الأعلى في ضوء جدلٍ واسعٍ في الكواليس السياسية الإيرانية، بدأت معالمه تطفو على السطح بين أغلبية مدعومة من "الحرس الثوري" كانت تدعم خيار تعيين نجل القائد الأعلى السابق، وأقلية كانت ترغب في منح المنصب لمرشحين آخرين. وحصل مجتبى على 50 صوتاً في "مجلس خبراء القيادة"؛ ما يعني أنها أغلبية هشة نسبيّاً، لكنّها كانت كافية لتأمين وصوله إلى المنصب الأهم في إيران.
دلالات التعيين
ينطوي هذا التعيين على عدد من الدلالات، أهمها الآتي:
- شهدت الساحة السياسية الإيرانية خلافاً متصاعداً، قبيل اختيار مجتبى خامنئي، وكان من شأن هذا الخلاف أن يؤسس لانقسام بنيوي داخل البيت السياسي الإيراني. ومن المفترض أن يُنهي تعيين الرجل في أعلى منصب سياسي في البلاد هذا الخلاف. ويعودُ جزء من أسباب تقلُّص الخلافات، إلى محاولة القائد الجديد خطب ود التيّار المُعارض عبر منحه بعض المناصب والامتيازات، لكن جزءاً آخر من هذا الانسجام سيكون مَردُّه الضغوط التي تمارسها المؤسسات العسكرية والأمنية التابعة للقائد الأعلى بحق المعارضين أو الخوف من التعرُّض لهذه الضغوط، وذلك تماماً مثلما حدث أثناء الانتقال السيادي الأول عام 1989؛ حيث تعرض المعارضون إلى تنكيل من تلك المؤسسات.
- يأتي تعيين نجل علي خامنئي قائداً جديداً خلفاً لأبيه الذي قُتِلَ في هجوم جوّي شنته الولايات المتحدة وإسرائيل، تحديّاً للتهديد الذي أطلقه هذان البلدان باستهداف الرجل؛ فالولايات المتحدة، على لسان رئيسها دونالد ترمب، أعلنت في وقت سابق رفضها تعيينه، مؤكدة أنّ تعيين القائد الجديد ينبغي أنْ يحصل بالتنسيق معها، وأنّها ستعمل على اغتيال من يتمّ تعيينه إذا أراد مواصلة درب علي خامنئي. أما إسرائيل فقد أعلنت أكثر من ذلك، حين قالت إنّ كلّ من يُعيَّن في المنصب سيكون هدفاً لها، وكذلك كلّ الأشخاص الذين يقومون بعملية الاختيار. وفي كلا الحالتين فإنّ النتيجة واحدة، وتعيين مجتبى خامنئي إذْ يُعدّ تحدياً واضحَاً للقرارين فإنّه يعني أنّ مجتبى خامنئي مُعرَّض لخطر الاغتيال منذ اليوم الأول لتنصيبه.
- رحّب "الحرس الثوري" بتعيين مجتبى خامنئي بحرارة، وبارك اختياره قائداً للثورة، وللشعب الإيراني. وكان ذلك متوقعاً في ضوء تأكيد كُلّ الأنباء أنّ مجتبى كان بالأساس هو خيار "الحرس الثوري"، وأنّ قرار تعيينه جاء بفعل ضُغوط مارستها هذه المؤسسة على أعضاء "مجلس خبراء القيادة". وبينما يعني ذلك أنّ القائد الأعلى الجديد سيحمل في جيبه ورقة دعم "الحرس الثوري" على المدى القصير فإنّ الأمر قد يكون مختلفاً على المديين المتوسط والبعيد إذا بقى الرجل حيّاً، وبقي في منصبه الجديد. فالولي الفقيه الجديد سيكون عليه التعامل مع العملاق العسكري والاقتصادي والإعلامي الذي يعدُّ نفسه صاحب الفضل في إيصال مجتبى خامنئي إلى سدّة الحكم، ويرى نفسه جديراً بأنْ يكون شريكه في السلطة، إنْ لم نقل إن الحرس قد يسعى لأن يكون قيّماً على مجتبى، وعلى سلطته المطلقة. ولا يكون الأمر غير واقعي إذا أخذنا بالحسبان الخلافات التي سيطرت على علاقات "الحرس الثوري" وعلي خامنئي، خصوصاً في خلال العقد الأخير الذي تحول فيه "الحرس الثوري" إلى الندّ الذي تنافس قوّته قوة القائد. وستكون المشكلة أكثر تعقيداً فيما لو قرّر القائد الجديد، خوض مفاوضات حول ملفات يعدها "الحرس الثوري" من صلاحياته، أو حاول تقديم تنازلات للولايات المتحدة من شأنها أن تمسّ مصالح ومكانة "الحرس الثوري". وحينها يمكن توقع أنّ الوئام بين الجانبين كان من مجاملات اليوم الأول فقط.
- بشأن الأجندة السياسية التي يمكن أنْ يتّبعها القائد الأعلى الجديد فلن يكون أيّ شيء مضموناً. وبطبيعة الحال اُشتهر تدخل "نجل القائد" في الشأن السياسي الإيراني منذ عملية الاقتراع الرئاسي التي أدّت إلى فوز أحمدي نجاد (عام 2005)، وذلك حين حاول التأثير على مسار الانتخابات، وصوغ القرار الأمني، وتحديد معالم المشهد السياسي العام. وقد واجه تدخله في مسار الانتخابات امتعاضاً من كبار الإصلاحيين الذين رأوا أنّه مارس ضغوطاً لتغيير نتيجة الانتخابات. وكانت الانتخابات الرئاسية التالية نقطة الأوج في تدخل مجتبى في الشأن السياسي؛ حيث أدّى تدخله إلى قمع "الحركة الخضراء"، واعتقال كبار قادتها المحتجين على تزوير الانتخابات. ومنذ ذلك الحين، يعرفُ عن مجتبى اقترابه من مؤسسة أمن "الحرس الثوري"، واعتماده المقاربة الأمنية، وتأييده اقصاء المعارضين، لتكون الساحة خالصة له من دون الآخرين. كما يُعرف عنه نشاطه الاقتصادي الواسع بما أدّى إلى تكوين "إمبراطورية اقتصادية" يقدرها البعض بنحو 90 مليار دولار، وهي منظومة اقتصادية شاملة، مبنية على سبل غير شفافة، وتعتمد ممارسة الضغوط للحصول على الأعمال، والصفقات، والأولويات. وعلى الرغم من أنّ هذه التجربة تُرجِّحُ احتمال أنْ ينهج مجتبى خامنئي نهجاً تعسفياً، لا يختلف عن نهج أبيه، فإنّه يتوجب عدم نسيان أنّه يأتي إلى سدّة القيادة في ظروف حربٍ صعبة، قد تدفعه إلى تقديم بعض التنازلات، ومُحاولة الظهور بمظهر جديد أكثر اعتدالاً، وأكثر اتّزاناً. ومع ذلك، فلا يمكن أبداً التفكير بأنّ الرجل يمكنُ أنْ يتخلّص من الضُّغوط التي يُمارسها الرئيس الأمريكي ترمب عليه للقبول بشروطه، كما لا يُمكن تجاهل الواقع الاجتماعي الساخط عليه، بفعل إرث أبيه، والحالة الاقتصادية المزرية، ومجزرة يناير الماضي [ضد المحتجين على النظام]. وقد يدفعه كُلّ ذلك على الصعيد الداخلي، إلى محاولة للظهور بمظهر مختلف عن أبيه، لاستعطاف الشارع، من طريق خطوات انفتاح اجتماعي وسياسي واقتصادي. كما قد يدفعه على الصعيد الدولي، نحو المساومة والتنازل عن بعض المواقف لضمان استمرار العمل ودوام العهد.
سيناريوهات محتملة
في ضوء الملاحظات السالفة، وفي ظل المقوّمات الشخصية لمجتبى خامنئي، وتوزيع القوى الاجتماعية والسياسية، ومعالم المواقف الصادرة عن واشنطن وتل أبيب بشأن النظام السياسي الإيراني ومصير القائد الجديد، فإن مستقبل مجتبى القريب سيكونُ منفتحاً على عدّة سيناريوهات محتملة:
1. ألّا يستمرّ عهد القائد الإيراني الجديد طويلاً؛ فالتهديدات التي أطلقتها الولايات المتحدة وإسرائيل بشأن اغتياله تبدو حقيقية تماماً، خاصةً إذا أخذنا بالحسبان محاولاتهم السابقة للنّيل منه، ومن ضمنها عملية القصف التي استهدفت قبل أيام قليلة، ملجأ علي خامنئي بمائة قنبلة، أطلقتها خمسين طائرة، وأدت إلى مقتل عدّة وجوه من حلقة مجتبى الأولى. وفي حين أكّد الرئيس ترمب أنّ واشنطن ستتخلص من الرجل إذا عُيّنَ قائداً فإنّ الاستراتيجية التي اتّبعتها تل أبيب بشأن "حزب الله" حين اغتالت خليفة حسن نصر الله، بعد أيام على مقتل الأخير، تُرجّح احتمال لجوئها إلى السيناريو ذاته، خُصوصاً لو أخذنا بالحسبان الضّعف الذي تُعاني منه الأجهزة الأمنية الإيرانية، بعد الضربات الموجعة التي تلقّتها. وسيكون سيناريو التغييب السريع وارداً، إلّا إذا افترضنا نجاة الرجل عن محاولات تحييده نتيجة إبعاده عن الملأ العام لفترة طويلة أو التوصُّل إلى توافقٍ مع واشنطن وتل أبيب يتضمن حياته، ويضمنها مقابل تنازلاتٍ.
2. الانفتاح على الولايات المتحدة ووقف الحرب؛ وينطلق هذا السيناريو من افتراضٍ نظريّ مفاده أنْ يُقرّر القائد الأعلى الجديد، تغيير النهج السياسي لبلاده عبر الانفتاح الدولي، وربّما الانفتاح المزدوج على الدّاخل والخارج. على أنْ يتضّمن انفتاحه على الولايات المتحدة قراراً بوقف الحرب، والدخول في مسار مساومة، تنتهي إلى توافق حول الملفات الخلافية، مقابل نزع فتيل الأزمة، والتوقف عن التهديد بقتله. وبينما قد يؤدي هذا المسار إلى تعزيز مكانته الداخلية، لكنَّه سيكون مساراً صعباً للغاية، ولا يمكن تصور نجاحه من دون مباركة "الحرس الثوري"، خصوصاً أنّ أية مساومة مع الولايات المتحدة وإسرائيل لا بدّ وأنْ تتناول ملفاتٍ حسّاسة، تخص "الحرس الثوري"، وقدراته، وصلاحياته، وربما مصيره.
3. أنْ يستطيع القائد الأعلى الجديد، مواصلة مهامّه لمدة زمنية أطول، من دون أنْ ينخرط في مسار مفاوضات، أو يُقدِّم تنازلات تضمن حياته؛ ويفترضُ هذا السيناريو أنْ يأتي استمرار أعمال مجتبى خامنئي نتيجةً لعدّة عوامل، من بينها: نجاح حمايته الشّخصية في التصدّي لمحاولات الاغتيال، حتى إذا تضمّن ذلك غيابه عن الملأ العامّ لفترة من الزمن، وتنازُل ترمب عن فكرة اغتياله، والاكتفاء من المواجهة العسكرية بنتائج يعدّها ترمب مبهرة، مثل: مقتل علي خامنئي، والقضاء على التهديد الذي تمثله إيران عبر القضاء برنامجيها النووي والصاروخي. ويفترض هذا الاحتمال أيضاً، أن يمارس الرئيس ترمب، ضغوطاً على إسرائيل، للتنازل عن فكرة اغتيال مجتبى، والاكتفاء بالحصيلة الاستراتيجية التي تحققت حتّى الآن، والتي تتمثّل في السيطرة التّامة على الأجواء الإيرانية، والقدرة على بلوغ أي هدف تريده إسرائيل، في أيٍّ وقت تريد. على أن هذا الاحتمال، يبقى بمثابة نافذه مفتوحة على احتمالات وسيناريوهات أخرى متعدّدة، تعتمد على مسار المواجهة، وتفضيلات أمريكا وإسرائيل والقائد الأعلى الجديد في طهران. كما تعتمد على ردود فعل الشارع الإيراني الذي يبقى سكوته حاليّاً مرتبطاً بأجواء الحرب، ومتأثّراً بها، لكن بالتأكيد ستكون له كلمةٌ أخرى، وموقفٌ آخر، حينما تنقشعُ هذه الأجواء.
مركز الإمارات للسياسات

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_105_1.jpg.webp?itok=YFMYYJ6o)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%8688_0_3_1_7_16.jpg.webp?itok=5xAFcRln)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B6%D8%B1%D9%85%D9%88%D8%AA_0_0_0_0.png.webp?itok=aiu3-jwk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%AA%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7_16_0.jpg.webp?itok=cBqOpkeR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%88%D9%8A%D8%AA_12_0_0_0_0.jpg.webp?itok=A-z0ubez)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/hq720_1.jpg.webp?itok=K5jtD8NN)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D9%86_1_0.jpg.webp?itok=NCzTOlr5)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/IMG_6670_0_1_7.jpeg.webp?itok=8RV_dWnL)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/344281-293240_0_0_0_2_1_0_0.jpg.webp?itok=TDvTeKmh)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%88%D8%AB%D9%8A%D9%88%D9%86%20%D9%8A%D9%85%D9%86_0_0.jpg.webp?itok=qYITRVsk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A72_1_0_2.jpg.webp?itok=jfkTcgP5)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/45441_1_1616298792.jpg.webp?itok=21c-OiEa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/66442868058220260615035806586.jpg.webp?itok=b4jj-erZ)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D9%84%D8%A7%D9%8A%D8%A9_3_2_2.jpg.webp?itok=yJg8j5Rq)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/b6b06990-51e8-4db4-b177-dfee67f75ab5.png.webp?itok=30a_eE-o)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/aadbeb50-0699-4359-8d4e-8951106bf7e5.jpg.webp?itok=wnuQsws2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%867_2_0_0.jpg.webp?itok=KAB_cJlS)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)